أحداث ثقافية أخرى
السينما الأفريقية في مواجهة المنصات: بين الهوية الإبداعية وإكراهات السوق الرقمي
عبدالرحيم الشافعي
الإثنين 1 حزيران 2026

تنعقد ندوة "الإنتاج السينمائي الإفريقي وتحديات منصات البث" في سياق استثنائي، إذ تحتضنها فعاليات المهرجان الدولي للسينما الأفريقية في دورته السادسة والعشرين، وهي دورة تأتي محمَّلةً بأسئلة حارقة في مشهد سمعي-بصري يتحوّل بسرعة لم تشهدها صناعة السينما منذ اختراع الصوت. ويكتسب هذا اللقاء الفكري مشروعيةً مضاعفة كونه يُعقد في أول يوم عمل بعد حفل الافتتاح، أي في اللحظة التي لا تزال فيها مشاعر الاحتفاء بالسينما الأفريقية تتردّد في الأروقة، فيما يستدعي المشهد الراهن وقفةً نقدية صارمة أمام ما تفرضه منصات البث التدفقي الكبرى من معادلات جديدة تهدد في عمقها استقلالية الخيال الأفريقي وحق القارة في إنتاج صورتها بشروطها الخاصة. فهل تمثّل هذه المنصات نافذةً للانتشار أم إطارا للهيمنة الثقافية في حُلَّة تقنية جديدة؟
 
لا يمكن الخوض في إشكالية منصات البث التدفقي دون استيعاب الحالة البنيوية التي يقف فيها الإنتاج السينمائي الأفريقي اليوم، وهي حالة تتسم في معظمها بهشاشة التمويل وضعف البنية التحتية التقنية وغياب سياسات ثقافية داعمة وفاعلة. إن القارة الأفريقية التي تضم أربعة وخمسين دولة لا تمتلك سوى عدد محدود من بلدانها صناعة سينمائية متكاملة الحلقات، في حين تعمل معظم تجاربها الإبداعية في ظروف تشبه أحياناً الاستثناء لا القاعدة. ويُفضي هذا الواقع إلى جعل المخرج الأفريقي رهيناً في أغلب الأحيان لمنح خارجية ومهرجانات أجنبية تفرض شروطها الجمالية والموضوعاتية، قبل أن تأتي منصات البث لتُضيف طبقةً جديدة من الوصاية الإبداعية بأدوات السوق وخوارزميات الجمهور، مُكرِّسةً بذلك دوامة التبعية التي طالما ناضل السينمائيون الأفارقة لتجاوزها منذ فجر حركة "فيسباكو" ورؤى أوسمان سمبين.
 
روّجت منصات البث التدفقي الكبرى لنفسها بوصفها فضاءات ديمقراطية تمنح المحتوى الأفريقي وصولاً غير مسبوق إلى مئات الملايين من المشاهدين حول العالم، وهو خطاب يحمل قدراً من الصحة لا يُنكَر. غير أن التدقيق في آليات عمل هذه المنصات يكشف أن الديمقراطية الرقمية التي تتشدّق بها لا تعدو كونها ديمقراطية الواجهة، فيما تظل قرارات الاقتناء والتوزيع وتحديد الميزانيات محكومةً بمنطق الربحية وتفضيلات الجمهور الذي يمثّل قاعدة الاشتراكات الأساسية. ومن ثَمَّ يجد المنتج الأفريقي نفسه أمام معادلة معقدة: إمّا إنتاج محتوى مُصمَّم لاستيعاب ذوق هذا الجمهور الغالب وإمّا الاكتفاء بموقع هامشي داخل الكتالوج الرقمي الهائل، دون أن تُوجد أي آلية شفافة تضمن له التوزيع العادل أو الرؤية المتكافئة.
 
