«رواق سقراط» ينزل الفلسفة من برجها العاجي: ديكارت يصافح الغزالي في شوارع بيروت
سلوى دبوق
الخميس 2 تموز 2026
مبادرة «رواق سقراط» شكل من أشكال المقاومة الثقافية وسط الأزمات. يسعى المشروع، المقام في مكتبة الباشورة، إلى بناء وعي نقدي وتوازن نفسي لدى المواطنين عبر طاولات حوارية تجمع مختلف الأجيال والثقافات، مؤكداً أن الفكر أداة صمود لا تنكسر
لم تكن بيروت يوماً مجرد عاصمة عابرة، بل هي رمز تاريخي للصمود، ورفض الهيمنة، ومقاومة الاحتلال. إنّها المدينة التي فتحت ذراعيها واحتضنت النازحين بكل حب؛ واليوم، تؤكد العاصمة أنها أيضاً رمز للمقاومة الثقافية التي لا تقل صلابة.
مثلما صمدت الأرض في وجه النار، يرتسم اليوم خط دفاع من نوع آخر: مقاومة لا تُطلق الرصاص، بل تفتح الكتب، وتدير النقاش، وتبني الوعي لمواجهة مخلفات الحرب المعنوية.
في قلب العاصمة، وتحديداً داخل مكتبة إلياس خوري العامة في منطقة الباشورة، يجتمع ناس المدينة كل يوم سبت ليصنعوا من السؤال الفلسفي درعاً يحمي العقول من قلق المستقبل أو الاستسلام لليأس.
بتعاون بين «مركز الإنماء القومي» وجمعية «السبيل» وبلدية بيروت، وُلد مشروع «رواق سقراط».
هذا الرواق ليس نادياً نخبوياً يتبادل فيه الأكاديميون مصطلحات معقدة، بل هو محاولة حية وغير مسبوقة لإعادة الفلسفة إلى رصيف المدينة، وإلى عقول ناسها الذين يحتاجون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تفكيك ما يدور حولهم من قلق وخوف.
بناء الوعي النقدي
يفسر مدير «مركز الإنماء القومي» وأستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية محمد مطر، الفكرة ببساطة وعمق: «الهدف هو إنزال الفلسفة من أبراجها العاجية وتخليصها من لغتها الثقيلة لتتحدث لغة الناس والحياة اليومية». يرى مطر أنّ الفلسفة ليست ترفاً نلجأ إليه وقت الرخاء، بل هي أداة لفهم الذات والواقع وسط الأزمات. وفي لحظة يحاول فيها العدو كسر روح الوطن، يصبح اجتماع هؤلاء الناس للتفكير والنقاش فعلاً نضالياً، وتأكيداً أن وعي المدينة عصيٌّ على الانكسار.
تحت السقف المليء بالكتب، تسقط الألقاب والفوارق؛ يجلس الطالب إلى جانب المتقاعد، والموظفة إلى جانب الباحث، ليتحول الجميع إلى شركاء في إنتاج الفكرة. لم يعد الفيلسوف هنا تمثالاً من مرمر، بل أصبح رفيق حوار يساعد العابرين في الشارع على قراءة تفاصيل حياتهم المعقدة.
في زمن الأزمات والحروب، تتدفق السرديات الجاهزة والأخبار الموجهة التي تحاول فرض مناخ من اليأس. هنا يبرز دور الوعي النقدي؛ إذ تشير سارة إدريس، وهي إحدى المشاركات في الرواق، إلى أن نشر التفكير والوعي بين أفراد المجتمع في هذه الأوقات الصعبة يعد صمام أمان؛ يتعلم الفرد من خلاله كيف يفحص الأخبار ولا يستقبلها كمسلمات مطلقة.
هذا البحث المستمر عن الحقيقة تراه رُبى غول، المشاركة أيضاً في الجلسات، حاجةً إنسانيةً دائمة لتطوير الذات وتحديث الأفكار. غياب هذا النقد يجعل المجتمعات هشّة أمام الاختراق المعنوي. لذلك، فإن السؤال داخل الرواق يملك سلطة تحريرية؛ إنه يكسر القوالب الجامدة ويمنح الحاضرين صلابة نفسية وذهنية لمواجهة الضغوط التي تفرضها يوميات العاصمة.
