مسرحيّة "حنّة": الضحك مدخل لأسئلة الهوية والوجع
ماري منصف
الأربعاء 22 نيسان 2026
في مدينة اعتادت أن تتنفس تحت الضغط وأن تخلق من الركام مساحة للحياة، لا يبدو قرار الصعود إلى خشبة المسرح فعلًا عاديًّا. هو، في مكان ما، إعلان ضمنيّ بأن الحياة لا تزال ممكنة، وأن الفن ليس ترفًا بل ضرورة. من هنا، وُلدت مسرحيّة "حنّة" عن نصّ لإيلي كمال من إخراجه، ومن بطولة ندى بو فرحات، وتمثيل جويس أبو جودة، سلمى شلبي، وكريم شبلي. العمل بدأ التحضير له قبل الحرب الأخيرة، ثمّ وجد نفسه كسواه من المشاريع، في مواجهة واقع أقسى من كلّ التوقعات. لم يكن تعليق العمل خيارًا نهائيًّا، بل مجرّد تأجيل فرضته الظروف قبل أن يعود الفريق ويحسم موقفه: الاستمرار.
المشروع انطلق في وقت "طبيعيّ"، قبل أن تنقلب الموازين، يقول الكاتب والمخرج إيلي كمال لـ "نداء الوطن"، لكن مع اشتداد الأحداث، كان لا بدّ من التريّث. ويتابع: "السؤال الأكبر لم يكن متى يعود العمل، بل إن كان ينبغي أن يعود أصلًا. هنا، يتقدّم موقف واضح: المسرح لا يُختزل في كونه انعكاسًا للحرب، ولا ينبغي أن يُحبس داخلها. ثمّة حاجة لأن تُروى حكايات أخرى، وأن يُفتح مجال للتفكير، للضحك، ولطرح الأسئلة".
بهذا المعنى، لا تأتي "حنّة" كمحاولة للهروب من الواقع، بل كطريقة لمواجهته من زاوية مختلفة. الكوميديا التي يحملها العمل ليست هدفًا بحدّ ذاتها، بل مدخلًا إلى طبقات أعمق، حيث يخرج المتفرّج بأسئلة شخصيّة: عن حياته وخياراته ومعنى أن "يعيش" فعلًا، لا أن يكتفي بتمضية الأيام.
المسرحيّة، كما يصفها كاتبها، قريبة من الناس، تشبههم في بساطتها ووجعها في آن. هي مرآة لزمن ملتبِس يختلط فيه الضحك بالثقل الداخلي، وتبدو فيه الحياة مستمرّة من الخارج، فيما تتآكل من الداخل. يقول كمال في توصيف يختصر تجربة فردية وجماعية في آن: "نحن نكمل لكن ليس لأنّ الأمور طبيعية، بل لأنه لا خيار آخر".
هذا التناقض بين الاستمرار والانكسار، ينسحب أيضًا على ظروف العمل نفسها. فالفريق يدرّب ويقدّم عرضه في مسرحٍ تحت الأرض، في ظلّ واقعٍ يوميّ ضاغط، حيث الخوف حاضر، والقلق لا يغيب. ومع ذلك، يصرّ الجميع على المتابعة، كأن الفعل الفني بحدّ ذاته يصبح مساحة مقاومة، أو على الأقل مساحة توازن.
في قلب هذا العمل، تقف الممثلة ندى بو فرحات، التي لم يكن اختيارها تفصيلًا عابرًا. العلاقة المهنيّة بينها وبين كمال تمتدّ لسنوات، لكن التحدّي في كلّ لقاء جديد يبقى نفسه: كيف يمكن إعادة اكتشاف الذات، بعيدًا من التكرار. بالنسبة إليه، حضورها في "حنّة" يبدو "طبيعيًّا وضروريًّا"، لِما تحمله من قدرة على منح الشخصية عمقًا وصدقًا.
على الخشبة، تؤدّي بو فرحات شخصية امرأة مسنّة مجهولة الهويّة، تدخل المستشفى بعد حادث وتبدو كأنها تتلاعب بذاكرتها. من خلال هذا الخط، تتكشف حكايات أخرى، وتتقاطع مصائر شخصيّات تبحث بدورها عن معنى أو حقيقة. هنا، تتحوّل الهوية إلى سؤال مركزيّ: ليس فقط هوية الشخصية، بل هويّة كلّ فرد، وربما هويّة بلد بأكمله.
ورغم سوداوية الفكرة، يصرّ العمل على تقديمها عبر الكوميديا. خيارٌ واعٍ يعبّر عن قناعة بأن الناس، في زمن مُثقل بالأخبار الثقيلة بحاجة إلى متنفس. والضحك، في هذا السياق ليس هروبًا، بل وسيلة لتخفيف الضغط، وفتح باب نحو التفكير بطريقة أقل قسوة. وربما هذا ما يفسّر الإصرار على الاستمرار، رغم كلّ المخاوف.
القلق من عدم الإقبال حاضر، كما قبل أيّ عمل مسرحي. لكن في المقابل، ثمّة إيمان بأن الحياة لم تتوقف بالكامل: الناس ما زالوا يذهبون إلى أعمالهم، يكملون أيامهم، ويبحثون عن لحظات عادية وسط الفوضى. المسرح، هنا، يحاول أن يكون جزءًا من هذه الاستمرارية. ورغم بعض الاستغراب الذي واجهه الفريق: "هل هذا وقت المسرح؟"، يرى كمال في هذا الجدل بحدّ ذاته دليلًا على أهمية ما يُقدَّم. فبين أعمال تتوقف وأخرى تستمرّ، تبقى الحركة الفنية علامة صحّة ودليلًا على أن ثمة من لا يزال يختار أن يخلق، لا أن ينتظر.
أخيرًا، لا يقدّم صناع "حنّة" عرضًا مسرحيًّا فحسب بل دعوة مفتوحة للحضور ابتداءً من غدٍ الخميس في 23 نيسان الجاري على "مسرح المونو" في الأشرفية، والمشاركة وعَيش تجربة تتجاوز الترفيه، لأن الضحكة، كما يقال، لم تعد تفصيلًا بسيطًا، بل صارت في مكانٍ ما شكلًا من أشكال البقاء.
المصدر: نداء الوطن