تمثّل السينما النيجيرية المعروفة بـ"نوليوود" النموذج الأكثر استفزازا للتحليل في سياق هذا النقاش، كونها أنتجت نظاما توزيعيا ذاتيا فريدا قائما على أقراص الفيديو والسوق الشعبية المحلية قبل أن تلتقطها منصات البث الكبرى وتستثمر في إنتاجاتها. ويطرح هذا النموذج سؤالا جوهريا: هل ساهم الدخول إلى منظومة البث التدفقي في تحرير صناعة نوليووود وتطوير معاييرها الجمالية والإنتاجية، أم أنه أعادها إلى دائرة الاعتماد على الخارج بعد أن كانت قد أسّست لاكتفاء نسبي؟
 
إن تجربة "نوليوود" في مساجلتها مع هذه المنصات تكشف أن الشراكة حين تكون غير متكافئة تنتهي في الغالب إلى إعادة إنتاج علاقة التبعية بمعطيات تقنية مختلفة، وأن البريق الدولي الذي تمنحه المنصة قد يكلّف صناعةً محلية ثمنا هوياتيا لا يُرى في الأرقام.
 
في عالم البث التدفقي لا يتخذ قرار ما يُشاهَد أو ما يُوصى به صاحبُ برجٍ عاجي ذو ذوق استعماري صريح، حينما تتخذه خوارزميات مدرَّبة على بيانات الجمهور العالمي المهيمن وهو جمهور تشكّلت تفضيلاته وفق منظومة ثقافية إما غربية أو آسيوية صاعدة. ومن هنا تنشأ مفارقة مُربِكة: الخوارزمية تبدو محايدة في ظاهرها لأنها لا تحمل تحيزا عنصريا واعيا، لكنها في جوهرها تعكس تحيزا هيكليا عميقا يغرق المحتوى الأفريقي في قاع التوصيات ويجعله بعيدا عن الجمهور الفعلي حتى داخل القارة الأفريقية نفسها. إن السينما الأفريقية التي فرّت من الرقيب الثقافي المباشر باتت تواجه رقيباً جديدا أكثر صمتاً وأشد فاعلية: رقيب البيانات الذي يُقيّد بدمٍ بارد ما لم يستطع أي مستعمر أن يُقيّده بصراحة.
 
ودخلت بعض منصات البث التدفقي مرحلة جديدة من علاقتها بالإنتاج الأفريقي، إذ لم تعد تكتفي بالاقتناء وإنما باتت تتدخل في مرحلة التطوير والإنتاج ذاتها من خلال عقود اشتراط تفرض معايير سردية وجمالية وأحياناً لغوية على المشاريع الأفريقية. وقد طرح هذا النمط الجديد إشكالية دقيقة تتعلق بالحدود الفعلية لسلطة المخرج الأفريقي حين يكون الممول شريكاً منتجاً لا مانحاً خارجياً بعيداً. فالمنحة الخارجية وإن كانت مثيرة للجدل تترك للمبدع هامشاً أوسع من الحرية في المنجز النهائي، في حين يجعل تمويل المنصة المخرج أمام منطق الإنتاج التلفزيوني الشعبي الذي يُقدّم رضا الجمهور الواسع على صرامة الرؤية الفنية، مُفرِّغاً أحياناً من السينما الأفريقية جوهرها التجريبي الذي صنع مجدها النقدي.
 
وتعد إحدى المفارقات الأشد إيلاماً في مشهد السينما الأفريقية اليوم هي أن المواطن الأفريقي في غالبية دول القارة يعجز عن مشاهدة الأفلام الأفريقية بسهولة ويُسر، سواء في قاعات السينما الشحيحة أو عبر منصات البث التي يظل الاشتراك فيها مُكلفاً أو غير متاح نظراً لأزمات الدفع الرقمي وضعف الاتصال بالإنترنت في مناطق شاسعة. وهكذا تنتهي السينما الأفريقية في بعض الحالات إلى أن يكون جمهورها الفعلي في المهرجانات الأوروبية والأمريكية قبل مشاهديها الطبيعيين في أديس أبابا أو داكار أو لاغوس أو الرباط. إن انهيار دور السينما المحلية الذي لم تُعوَّض خسائره ببنية رقمية ملائمة يجعل المنصات العالمية تحتكر بشكل تلقائي حق الوصول إلى جمهور لم يُستشَر يوماً في خياراته، مُنتِجاً غياباً مزدوجاً: غياب القاعة وغياب الشاشة البديلة.
 