طاولات مستديرة
الغنى الحقيقي في الرواق لا يقف عند تنوع الوجوه، بل يمتد عميقاً إلى الأفكار المعروضة على الطاولة المستديرة، حيث لا ينغلق الحاضرون على مدرسة فكرية واحدة أو تيار أيديولوجي محدد، بل يفتحون النوافذ على اتساعها ليتنفس المكان من رئة الإرث الإنساني المشترك. ينقلنا المشاركون، مثل قمر الأنبياء عمارة وعبد الجواد هاشم، إلى أجواء الحوار المعرفي والنفسي الذي تُحدثه اللقاءات، وكيف يتحول النقاش من مجرد استعراض نظري إلى حاجة وجودية ملحة تعيد ترتيب الفوضى الداخلية التي خلفها القلق الراهن.
على الطاولة ذاتها، وفي تجاور فكري مثير، يلتقي الفكر الإشراقي والنقدي لأبي حامد الغزالي مع العقلانية التأسيسية والمنهجية لرينيه ديكارت. هذا التمازج ليس مجردَ استعراض تاريخي مجرّدٍ أو محاولة للمقارنة الأكاديمية الباردة، بل هو استدعاء واعٍ لأدوات الماضي وجعلها حية من أجل تشريح وقراءة الحاضر المأزوم.
حين يناقش الحاضرون «الشك الديكارتي» بوصفه طريقاً للوصول إلى اليقين، فإنهم لا يدرسونه كنص جامد، بل يمارسونه كأداة حية لتصفية الأخبار والغربلة اليومية للسرديات والشائعات الموجهة التي تضخها ماكينات الحرب النفسية لزعزعة استقرار الناس. وفي الوقت نفسه، حين يستحضرون طروحات الغزالي حول مجاهدة النفس ومعضلات الشك واليقين، فإنهم يبحثون في عمق إرثه عن ذلك التوازن الروحي والصلابة النفسية التي تعيد ترميم ذواتهم القلقة، وتمنحهم نوعاً من الطمأنينة والسكينة وسط بحر متلاطم من التهديدات الوجودية. إنها مصافحة فكرية استثنائية تؤكد أن العقل والروح، والحداثة والأصالة، يلتقيان معاً لإنقاذ الإنسان حين تشتد عليه الأزمات.
تنوع ديموغرافي
أجمل ما في مشهد «رواق سقراط» هو عفوية وتنوع الحضور. طاقة المكان تنبع من تباين أعمار وخلفيات الحاضرين الذين يمسكون بأجهزتهم اللوحية أو دفاترهم لتدوين فكرة أو مناقشة نص. تمازج الأجيال هذا يحمل رسالة بليغة: بيروت ترفض الموت الثقافي. التفاف الناس حول الكتاب والكلمة في مكتبة عامة تقع في منطقة شعبية وتاريخية كالباشورة، هو الوجه الحقيقي للمقاومة الشعبية الثقافية. المكتبة هنا غادرت وظيفتها التقليدية كمستودع للكتب الصامتة، لتتحول إلى ساحة تفاعل ومحترف لصناعة الأمل والوعي، مواجهةً بكل عناد محاولات التجهيل والإحباط.
في النهاية، يثبت «رواق سقراط» أنّ الفلسفة في أوقات المحن تتحول من ترف فكري إلى حاجة حيوية تشبه الأوكسجين. إن إرادة التفكير هي الشقيقة الصغرى لإرادة الحياة. وما يفعله القائمون على هذا المشروع ليس مجرد تنظيم ندوات، بل هو كتابة فصل جديد من فصول عناد هذا الوطن وصموده؛ صمود يتجاوز مجرد البقاء البيولوجي ليتشبث بالحرية والنقد كشرطين أساسيين لكرامة الإنسان. هذا الرواق يفتح طاقة نور وسط العتمة، ويؤكد أن الشعوب التي تقرأ وتفكر، قد تتعب... لكنها أبداً لا تنكسر.
المصدر: الأخبار