تجربة "CtrlMovie": مُشاهد السّينما مشارك في القرار
الياس دمّر
الأربعاء 22 نيسان 2026
في لحظةٍ بدت أقرب إلى افتتاحيّة فيلم يعلن عن زمن جديد، لم يكن ما شهدناه الأربعاء الماضي خلال المؤتمر السّينمائيّ "CinemaCon 2026" مجرّد عرض تقنيّ عابر، بل كان تحوُّلًا فعليًّا في لغة السينما نفسها. فمع الكشف الكامل عن تجربة "CtrlMovie"، لم تعد الشاشة مساحةً للعرض فقط، بل تحوّلت إلى ساحةٍ حيّة يُعاد فيها تشكيل السرد أمام أعين الجمهور، لحظة بلحظة، وبإرادته.
ما كان يُقدَّم يومًا كفكرة تشويقيّة حول "كسر الجدار الرابع"، أصبح اليوم مُمارَسة ملموسة داخل صالات السّينما. فالتجربة التي قدّمتها "CtrlMovie" لا تكتفي بتطوير الشكل، بل تُعيد تعريف العلاقة بين المُتفرّج والفيلم، حيث الجمهور قادر على التأثير الفوري في مجرى الأحداث عبر هواتفه، في تجربة جَماعيّة تُحوّل كل عرض إلى نسخةٍ مُختلفة من الفيلم ذاته. بهذا المعنى، لم تعد السينما تجربة ثابتة تعاد كما هي، بل صارت حدثًا حيًّا يتبدَّل بحسب قرارات الحاضرين. ونستعيد بذلك جاذبيّة الصالة كفضاءٍ جماهيري لا يُمكننا استنساخه في المنزل.
التحوّل الذي تقوده هذه التكنولوجيا لا يقف عند حدود الفكرة، بل يتجسّد في مشاريع ملموسة بدأت ترسم ملامح سوقٍ جديدة بالكامل. المثال الأبرز الذي أُعلن عنه حديثًا، هو فيلم الرعب التفاعلي "Slay Day" الذي سيُعرض على أكثر من ألف شاشة في أميركا الشمالية في شباط 2027، واضعًا هذا النموذج في قلب الصناعة السينمائيّة العالميّة.
لكن، قبل أن تصل هذه التجربة إلى هوليوود بهذا الزخم، كانت اليابان قد سبقت الجميع بخطوةٍ حاسمة. هناك، حقق فيلم "الأنيمي" التفاعلي "Hypnosis Mic – Division Rap Battle" إنجازًا غير مسبوق، بعدما حصد نحو 2.5 مليار ين (ما يقارب 16.5 مليون دولار) رغم عرضه على عدد محدود جدًا من الشاشات، في سابقة تُعدّ الأولى من نوعها في تاريخ شبّاك التذاكر الياباني.
هذا النجاح لم يكن صدفة، بل نتيجة تجربة تفاعليّة حقيقيّة، حيث يصوّت الجمهور داخل الصالة عبر هواتفه لتحديد نتائج المواجهات داخل الفيلم، الأمر الذي يجعل كل عرض مختلفًا عن الآخر محفزًا المشاهدين على العودة مُجدّدًا لاختبار مساراتٍ جديدة. وقد تجاوز الفيلم أيضًا حاجز المليون مُشاهد، مؤكّدًا أن التفاعل ليس مُجرَّد فكرة جذابة، بل مُحرّك اقتصادي فعلي قادر على إعادة الجمهور إلى الصالات. هنا تحديدًا، يتبدّل تعريف الفيلم، إذ لم يعُد نصًّا مُغلقًا، بل شبكة احتمالاتٍ حيّة تتشكّل في كل عرض بحسب إرادة الجمهور.
هل يتغيَّر شكل الفن السّابع؟
ما شهدته فعاليّات "CinemaCon" في لاس فيغاس، لا يُمكن قراءته كخبرٍ عادي إنما كإشارة إلى بداية مرحلة جديدة في تاريخ الفن السابع. مع تطوّر الأفلام التفاعليّة ونجاحاتٍ ملموسة في اليابان ومشاريع واسعة النطاق تتجه نحو الأسواق العالميّة، يتضح أننا لا نقف أمام بديل يُقصي السينما التقليديّة، بل أمام امتداد جديد لها. فالسينما بشكلها الكلاسيكي، ستبقى قائمة بما تحمله من سحر السَّرد المتماسك وتجربة المُشاهدة المتكاملة. غير أن هذا الشكل التفاعليّ يفتح بابًا موازيًا، أكثر انسجامًا مع جيلٍ نشأ على الألعاب الرقميّة، ويجد في التفاعل الفوري جزءًا أساسيًا من متعته اليوميّة. إنه جيل لا يفارق هاتفه، ويبحث عن دَور داخل القصة، لا الاكتفاء بمراقبتها. من هنا، تبدو هذه التجربة الجديدة وكأنها جسرٌ ذكي بين عالمَين: السينما كما نعرفها، والـ "gaming" كما يعيشه الشباب اليوم. جسرٌ لا يُلغي أحد الطرفين، بل يمنحهما مساحة لقاء، حيث تتحوّل الصّالة إلى مساحة حيويّة نابضة، تستعيد جمهورًا كاد أن يبتعد، وتُقدّم له سببًا جديدًا للعودة. في هذا المشهد، لا تموت السينما… بل تتجدَّد.
