أحداث ثقافية أخرى
"أسمع الصوت القديم للعالم الآتي".. مختبر فني للذاكرة
بشرى بن فاطمة
الخميس 4 حزيران 2026

في مشروعه الفني والبحثي "أسمع الصوت القديم للعالم الآتي" يقدّم الفنان التشكيلي التونسي محمد علي لطيّف تجربة متعددة الوسائط تستنطق الأرشيفات الصوتية والمرئية، وتعيد مساءلة الذاكرة والتاريخ والهوية. تجربة تجمع الفن والبحث في محاولة لاستعادة أصوات غيّبتها السرديات الاستعمارية وأزمنة النسيان.
 
كيف يمكن لما هو آتٍ أن يكون قديما؟ وكيف للصوت، بوصفه أثرا عابرا، أن يتحول إلى أثر عبور، إلى بنية تشكيلية قابلة للإقامة داخلها كشظايا من ذاكرة ثائرة؟
 
كل هذا انعكاس سفر بصري وتصور انسيابي خلقته زيارة معرض “أسمع الصوت القديم للعالم الآتي”، معرض فني ومشروع بحثي، أو ربما مفارقة زمنية كثيفة طرحها الفنان التشكيلي التونسي محمد علي لطيّف في المركز الثقافي b7l9، وسيستمر المعرض حتى 5 يوليو.
 
المشروع من تطوير مؤسسة كمال الأزعر بالتعاون مع مركز Ibraaz London ومهرجان Archipel الدولي للإبداع الموسيقي بجنيف، وتعود فكرة وتصوّر المشروع للفنان التونسي المقيم بألمانيا محمد علي لطيف الذي تعاون في البحث والتركيز الموسيقي مع الفنان العالمي لمين فوفانا وتصميم الكوريغرافيا دومينيك تيغو كما اشترك في البحث والحوارات وحلقات النقاش مع الكتاب والباحثين أنس غراب، باحث في علم الموسيقى، ونعيمة حسن، باحثة مقيمة في برلين، ومنير الهنتاتي، قيّم فني وأمين أرشيف صوتي ومحافظ قصر النجمة الزهراء سابقا، وهيكل الحزقي، كاتب وناقد موسيقي وباحث في الثقافة الشعبية، وصالح الورغي، موسيقي تونسي مختص في موسيقى “السطمبالي”، ونجلاء الجبالي، حرفية مختصة في صناعة وترميم الخزف.
 
زمن آخر.. لم يكتمل
 
 
لا يقدّم محمد علي لطيف في مشروعه “أسمع الصوت القديم للعالم الآتي” معرضاً تشكيليا بالمعنى الكلاسيكي في العرض والتواصل، ولا يعرض أعمالا فنية قابلة للاستهلاك البصري السريع والتجوّل فيها بين تفاصيل آنية، بل يبني فضاء مفاهيميا معاصرا تتداخل فيه الصورة مع الصوت، والأرشيف مع الذاكرة، والتاريخ مع احتمالات المستقبل، هذا ما ينتابك بصفتك زائرا باحثا ومتنقلا بين التفاصيل تحمل أفكارك المسبقة وتقف عندها لتحوّلها إلى أسئلة لا تهتم أن تعبر بك لإيجاد أجوبة لها، فهي مفاتيح السفر بين المكان والزمان والأثر.
 
 إنّه مشروع متعدد الوسائط، يشتغل على الفيديو والتركيب السمعي والبصري، والتسجيلات الموسيقية، والوثائق النادرة والكتب، والصور الفوتوغرافية، والأعمال الخزفية، والآثار المكتوبة، وأسطوانات التسجيل القديمة، باعتبارها موادّ حية وطيّعة، قابلة لإعادة بناء سردية مفقودة.
 
المعرض لا يقوم على فكرة العرض بقدر ما يقوم على فكرة الاستحضار، استحضار الأصوات التي نجت من العدم، والوجوه التي ابتلعها الأرشيف الاستعماري، والزمن الذي ظلّ حبيس التسجيلات القديمة.
 
داخل هذا الفضاء يتحول الزائر من متلقٍ إلى شاهد، ومن مشاهد للأعمال إلى مشارك في عملية التنقيب عن ذاكرة جماعية شبه مطموسة.
 
