أحداث ثقافية أخرى
أول متحف للتصوف في باريس… حيث يتحول الفن إلى رحلة روحية
الطيب ولد العروسي
الخميس 23 نيسان 2026

في متحف الفن والثقافة الصوفية بضواحي باريس، يلتقي الفن بالروح في تجربة تأملية فريدة. بين مخطوطات وأعمال معاصرة وتقنيات حديثة، يعيد المتحف تعريف التصوف كمسار إنساني عالمي، ويحوّل الزيارة إلى تجربة داخلية تتجاوز حدود المشاهدة إلى المعايشة.
 
كانت البداية لقاءً عابرًا في أحد مطاعم الدائرة الثامنة عشرة بباريس، لكنه سرعان ما تحوّل إلى تجربة فكرية وروحية عميقة. كنتُ برفقة الخطاط الجزائري عبدالكريم بن بلقاسم على موعد مع الفنان العالمي رشيد قريشي، وحين وصلنا وجدناه بصحبة السيدة آمنة آيت علي، مديرة متحف الفن والثقافة الصوفية MUSEE DE L’ART ET DE LA CULTURE SOUFIS MTO، الكائن بمدينة Chatou التابعة لإقليم département des Yvelines، على بعد نحو خمسة عشر كيلومترًا من باريس.
 
في تلك اللحظة، لم يكن الاسم يعني لي الكثير، لكنه أثار فضولي. فطلبتُ زيارة هذا المتحف الذي لم أكن قد سمعت به من قبل. وبعد أيام قليلة، وجدنا أنفسنا أمام بوابته، نستعد لاكتشاف عالم جديد، عالم يتجاوز حدود الجغرافيا والثقافة، ليغوص في عمق التجربة الإنسانية.
 
استقبلتنا المديرة بحفاوة، وبدأت في تقديم هذا المشروع الذي يتربع وسط حديقة واسعة، حيث تتناغم النباتات والأشجار في مشهد يبعث على السكينة. لم يكن المكان مجرد فضاء معماري، بل بدا وكأنه مقدمة صامتة لما ينتظر الزائر في الداخل: تجربة قائمة على التأمل والهدوء والانفتاح على الذات.
 
ما يميز هذا المتحف حقا هو قدرته على نقل التصوف من مستوى المفهوم النظري إلى مستوى التجربة الحسية
 
يحتل المتحف بناية فرنسية أنيقة تعود إلى القرن التاسع عشر، وهو ما يضفي عليه طابعًا تاريخيًا خاصًا. غير أن هذا البعد التاريخي لا يُثقل المكان، بل يتكامل مع روحه المعاصرة، حيث يلتقي الماضي بالحاضر في انسجام لافت. ومنذ اللحظة الأولى، يدرك الزائر أنه أمام مشروع ثقافي غير تقليدي، يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الفن والروح.
 
مشروع ثقافي برؤية عالمية
يُعدّ متحف الفن والثقافة الصوفية أول متحف في فرنسا مخصص بالكامل للتصوف، ليس فقط كموضوع للعرض، بل كتجربة تُعاش. وقد أُطلق هذا المشروع من قبل المنظمة الدولية غير الربحية MTO Shahmaghsoudi، التي تعمل على نشر المعرفة بالتصوف بوصفه مسارًا إنسانيًا يتجاوز الانتماءات الضيقة.
 
وقد تأسس المتحف سنة 2020 في شكل جمعية، في إطار رؤية تجمع بين التعليم والبيداغوجيا والفن، إلى جانب تعزيز الحوار بين الثقافات. فالتصوف، كما يُقدَّم هنا، ليس مجرد تراث ديني، بل هو خطاب إنساني عالمي يدعو إلى السلام الداخلي، وتحقيق التوازن بين العقل والقلب والروح.
 
ويحظى المشروع بدعم من منظمات دولية، مثل American Friends of Sufi Arts, Culture and Knowledge (AFSACK)وCanadian Friends of Sufi Arts, Culture and Knowledge (CFSACK)، وهو ما يعكس امتداده خارج الحدود الفرنسية، وسعيه إلى مخاطبة جمهور عالمي متعدد الخلفيات.
 
ما يميز هذا المتحف حقًا هو قدرته على نقل التصوف من مستوى المفهوم النظري إلى مستوى التجربة الحسية. فبدل الاكتفاء بتقديم شروحات أكاديمية، يتيح للزائر أن يعيش التصوف من الداخل، عبر تفاعل مباشر مع الأعمال الفنية والفضاءات المعروضة.
 
فالتصوف، كما يُطرح داخل هذا الفضاء، هو بعد روحي في الإسلام، ظهر منذ القرن السابع، ويركز على معرفة الذات والسير في طريق الصفاء الداخلي. وهو ليس دعوة دينية بقدر ما هو تجربة إنسانية تقوم على التأمل والمحبة والتسامح.
 
 
ومن هنا، يصبح الفن الوسيلة الأساسية لنقل هذه القيم، حيث تتحول الأعمال الفنية إلى لغة صامتة تعبّر عمّا لا يمكن قوله بالكلمات. فاللوحة، والخط، والموسيقى، وحتى الفراغ، كلها عناصر تسهم في بناء تجربة متكاملة.
 