في مواجهة هذا الواقع لم تقف بعض الإرادات الأفريقية موقف المتلقي السلبي، إذ شهدت السنوات الأخيرة ظهور منصات بث متخصصة في المحتوى الأفريقي تسعى إلى بناء بديل رقمي يحفظ للمحتوى الأفريقي هويته ويُبقي عائداته داخل القارة وفي يد أصحابها الفعليين. غير أن هذه المنصات تصطدم بتحديات هائلة تتعلق برأس المال والتقنية والتسويق الدولي في مواجهة عمالقة يمتلكون من الموارد ما يفوق الناتج المحلي لعدد من الدول الأفريقية. ومع ذلك تبقى هذه التجارب ذات دلالة رمزية وعملية بالغة لأنها تُبيّن أن بناء منظومة توزيع رقمية مستقلة ممكن وإن كان بطيئاً، وأن الرهان على السيادة الرقمية الأفريقية ليس ترفاً ثقافياً بل ضرورة بنيوية تمسّ في المقام الأول حق الشعوب الأفريقية في إدارة تمثيلها الرمزي أمام العالم.
 
وتطرح منصات البث التدفقي للمنتجين الأفارقة شرطا لغويا ضمنيا يستحق التوقف عنده طويلا، إذ تميل هذه المنصات إلى تفضيل الأفلام المُنجزة بالإنجليزية أو الفرنسية على حساب تلك المُقدَّمة بلغات أفريقية أصيلة كالسواحيلية والهوسا والأمهرية والولوف وسواها، باعتبار أن الترجمة الكاملة تُكلّف إضافيا وتُقلّص مدى الجمهور. وقد دفع هذا الشرط الضمني بعض صناع الأفلام الأفارقة إلى التفكير بلغة لا تعكس تجربتهم الداخلية الفعلية، وهو ما يرى فيه عدد من النقاد نوعاً من الاستعمار اللغوي المُقنَّع خلف منطق السوق البارد. إن اللغة في السينما هي إيقاع وذاكرة ونسيج ثقافي، والتخلي عنها لصالح لغة السوق ليس تنازلاً تقنياً عابراً لأنه هو تنازل عن طبقات من المعنى لا يمكن استعادتها بأي ترجمة مهما بلغت من الجودة.
 
لا يمكن تحميل منصات البث التدفقي وحدها مسؤولية التحديات التي تواجهها السينما الأفريقية دون أن يُوجَّه جزء من النقد إلى الدول الأفريقية نفسها التي أخفقت في تطوير سياسات ثقافية وطنية فاعلة تحمي صناعتها السينمائية وتُموّلها وتُنظّم علاقتها بالفاعلين الدوليين بأدوات قانونية واضحة. إن غياب تشريعات تُلزم المنصات الدولية العاملة في أسواقها بنسب محددة من المحتوى المحلي يجعل الفضاء الرقمي الأفريقي سوقاً مفتوحة بلا سياج تنظيمي، ويُحرم صناع الأفلام المحليين من أي ضمانة هيكلية تتجاوز اليحظ الجمالي أو الظرف التجاري. وفي غياب هذا السياج تتحوّل القارة إلى مستهلك رقمي صافٍ في الوقت الذي تمتلك فيه من الرصيد الثقافي والبشري والتنوع السردي ما يجعلها جديرة بأن تكون منتجاً رئيسياً ومُصدِّراً للمحتوى لا مستورداً فحسب.
 
إن الخروج من دوامة الإشكاليات المطروحة يستلزم رؤية استراتيجية أفريقية تشاركية لا تُعادي التقنية ولا تنبهر بها، وإنما تتعامل معها بوعي نقدي يُحوّلها من معطى جاهز فُرض من خارج القارة إلى أداة حقيقية في خدمة المشروع الثقافي القاري العابر للحدود. ويستوجب ذلك على مستوى عملي بناء صندوق أفريقي لدعم الإنتاج السينمائي المستقل وتوحيد اشتراطات المحتوى المحلي في أسواق التكتلات الإقليمية وتشجيع مبادرات التوزيع البيني الأفريقي التي تتجاوز الوسيط الغربي والتكنولوجي. كما تستدعي المرحلة تطوير مناهج تكوين مهنية تُوازن بين استيعاب تقنيات صناعة المحتوى الرقمي وتعميق الإحساس بالخصوصية الجمالية لكل تجربة أفريقية، لأن الرهان الحقيقي ليس الظهور على شاشة المنصة وإنما الظهور بشروط تحفظ الكرامة الإبداعية وتُبقي مفاتيح الصورة الأفريقية في يد أصحابها.
 
 
المصدر: العرب اللندنية