يعتمد الفنان على مقاربة بصرية مختلفة تتجاوز الجماليات الكلاسيكية المتعوّدة حتى في الأعمال المعاصرة فهو لا ينشغل بالتفسير، هو يصغي للأسئلة وإن عمّ الصمت يستفز الزائر باقتحام حيرته والإجابة اللامعلنة عنها، فالمادة الأرشيفية نفسها عنصره الفني ووثيقته التي لا تُعرض كدليل تاريخي فقط، بل كجسد يحمل أثر العنف الاستعماري وآثار النسيان، أما الأصوات القديمة فتخرج من صمتها التاريخي لتتحول إلى كائنات سمعية شبحية تعبر المعرض مثل ذاكرة حيّة تبحث عن اعتراف متأخر.
 
في هذا المشروع لا ينفصل الصوت عن الصورة، ولا تنفصل الموسيقى عن الجغرافيا السياسية للتاريخ. فكل تسجيل وكل صورة قد تبدو باهتة هما ساطعان في تاريخهما وباقيان في أثرهما، وكل قطعة خزفية أو أثر مكتوب يتحولان إلى جزء من تركيب بصري وفلسفي واسع يعيد مساءلة معنى الأرشيف ذاته.
 
وأنت تدخل المعرض سيعترضك محمد علي الحامي، هكذا تبدو صورته مفتاح النفاذ لعالم مختلف، قد تقف للحظات بين التاريخ وتصلك أصوات العمال الثائرين وركض جنود الاحتلال خلف الخارجين عن قوانين الاستسلام للتبعية الاستعمارية، وفي نفس الوقت تسمع موسيقى بلحن يجتاح ذاكرتك اسطمبالي أو قناوة يتأرجح بك في اللحن الثابت الصامت من عمق الصوت في “القمبري”، قد تبدو رؤاك خارجة في فيلم سينمائي استرجاعي وقد تتساءل في داخلك ما تفعل الرؤى بنا والفن في توثيقه النابش في التاريخ هل هو حفظٌ للذاكرة أم امتلاك لها؟ وهل يمكن للفن أن يحرّر الوثيقة من سلطتها الاستعمارية ويعيدها إلى بعدها الإنساني؟
 
ما ينجزه محمد علي لطيف هنا هو تفكيك العلاقة بين الماضي والمستقبل عبر وسيط الفن المعاصر، فـ”العالم الآتي” الذي يقترحه المشروع ليس تصورا زمنيا مباشرا، بل أفق بصري جديد أعاد فيه قراءة التاريخ من خلال الأصوات المنسية والهويات والإثنيات المعلقة بين 1915 و1918 داخل الأرشيفات الإمبراطورية البروسية والتي رصدها من خلال أرشيف الفنوغرام ببرلين Berliner Phonogramm-Archiv وأرشيف الصوت بجامعة هومبولت في برلين Lautarchiv والمتحف الاثنولوجي في برلين وأرشيفات موازية وأرشيف جزئي لقصر النجمة الزهراء.
 
لذلك بدا المعرض أقرب إلى مختبر للذاكرة، أو إلى تجربة حسية وفكرية استطاعت أن تنقل المتلقي الى عمق ذلك الزمن، حيث تتجاور الشهادة التاريخية مع التأويل الشعري، ويتحول الفن إلى فعل إنقاذ للإنسان من النسيان في تلك المقاطع والموسيقى فتتراءى صورة حبيبة مسيكة وخميس ترنان في تجول داخل برلين وفعل يوقّع الأثر والآثار في الملحون الشعري للصادوق بن رشيد الحاج يوسف وتاريخ معسكر الأسرى “نصف القمر” الذي أقيم سنة 1915 جنوبي برلين والذي اقتاد العديد من الأسرى التونسيين حيث وقف صادوق أمام بوق غرنوفون وأنشد مرثياته كصرخات لا تنتظر أجوبة ولا تبحث عن الخلاص بل تكثف خلاصها من معانيها.
 
