"غمِّض عين فتِّح عين" تنقل الواقع إلى الخشبة
جويل غسطين
الخميس 16 نيسان 2026
بعد جولة ناجحة في كندا وفرنسا عقب عروض محليّة خلال الأعوام الماضية، تعود مسرحيّة "غمِّض عين فتِّح عين" من بطولة فؤاد يمّين وسينتيا كرم، إلى الخشبة اللبنانيّة مجدّدًا، في عرضَين مرتقبين الليلة (16 نيسان 2026) والأحد المقبل (19 الجاري) على مسرح "La Cité" في جونيه ، حاملةً معها حكايةً لم تفقد راهنيّتها رغم مرور الوقت.
العمل المسرحيّ الذي كتبه وأخرجه كلٌّ من كريم شبلي وسارة عبده، لا يكتفي بِسَرد حكاية الزوجَين "عايدة" و "إبراهيم" اللذَين يعيشان تفاصيل الحبّ والحياة اليومية، بل ينسج عبرهما سيرة زمنٍ لبناني كامل تتداخل فيه الذاكرة الشخصية مع التحوّلات الكبرى. وضمن قالب يجمع بين الدراما والكوميديا، يقدّم العرض لحظات خفيفة ومضحكة تخفّف من وطأة الواقع، من دون أن تُلغي عمقه الإنساني. فضمن مساحة مسرحيّة بسيطة وأداء صادق، يتتبّع العمل مسار العلاقة بين الشخصيَّتَين عبر مراحل عمرية مختلفة، كاشفًا كيف تتسرّب الأزمات السياسية والحروب والهجرة إلى تفاصيل الحياة الخاصة.
جونيه امتداد لبيروت
يقول كريم شبلي لـ "نداء الوطن" إن الطلب المتزايد من الجمهور على مشاهدة عرض "غمِّض عين فتِّح عين"، شكّل دافعًا أساسيًا لإعادة تقديم المسرحيّة في لبنان بعد النجاح الذي حققته خارجه. ورغم أن العودة كانت مقرّرة في وقت سابق وتحديدًا في شهر حزيران من العام الماضي، إلّا أن الظروف في البلد فرضت تأجيلها، قبل أن يأتي التوقيت الحالي ليؤكّد جهوزية العمل وجمهوره معًا. وقد تُرجِمت هذه الحماسة بإقبال لافت، إذ نفدت تذاكر العرض الأول خلال وقت قياسي، ما دفع الفريق إلى إضافة موعد جديد.
وفي خطوة لافتة، خرجت المسرحيّة من تقليديّة العرض في بيروت لتنتقل إلى جونيه، في محاولة لبلوغ جمهور أوسع خارج العاصمة. هذا الخيار لم يكن وليد الظروف الأمنية فقط، بحسب ما قال شبلي، بل جاء أيضًا نتيجة إدراك متزايد أن الجمهور في المناطق متعطّش للمسرح أيضًا، وأن المسافة لا ينبغي أن تكون عائقًا أمام اللقاء. وبين محدوديّة المسارح في بيروت، والرغبة في كسر مركزيّة العرض، شكّل هذا الانتقال خطوة نحو إعادة توزيع الحياة الثقافية على مساحة أوسع.
نص ثابت وواقع متكرّر
على الرغم من مرور الوقت منذ العروض الأولى لمسرحيّة "غمِّض عين فتِّح عين" وتبدُّل الظروف، لم يطرأ تغيير على النص أو الإخراج، كما يشرح شبلي، إلّا أن العمل نفسه يكتسب أبعادًا جديدة مع كلّ عرض. فالنص الذي كُتب في أعقاب انفجار 4 آب 2020، بدا وكأنه يتحرّر من زمنه ليغدو أقرب إلى نصّ "عابر للوقت"، يعكس واقعًا يتكرّر باستمرار. والمفارقة أن الأحداث التي يستعيدها، من سبعينات وثمانينات القرن الماضي، باتت تشبه الحاضر إلى حدّ كبير، وكأن الزمن في لبنان يدور في حلقة واحدة.