فخرٌ لبناني
وسط هذا التحوّل العالمي، يبرز اسم المُنتج اللبناني - الأميركي شادي إيلي مطر كأحد الوجوه القياديّة التي تدفع بهذا التغيير إلى الأمام. وجوده في صدارة المشهد، ضمن تجربة قُدِّمت في أكبر تجمُّع لصناعة السينما في العالم، ليس تفصيلًا عابرًا. إنه دليل على أن الطموح اللبناني، حين يقترن بالرؤية والجرأة، قادر على أن يكون لاعبًا أساسيًا في رسم ملامح المستقبل. ما يُميّز مطر ليس فقط موقعه التنفيذي، بل دوره في تحويل فكرة جريئة إلى نموذج صناعي متكامل، يمتدّ من التكنولوجيا إلى التوزيع إلى بناء تجارب جماهيريّة جديدة. إنه من القلائل الذين لم يكتفوا بقراءة تحوّلات السينما، بل ساهموا فعليًا في صناعتها. الفخر هنا يتجاوز الانتماء، ليصل إلى الإنجاز. لبنانيٌّ استطاع اختراق واحدة من أكثر الصناعات تعقيدًا في العالم، وأن يطرح نموذجًا يُناقَش اليوم على أعلى مستويات الصناعة العالميّة، من طوكيو إلى لاس فيغاس. وفي ظلّ الظروف القاهرة التي يعيشها الوطن، يُقدِّم هذا النجاح بصيص أمل حقيقيًّا للشباب اللبناني!
في اتصال أجرته "نداء الوطن" مع المنتِج اللبنانيّ الأميركيّ شادي إيلي مطر المقيم في لوس أنجلوس، أوضح أن تجربة "CtrlMovie" تبدو امتدادًا طبيعيًّا للسينما أكثر منها قطيعةً معها. فهي لا تسعى إلى استبدال الشكل التقليدي للمُشاهدة، بل إلى توسيعه ليواكب نمط حياة مُشبعًا بالتكنولوجيا. الفكرة الجوهريّة تقوم على إعادة ربط الجمهور بالفيلم عبر إشراكه في مساراته، بدل الاكتفاء بدور المُتلقي، مُستفيدةً من الهاتف الذكيّ كأداة تفاعل لا كمصدر تشتيت. غير أن إدخال هذا البُعد التفاعلي لم يكن سهلًا في صناعة مُحافِظة نسبيًّا. التحدّي الأكبر تمثل في إقناع دُور العرض بتحديث بُنيتِها التحتيّة لاستيعاب التجربة، خصوصًا في مرحلة ما بعد الأزمات التي عصفت بالقطاع. ويُقارِن مطر هذا المسار بما شهدته تقنيّات سابقة، مثل "IMAX" التي احتاجت سنوات طويلة قبل أن تُصبح جزءًا من التيار السينمائي السائد.
ورغم الطابع التفاعلي، لا تُقدَّم "CtrlMovie" كبديل عن جَودة السَّرد، بل كعُنصر داعم له. فالنصّ، وفق مطر، يبقى الأساس الذي لا يمكن لأيّ تقنيّة أن تعوّض ضعفه. التجربة الناجحة هي تلك التي تتسلّل بسلاسة داخل الفيلم، بحيث لا يشعر المُشاهد بثقلها بل يعيشها كجزء طبيعي من المُشاهدة. حتى حريّة الاختيار التي تُمنح للجمهور، هي في جوهرها "وهْمٌ مُتقَن" إذ إن كلّ المسارات مكتوبة ومُصوّرة مُسبقًا بعناية، تضمن بقاء التجربة مُتماسكة مهما تعدَّدت الخيارات.
النجاح اللافت في اليابان شكّل محطة مفصليّة، حيث تجاوز عدد المُستخدِمين "المليون" على منصّة "CtrlMovie"، ما كشف عن تعطّش الجمهور لتجارب جديدة تتخطّى القصّة نفسها نحو مُتعة المُشاركة. كما أكّد مطر أن هذا التفاعل تكرَّر أيضًا في الولايات المتحدة الأميركيّة، ما يُشير إلى أن جاذبية التجربة تتجاوز الفوارق الثقافيّة، وإن بقي للمحتوى المحلي دَور أساسي في تعزيز الارتباط الجماهيري.
أمّا مستقبل "CtrlMovie"، فيتجه نحو الانتشار العالميّ مع خطط لإطلاق الأفلام في أسواق مثل الخليج ولبنان، بالتوازي مع طموحٍ لتطوير إنتاجات محليّة تعكس خصوصيّة كل مجتمع. في هذا الإطار، لا تُطرح التجربة كمُنتج عالمي موحَّد، بل كمنصّةٍ مرنة قادرة على احتضان قصص مُتنوّعة، حيث تُصبح الثقافة المحليّة عُنصر قوّة إضافيًا في صناعة تفاعل أعمق مع الجمهور.
المصدر: نداء الوطن