سفر عبر الصوت
 
 
ثمة معارض تُشاهَد، وأخرى تُقرأ، لكن مشروع محمد علي لطيف لا يمكن التعامل معه بوصفه جزءا فهو كل متكامل وحضور مختلف بناه على مراحل وبرنامج متماسك الحسيات والتساؤلات والانطباع واليقين الجمالي المبني على شغف البحث فما يحدث من خلاله أشبه بالعبور داخل جهاز زمنيّ مضطرب، أو دخول أرشيف يتنفس ببطء تحت الأرض، منذ الخطوة الأولى، يشعر الزائر بأن المكان لا يفتح أبوابه على الفن، بل على درجات بحث في الغياب، غياب البشر الذين اختفت أسماؤهم وبقيت أصواتهم، وغياب الأزمنة التي لم تمت تماما، بل تحولت إلى ذبذبات معلقة في الهواء.
 
لذلك ارتكزت البرمجة على جلسات وتواصل وتفاعل بين الزائرين، كل زيارة للمعرض تحمل بعدها دعوة أخرى للمشاركة في حلقة في نقاش في قراءة واستماع جمعت محمد علي لطيف مع لمين فوفانا موسيقيا ومحاضرات عن تاريخ التسجيلات الموسيقية في شمال أفريقيا شملت نقاشات مع منير الهنتاتي وعلي السياري، وبحث عن الأصوات المنسية والضالة في فترة ما بين الحربين، ونقاش مع نعيمة حسن ومنير الهنتاتي، والكتابة السريالية في شمال أفريقيا والشتات، ومداخلة ونقاش مع أنس غراب وهيكل الحزقي.
 
البرمجة التي كانت في شكل جلسات متتالية حملت المتلقي إلى بحث طويل ومعارف متراكمة في تفاصيلها بين التفسير والتعمق والاكتشاف وبالتالي خاض لطيف في رؤى شاملة استطاع بها أن يغير فكرة العرض بوصفه مركزا بصريا ثابتا، أو يقينا جماليا مستقرا.
 
المعرض مفكك عمدا، متعدد البؤر، يتحرك مثل ذاكرة مصابة برجّات داخلية، فيديوهات تتنفس في العتمة، تسجيلات صوتية خارجة من شقوق التاريخ، صور فوتوغرافية تبدو كأنها فقدت نصف ذاكرتها، أعمال خزفية أشبه ببقايا حضارة غارقة تسرد حكاياتها، وثائق وكتب وأسطوانات تسجيل لا تُعرض بوصفها مقتنيات، بل بوصفها كائنات نجت من المحو، كل هذا جعل لطيّف يشيّد نظاما حسيا كاملا استدرج المتلقي معه ليعيش داخل المادة الأرشيفية نفسها.
 
في هذا المشروع، الصوت ليس عنصرا مكملا للصورة، بل هو البنية العميقة التي تتحرك داخلها جميع العناصر، الأصوات القديمة القادمة من تسجيلات أُنجزت بين 1915 و1918 داخل معسكرات الأسر الألمانية لا تصل إلى المتلقي كوثائق تاريخية، بل كأشباح صوتية تعود من مسافة قرن كامل، ليصبح الصوت أكثر هشاشة من الجسد، وأكثر بقاء من الصورة.
 
أنت لا تسمع تسجيلات فقط، بل تسمع الزمن نفسه وهو يتآكل، ولا يتلاشى بل يثبت وجوده في تلك اللمسة التي يقدّمها ويضيفها لطيف بعناد يستدعي المتلقي ليسمع أنفاس أسرى تونسيين وأفارقة وآسيويين كانوا يوماً ما مجرد أرقام في سجلات استعمارية، قبل أن يعيد محمد علي لطيف انتشالهم من برودة الأرشيف إلى حرارة التجربة الفنية.
 
اللافت في المعرض أن الفنان لا يسقط في فخ التوثيق المباشر، ولا يحوّل المادة التاريخية إلى درس بصري جامد، على العكس، إنه يحرّر الأرشيف من طابعه الإداري، ويعيده إلى هشاشته الإنسانية الأولى، فكل تسجيل هنا يبدو كما لو أنه يبحث عن جسده المفقود، وكل صورة تبدو وكأنها تحاول تذكر صاحبها قبل اختفائه النهائي.
 