من جهتها، توضح سارة عبده لـ "نداء الوطن"، أن نصّ المسرحيّة يحمل بُعدًا يتجاوز اللحظة الراهنة، إذ لا يقتصر على جيلٍ واحد بل يلامس تجارب أجيال متعاقبة، من الأهل إلى اليوم وصولًا إلى الأجيال المقبلة. فرغم أن المسرحيّة تنطلق من قصة حب بين شخصَين في لبنان، إلّا أنها تعكس في العمق تفاصيل الحياة اليومية للّبنانيين بما تحمله من مشاعر وتحديات مشتركة، ما يجعلها قريبة من أي متلقٍ في أي زمن. في المقابل، تشير عبده إلى أن واقع البلد، بما فيه من انقسامات وأزمات متكرّرة من حروب واستقطابات إلى ضغوط معيشية وهجرة، يمنح العمل بُعدًا إنسانيًا مستمرًا، ويجعله أكثر غنى وعمقًا مع مرور الوقت.
كيمياء تتطوّر
نسأل شبلي عن الممثلَين فؤاد يمّين وسينتيا كرم، فيؤكّد أن أداءهما في العروض شهد مع الوقت تطوّرًا ملحوظًا، ليس من حيث التغيير بل من حيث النضج والتماسك. العلاقة بين يمّين وكرم تعزّزت بفعل العمل المشترك والسفر، ما انعكس حضورًا أكثر وانسجامًا وطاقة جماعية واضحة على المسرح. هذا التطوّر لم يكن تقنيًّا فحسب بل إنسانيًا أيضًا، حيث تحوّل العمل إلى مساحة مشتركة للتجربة والذاكرة.
أمّا عبده فرأت أن التجربة الفنيّة لبطلَي العمل، تكتسب بُعدًا مختلفًا مع إعادة تقديمه بعد فترة من الزمن، إذ ينعكس النضج الذي راكمه الممثلان على أدائهما على الخشبة، خصوصًا كونهما ذوَي خبرة كبيرة. فكلّ عودة إلى العرض تمنح الشخصيَّتَين حياةً أكثر صدقًا وواقعية، وتقرّبهما أكثر من النبض الإنسانيّ للمسرحيّة، ما يجعل التفاعل على المسرح أكثر عمقًا وانسجامًا، ويضيف طبقات جديدة إلى التجربة المسرحية مع كلّ عرض.
التحدّيات والعراقيل
وفي ظلّ واقع لبنانيّ غير مستقرّ، لم تكن إعادة تقديم مسرحيّة "غمِّض عين فتِّح عين" خالية من التحدّيات، خصوصًا حين يبقى الغد غير مضمون. شبلي يعتبر أن التحدّيات الكبرى هي نفسيّة ولوجستية، أبرزها محدودية مساحات العروض وتراجُع البنية التحتية الثقافية. مع ذلك، يؤكّد شبلي أن فريق العمل يصرّ على الاستمرار، انطلاقًا من إيمانه بِدَور الفن في الوصول إلى الناس وكسر الحواجز الجغرافية والثقافية.
في سياق موازٍ، تقول عبده إن أبرز التحدّيات التي واجهَتْها على الصعيد الشخصي كان ابتعادها الجغرافيّ عن البلد وعدم قدرتها على الحضور الميداني للمرة الأولى منذ سنوات. إلّا أن ذلك لم يوقِف سَير العمل، إذ نجح الفريق في إيجاد بدائل واستمرارية في التنفيذ، مؤكِّدة أن طالما ثمّة خشبة مسرح مفتوحة وجمهورًا حاضرًا، فإن العروض ستستمرّ رغم كلّ الظروف.
إهداء من القلب
لا تنفصل "غمِّض عين فتِّح عين" عن البُعد الشخصي العميق الذي رافق ولادتها. فبالنسبة إلى كريم شبلي، كُتب النص في مرحلة كان يرافق فيها جدّه وجدّته في بيروت، وهما اللذان عاشا قصة حبّهما تحت وطأة الحروب المتكرّرة. وبعد رحيلهما، تحوّلت المسرحية إلى مساحة وفاء لِيُهدِيَ روحَيهما هذا العمل الذي يحمل شيئًا من حكايتهما. سارة عبده تحمل هي أيضًا جرحًا مماثلًا، حيث فقدت والدتها من مدّة وترى في كلّ عمل تقدّمه امتدادًا لذكراها.
هكذا، لا تبدو المسرحيّة مجرّد عرض على الخشبة، بل تحية صادقة لمن غابوا وبقوا حاضرين في التفاصيل. وبين كلّ إعادة وتحوّل، تثبت مسرحيّة "غمِّض عين فتِّح عين" أنها ليست حكاية عابرة، بل تجربة حيّة تنمو مع الزمن وتكبر مع جمهورها. وفي بلدٍ اعتاد أن يعيد كتابة أزماته، يبقى الفن مساحة نادرة لإعادة كتابة الحياة ولو لساعةٍ من الزمن.
المصدر: نداء الوطن