أحداث ثقافية أخرى
من شوارع بيروت إلى شاشات إسرائيل: هل تحطم "تابو" السلام مع لبنان؟
العرب اللندنية
الأربعاء 6 أيار 2026

 وسط أنقاض الضواحي الجنوبية لبيروت وأصوات القذائف التي لا تزال تتردد في الجنوب، بدأت محرمات سياسية دامت لعقود في التلاشي، أو هكذا تزعم وسائل إعلام إسرائيلية في حملة تهدف إلى اختراق الوعي الجمعي اللبناني.
 
نشرت قناة “آي 24 نيوز” الإسرائيلية تقريراً أثار جدلاً واسعاً، مدعية أن استطلاعاً للرأي أظهر تأييداً بنسبة 80 في المئة بين اللبنانيين للتفاوض المباشر مع إسرائيل. وبينما تصف القناة الأمر بأنه “نهاية لعصر المحرمات”، يرى خبراء إعلاميون في بيروت أن هذا الخطاب يمثل إستراتيجية “تطبيع إعلامي” مدروسة تهدف إلى تحويل الصراع الوجودي إلى مجرد “وجهة نظر” خاضعة للأرقام والنسب.
 
ونشرت القناة 12 عبر منصاتها المختلفة (موقع ماكو وحساباتها على التواصل الاجتماعي) تقريرا تحت عنوان “سنشرب البيرة في تل أبيب”، وفيه ذكرت أن صفحة المحتوى اللبنانية “بوليتكل بن” (Political Pen) سألت المواطنين اللبنانيين “ما هو موقفكم من السلام مع إسرائيل؟”.
 
التقرير العبري نقل المقابلات التي أجرتها المنصة اللبنانية في شوارع بيروت، والتي تضمنت بالفعل تصريحات لمواطنين يعربون عن رغبتهم في زيارة القدس أو الاستمتاع بالحياة في تل أبيب كدليل على كسر حاجز الخوف الإعلامي.
 
بموجب قانون المقاطعة الصادر عام 1955، يُعتبر أي تواصل أو "ترويج لمصالح العدو" جرما يستوجب الملاحقة
 
وأشارت المصادر العبرية إلى أن منصة “بوليتكل بن” طرحت السؤال بوضوح قائلة إن السلام أصبح “أمرا لا مفر منه” و”مطلبا دوليا لاستقرار البلاد”، وهو ما اعتبره الإعلام الإسرائيلي تحولا جذريا في الخطاب اللبناني.
 
ويأتي هذا الاهتمام الإعلامي الإسرائيلي تزامنا مع جولات المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، حيث تسعى الوسائل الإعلامية العبرية لإبراز “الأصوات البديلة” في لبنان التي تدعم المسار الدبلوماسي.
 
ورغم ذلك يقول مراقبون إن التقارير الإعلامية الإسرائيلية لم تكن مجرد نقل للخبر، بل محاولة لـ”هندسة اجتماعية” تسعى لتفكيك الإجماع الوطني اللبناني حول العداء لإسرائيل. ومن خلال تصوير السلام كمطلب شعبي يصطدم بتعنت النخبة العسكرية والسياسية، يحاول الإعلام الإسرائيلي نقل الصراع من الحدود إلى داخل الصالونات اللبنانية.
 
ومع ذلك، فإن هذا الاختراق الإعلامي غالبا ما يأتي بنتائج عكسية، حيث يُنظر إلى الإشادة الإسرائيلية بالرأي العام اللبناني في بيروت على أنها “قبلة الموت”، إذ تُستخدم فورا من قبل خصوم المفاوضات لاتهام أي صوت ينادي بالسلام بـ”التساوق مع البروباغندا الصهيونية”.
 
قانونيا، لا تزال الدولة اللبنانية تتعامل مع هذه المحاولات الإعلامية بصرامة. فبموجب قانون المقاطعة الصادر عام 1955، يُعتبر أي تواصل أو “ترويج لمصالح العدو” جرما يستوجب الملاحقة. وأكدت مصادر قضائية في بيروت أن الأجهزة الأمنية تتابع المحتوى الذي تبثه هذه القنوات، محذرة من أن “حرية التعبير لا تشمل الترويج لكيان غاصب في حالة حرب مع لبنان”.
 
ويأتي هذا الشد والجذب الإعلامي في وقت حساس، حيث تعيش البلاد “هدنة هشة” مطلع مايو 2026. ولأول مرة منذ عقود، بدأت الحكومة اللبنانية، بدعم من الرئيس جوزيف عون، استكشاف مسارات للتفاوض المباشر في واشنطن لإنهاء الحرب.
 
وبينما يلعب الإعلام الإسرائيلي على وتر “المقايضة”، أي السلام مقابل الازدهار الاقتصادي، يظل المواطن اللبناني عالقا بين رغبته في الاستقرار وبين قوانين صارمة وبيئة سياسية تعتبر مجرد نقاش “التابو” الإعلامي نوعا من الخيانة العظمى.