ما يعطي أهمية لهذا المشروع في سياق الفن المعاصر هو أنه لا يتعامل مع الأرشيف كمستودع معرفة، بل كموقع صراع، الأرشيف جزء من آلة استعمارية ضخمة كانت تسعى إلى امتلاك الآخر حتى عبر صوته ولهجته وغنائه ونبرته، ولكن محمد علي لطيف قلب المعادلة ببراعة نادرة وبحث لم يهدأ عن رصد الاحتمالات وتكثيف التساؤلات، فهو لا يواجه الأرشيف بالرفض، بل بالتفكيك الجمالي، يأخذ المادة الاستعمارية نفسها ويعيد تركيبها داخل فضاء بصري جديد، بحيث تتحول الوثيقة إلى سؤال، والتسجيل إلى أثر وجودي، والصورة إلى منطقة شك.
 
لهذا يبدو المعرض كأنه يتحرك بين الفن والأنثروبولوجيا والفلسفة والموسيقى والسينما والشعر والواقعية والسريالية في الوقت ذاته، إنه مشروع قابل للتماهي مع الكل في الكل بحثا عن الإنسان وقيمة حضوره وانتمائه واعترافه بذاته في الانتماء، مشروع يرفض التصنيف، ويقترح شكلا جديدا من الممارسة الفنية العربية المعاصرة، ممارسة لا تنتج الجمال بشكل مباشر بقدر ما تنتج وعيا جديدا بالصورة والتاريخ والذاكرة، ما يصقل جمالا داخليا فينا.
 
متاهة حسية وانبعاث بصري
 
ثمة لحظة داخل المعرض يشعر فيها الزائر بأن الأعمال بدأت تنظر إليه هو، لا العكس، هذا الانقلاب الحسي هو عنصر قوة في المشروع فالمكان لا يكتفي بعرض التاريخ، بل يورط الجسد داخله.
 
الضوء الخافت، التقطعات الصوتية، المواد الخام، تشظي الصور، الصمت الذي يفصل بين التسجيلات، كلها عناصر تجعل التجربة أقرب إلى السير داخل حلم أرشيفي طويل، كأن الفنان يريد من المتلقي ألا “يفهم” المعرض فقط، بل أن يضلّ داخله، يتوه عبر الأزمنة والذاكرة والإثنيات والأغنيات والأحداث بين تأملات فرانز فانون وبين صوت الشيخ العفريت وابتكارات القناوة وهي تحيد في تصعيدها الهابط به على أرض مستقبله المثقوب بذاكرته، وهنا تكمن فرادة المشروع.
 
إنه لا يمنح الزائر إجابات جاهزة، بل يدفعه إلى اختبار شعوري معقد، شعور بأن التاريخ ليس ماضيا منتهيا، بل مادة مستمرة في إنتاج الحاضر والمستقبل الآتي، الأصوات القديمة لا تبدو قديمة تماما، بل تحمل شيئا من المستقبل، كأن العالم الآتي الذي يتحدث عنه العنوان أو المفهوم ليس زمنا قادما، بل وعي جديد سيولد من إعادة الإصغاء إلى الذين حُذفوا من السردية الكبرى.
 
الفن كإنقاذ أخير للمنسيين
 
 
في لحظة يهيمن فيها الاستهلاك البصري السريع على معظم التجارب الفنية، يذهب محمد علي لطيف في الاتجاه المعاكس تماما، لأن مشروعه لا يؤخذ بزيارة واحدة ولا بمعزل عن برنامج بحثي متكامل، مشروعه لا يسعى إلى الإبهار، بل إلى الحفر، لا ينتج صوراً مريحة، بل مناطق ارتباك وتأمل وإنصات.
 
ثمة شيء يبقى عالقاً بعد الزيارة، ربما صوت أسير تونسي مجهول، أو ارتجاف تسجيل قديم، أو صورة فقدت نصف ملامحها، أو حجر متشظ من زخرفاته الخزفية أو وثيقة تمزقت أو كتاب أو أسطوانة قديمة وربما ذلك الإحساس الغامض بأن الفن ما زال قادرا، رغم كل شيء، على إعادة البشر من العدم.
 