تمتد المجموعة الدائمة على مساحة تقارب 600 متر مربع، موزعة على ثلاثة طوابق، وتضم حوالي 300 قطعة فنية وأثرية. وهذه المجموعة لا تُعرض بشكل عشوائي، بل وفق تصور سينوغرافي دقيق، يجعل من الزيارة رحلة تدريجية في عمق الثقافة الصوفية.
 
تتنوع المعروضات بين مخطوطات نادرة، وأعمال فسيفساء، ومنسوجات تقليدية، وآلات موسيقية، وأعمال خط عربي. كما تضم المجموعة قطعًا تاريخية تعود إلى الإمبراطورية الفارسية الأخمينية (550 – 330 قبل الميلاد)، مما يعكس عمق الجذور التاريخية لهذا التراث.
 
إلى جانب ذلك، تحضر الرموز الصوفية بقوة، مثل الكشكول (kashkul) والخرقة (khirqa)، التي تحمل دلالات روحية عميقة، وتحيل إلى مفاهيم الزهد والانتماء.
 
التجدد كفلسفة
من اللافت أن هذا المتحف لا يكتفي بالموروث التقليدي، بل يوظف التكنولوجيا الحديثة لتعزيز تجربة الزائر. فباستخدام تقنية الهولوغرام، يظهر الشيخ الصوفي Hazrat Shah Maghsoud Sadegh Angha وكأنه حاضر بين الزوار، يشرح مفاهيم التصوف بطريقة مباشرة ومؤثرة.
 
المتحف لا يمكن اختزاله في كونه فضاءً للعرض، بل هو تجربة إنسانية عميقة تنعكس على كل من يزوره
 
كما تُستخدم تقنيات الواقع الافتراضي لمنح تجارب غامرة، تتيح للزائر المشاركة في طقوس مثل الذكر، أو التنقل داخل فضاءات رمزية تعكس مراحل الطريق الصوفي. وهنا، تتحول الزيارة من مشاهدة إلى معايشة، ومن معرفة إلى تجربة.
 
خارج القاعات، تمتد حديقة المتحف كفضاء مكمل للتجربة. صُممت هذه الحديقة على غرار الحدائق الفارسية التي ترمز إلى الجنة، وتضم نباتات مثل السرو والورد والياسمين، إضافة إلى أشجار الفاكهة.
 
وفي قلبها، تنتصب نافورة على شكل نجمة ثمانية، وهي رمز هندسي يعكس التوازن الكوني. هنا، يمكن للزائر أن يستريح، وأن يعيد ترتيب أفكاره، وأن يعيش لحظة صمت نادرة في عالم صاخب.
 
لا يكتفي المتحف بعرض دائم، بل ينظم معارض مؤقتة تُعيد قراءة التصوف في ضوء الفن المعاصر. ومن أبرزها معرض: “Quand le miroir se souvient du pas”، (عندما تتذكّر المرآة الأثر)، الذي افتُتح في فبراير 2026 ويمتد إلى شهر سبتمبر من السنة نفسها.
 
ويحوّل هذا المعرض الزائر إلى فاعل داخل العمل الفني، حيث يقدّم تجربة تفاعلية تنسجم مع رسالة المتحف، من خلال إبراز حيوية الفن والفكر الصوفي. ويعتمد على التجربة المباشرة كشرط للفهم، عبر أعمال فنية وتركيبات تفاعلية، مثل الواقع الافتراضي لحلقات الذكر، وقاعة فسيفساء المرايا، وفضاءات القراءة والتأمل.
 
كما يقدّم مفاهيم صوفية أساسية مثل التصوف والفناء، ولا يفرض المعرض تفسيرًا واحدًا، بل يدعو الزائر إلى خوض رحلة داخلية شخصية تعكس طبيعة المعرفة الصوفية القائمة على التجربة الحية بدل التعريفات الجامدة.
 
تم تطوير هذا المشروع بدعم من المتاحف الفرنسية France Muséums، التي ساهمت في وضع تصور شامل للمتحف، من خلال التصميم المتحفي، واختيار فرق السينوغرافيا، وتقديم استشارات في مجالات الحوكمة وتجربة الزائر.
 
كما تم الاهتمام بجميع تفاصيل الزيارة، من الاستقبال إلى الخدمات، بما يضمن تجربة متكاملة. ويُضاف إلى ذلك البعد البيئي، حيث يسعى المتحف إلى احترام معايير الاستدامة الحديثة.
 
في النهاية، لا يمكن اختزال هذا المتحف في كونه فضاءً للعرض، بل هو تجربة إنسانية عميقة. إنه مكان يدعو إلى التوقف، والتفكير، وإعادة النظر في علاقتنا بأنفسنا وبالعالم. إن زيارة هذا المتحف ليست مجرد جولة ثقافية، بل هي رحلة داخلية، يخرج منها الزائر محمّلًا بأسئلة جديدة، وربما بإجابات لم يكن يتوقعها. وفي زمن تتسارع فيه الإيقاعات، يقدّم هذا المتحف لحظة نادرة من السكون، يلتقي فيها الفن بالروح، ويستعيد فيها الإنسان صلته بجوهره العميق.
 
 
المصدر: العرب اللندنية