في "مهرجان كان 2026": الذكاء الاصطناعي والسينما: ثورة أم تهديد؟
الياس دمّر
الخميس 21 أيار 2026
بينما يواصل الذكاء الاصطناعي اقتحام الصناعات الإبداعية، تجد السينما نفسها أمام سؤال وجودي لم يعد نظريًا: هل نحن أمام أداة جديدة في يد الفنان، أم بداية مرحلة قد يتراجع فيها دور الإنسان نفسه؟ بدا هذا السؤال حاضرًا بقوة في أجواء "مهرجان كان السينمائي"، حيث يتزايد الجدل حول حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة الأفلام.
النجمة Demi Moore عبّرت عن قلقها من التحولات المتسارعة التي يشهدها المجال، مشيرة إلى أنّ التكنولوجيا، رغم إغراءاتها، لا يمكن أن تكون بديلا عن التجربة الإنسانية التي تمنح الأداء صدقه وعمقه.
هذا القلق يعكس هواجس قطاع واسع من العاملين في الصناعة، ممن يرون أنّ الفن ليس مجرّد منتج بصري متقن، بل انعكاس للذاكرة والعاطفة والخبرة البشرية. حتى Léa Seydoux، التي تبدو أقل قلقًا من بعض زملائها، لا ترى في الذكاء الاصطناعي تهديدًا وجوديًا مباشرًا للفن، بل أداة أخرى ضمن المشهد المتغيّر. ففي حديثها الأخير خلال "مهرجان كان"، بدت أكثر هدوءًا تجاه المخاوف المتصاعدة، معتبرة ضمنيًا أنّ السينما لطالما عاشت تحولات تقنية متلاحقة، وأنّ القلق المفرط من التكنولوجيا قد يكون مبالغًا فيه.
في المقابل، يتبنّى بعض صناع السينما نظرة أكثر براغماتية. المخرج Peter Jackson، المعروف بشغفه بالتكنولوجيا، أبدى انفتاحًا على استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة، لا سيما في الجوانب التقنية المتعلقة باستعادة المواد الأرشيفية وتحسين الجودة البصرية. بالنسبة له، يمكن للتكنولوجيا أن توسّع الإمكانات الإبداعية بدل أن تلغي دور الفنان. أما Steven Soderbergh، فقد نقل النقاش إلى مستوى أكثر جرأة. في فيلمه الوثائقي الجديد "John Lennon: The Last Interview"، استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد مشاهد بصرية رمزية تغطي نحو 10% من الفيلم، موضحًا أنّ اللجوء إلى هذه التقنية جاء لِسدّ فجوة بصرية في المقاطع الفلسفية من الحوار، وليس لخداع الجمهور أو استبدال العمل الإبداعي البشري. الأهم من ذلك أنه دافع عن الشفافية في استخدام هذه الأدوات، معتبرًا أنّ النقاش الأخلاقي لا يمكن أن يحدث إذا جرى استخدام الذكاء الاصطناعي في الخفاء.
بين هذه المواقف، تتكشّف المعضلة الحقيقية. فمن جهة، يعد الذكاء الاصطناعي بخفض التكاليف وتسريع الإنتاج وفتح آفاق جديدة لصناع الأفلام المستقلين. ومن جهة أخرى، يثير أسئلة مقلقة بشأن حقوق الملكية الفكرية، ومصير الكتّاب والممثلين، وحدود الأصالة الفنية عندما تصبح الخوارزميات قادرة على محاكاة الأنماط والأساليب البشرية.
ربما لن يكون الصراع الحقيقي بين الإنسان والآلة، بل بين رؤيتَين للسينما: واحدة تراها صناعة يمكن تحسين كفاءتها، وأخرى تعتبرها فعلا إنسانيًا لا يختزل في الحسابات التقنية. الذكاء الاصطناعي سيبقى بلا شك، لكن السؤال الذي سيحدد مستقبل السينما ليس ما إذا كانت الآلة قادرة على إنتاج الأفلام، بل ما إذا كان الجمهور سيظلّ يبحث، في نهاية المطاف، عن شيء لا تستطيع الآلة تقليده بالكامل، وهو العبقرية الإنسانية الحرة التي تتجدّد من تلقاء نفسها، عند كل عملية ابتكار وإبداع.
المصدر: نداء الوطن