عند حديثي مع محمد علي لطيف بدا الأمر وكأننا لا نتحدث عن المعرض من خلال تساؤل قفز بي من ثنايا التجول في الفنون وتفاصيل الذاكرة الموشومة كما عبر عبدالكبير الخطيبي، بل عن كائنٍ خفيّ يحاول الخروج من التاريخ، كان لطيف يتكلم عن الذاكرة لا بوصفها ماضيا محفوظا، بل جرحا مفتوحا يتنفس داخل الأرشيفات المنسية.
 
سألته: هل ما تفعله هو مساءلة للتاريخ أم تمرّد عليه؟ ابتسم، كأن السؤال نفسه جزء من العمل، ثم بدا كأنه يبحث عن الكلمات داخل الصمت أكثر مما يبحث عنها في اللغة، أو يعيد إليّ السؤال، بأكثر حيرة، قال إن الذاكرة ليست بريئة دائما، وإن ما نسمّيه تاريخا قد يكون مجرد نسخة انتصرت على نسخ أخرى أُعدمت في الظل، عندها شعرت أن مشروعه لا ينبش الماضي فقط، بل ينبش فكرة “من يملك حق رواية الماضي”، من الذي كتب هذه الأصوات؟ من الذي صنّفها داخل الأرشيف الإمبراطوري؟ ومن الذي حوّل البشر إلى تسجيلات معزولة عن أجسادها؟
 
 كان الفنان يتحدث عن الأصوات القديمة كما لو أنها أرواح معلقة، لا تريد العودة إلى الحياة بقدر ما تريد أن يُعاد الإصغاء إليها، وفي عمق رؤيته البصرية بدت الأعمال كلها محاولة لإنقاذ الذاكرة من السلطة التي كتبتها، ومن النسيان الذي كاد يبتلعها، هناك، داخل العتمة، بين التسجيلات والصور والذبذبات، أدركت أن المشروع لا يطرح سؤال “ماذا نتذكر؟” ولماذا كتب بضمير الفرد المتكلم “أسمع الصوت القديم للعالم الآتي”.. فقط ليقرأ كل متأمل رؤيته ويبني تساؤلاته لأن الذاكرة مهما بدت جماعية تحمل فرديتها، حتى يبتعد اقترابا من سؤال أعمق هو من الذي يقرر ما الذي يجب أن يُنسى؟
 
في “أسمع الصوت القديم للعالم الآتي” لم يتعامل محمد علي لطيّف مع الذاكرة وكأنها مخزون أرشيفي جاهز يحمله ليسنده على ما يريد من ذكريات أو استرجاع رومانسي للماضي، ولكن كأثر جريح، محفور داخل الجسد والتاريخ واللغة والصوت، وإذا كان الخطيبي قد كتب عن “الذاكرة الموشومة” باعتبارها ندبة لا يمكن محوها من الكيان الإنساني، فإن لطيف ذهب أبعد بصريا محوّلا تلك الندبة إلى مادة حسية وسمعية ومرئية داخل فضاء الفن المعاصر.
 
الخطيبي تساءل عمن يكتب الذاكرة؟ ومن يمتلك سلطة السرد؟ وهي الأسئلة ذاتها التي تتردد داخل مشروع لطيف، لكن عبر الأرشيفات الصوتية الاستعمارية، والتسجيلات التي حُفظت لأسرى شمال أفريقيا داخل مختبرات أوروبا، هنا يلتقي الاثنان عند نقطة جوهرية أن الذاكرة ليست بريئة، والأرشيف ليس حياديا بل هو شكل من أشكال السلطة، لذلك يحاول الخطيبي تفكيك اللغة الكولونيالية من الداخل، بينما يعمل لطيف على تفكيك الصورة والصوت الاستعماريين وإعادة تحريرهما جماليا.
 
 إن مشروع محمد علي لطيف حوّل الأصوات القديمة إلى أجساد مفقودة تبحث عن حضور جديد كأنه يحقق بصريا من خلال الصوت، ذلك الوشم السمعي أثر بقي بعد اختفاء الجسد والصور المهشمة، والتسجيلات المتقطعة، والوثائق التي يعيد تركيبها، كلها تبدو امتداد الهوية المتشظية التي تعيش بين لغات وأزمنة وسلطات متعددة.
 
المصدر: العرب اللندنية