أحداث ثقافية أخرى
مسابقة "فنانين فلاحين" تجمع التراثَين الغنائي والزراعي
جويل غسطين
الثلاثاء 3 آذار 2026

لم ينقطع تمسّك اللبنانيين بأرضهم حتى في أصعب الظروف والأوقات، ومنها تلك التي نعيشها هذه الأيام بعدما ورّط "حزب الله" عموم البلد في حرب جديدة كان يمكن أن نبقى بمنأى عنها. ورغم أن الأجيال الجديدة تبتعد، بسبب الحداثة ونمط العيش المعاصر، عن التعامل مع الأرض فلاحة وزراعة، يبقى اللبنانيّ شاهدًا حيًّا على علاقةٍ عميقة جمعت إنسان هذا الوطن بتراثه وطبيعته. ومن هذا الارتباط الصادق بالأرض الحاضر في الذاكرة وُلدت فكرة مسابقة "فنانين فلاحين"، لتمنح الفلّاحين فرصة التعبير عن مواهبهم وقدراتهم الفنية، وتعيد تسليط الضوء على الحياة الريفية بوصفها جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية اللبنانية. المسابقة أُطلقت في شهر كانون الثاني 2026، بمبادرة من "وحدة البيئة والتنمية المستدامة" في "كليّة العلوم الزراعية والغذائية" في "الجامعة الأميركية في بيروت"، بالتعاون مع "وزارة الثقافة" و "المعهد الفرنسي في لبنان" و "اللجنة الوطنية اللبنانية لليونسكو".
 
يُمكن لأيّ مزارع، أو فلاح، أو راعٍ المشاركة في مسابقة "فنانين فلاحين"، عبر إرسال مقطع فيديو عبر تطبيق واتساب على الرقم 318 391 71، يظهر فيه وهو يؤدي أغنية لبنانية تراثية، على أن يُقفل باب استقبال المُشارَكات في 14 آذار الجاري. بعدها، ستُعرض المقاطع على لجنة تحكيم تضم الفنانين حنين أبو شقرا، ميشال حوراني، وغدي الرحباني، الذين سيختارون أفضل عشرة مقاطع. وفي  شهر تموز المقبل، تُختتم المسابقة بحفلٍ كبير، يُعلن في خلاله عن الفائزين بالمراكز الثلاثة الأولى، في خطوة تهدف إلى تكريم الإبداع الريفيّ وإبراز دوره في الحفاظ على التراث. ومن شروط المشاركة، أن يكون المتقدِّم إليها لبنانيّ الجنسية، وأن يتجاوز سن الخمسين، وأن يكون مزارعًا أو مربّي ماشية ويتمتع بموهبة فنية.
 
 
ولادة الفكرة
 
سفيرة "وحدة البيئة والتربية المستدامة" في "الجامعة الأميركية في بيروت" الفنانة حنين أبو شقرا، تشرح لـ "نداء الوطن"، أن فكرة المسابقة انطلقت ضمن نشاطات "الوحدة" في "الجامعة"، تحت شعار "أولياء الأرض". وقد بادر الدكتور شادي حمادة، رئيس "الوحدة" ومؤسِّسها، إلى طرح فكرة هذه المسابقة كمشروع يجمع بين الإبداع الفني والبُعدَين البيئي والاجتماعي، بهدف إبراز الفلاحين كجزء أساسيّ من الهويّة الثقافيّة والبيئيّة في لبنان. ولفتت أبو شقرا إلى إعادة إطلاق المسابقة هذا العام بعد أن كان ذلك مقرّرًا العام الماضي، وجرى إرجاؤه بسبب الحرب. وأكّدت المغنية اللبنانية أن "فلاحين فنانين" تشكّل مساحة للاحتفاء بالأصالة وبالعلاقة الإنسانية العميقة التي تربط الفلاح بأرضه وتراثه الشعبي، موضحةً أن عدد المشاركين كان بلغ نحو خمسة وعشرين مشاركًا، إلى حين إجراء هذه المقابلة معها.
 
وتؤكّد الفنانة حنين أبو شقرا أن المشاركين يخضعون لشروط محدّدة وتدريب مسبق قبل المشاركة، ثمّ يجري تقييم المُشارَكات وفق معايير فنية بحتة. ويرتكز التقييم على عنصرَين أساسيَّين: الصدق في التعبير والمهارة الفنية. فالصدق الفنيّ، بحسب أبو شقرا، ضروريّ كي يتمكّن الفنان من إيصال إحساسه إلى الجمهور، في حين تبقى المهارة الفنية أساس النجاح في أيّ عمل فني.
 
البقاء في الأرض
 
تهدف مسابقة "فنانين فلاحين" عمليًّا لتشجيع الفلاحين على البقاء في أرضهم من خلال وسائل متعددة، أبرزها تقديم جوائز مرتبطة بالزراعة ومفيدة للنشاط الزراعي، بما يساهم في دعم عملهم اليومي. كما تسعى المبادرة إلى تسليط الضوء على الفلاح والحياة الريفية، وتعريف المجتمع بقيمتها وأهميتها.
 
وعلى الصعيد الشخصيّ، تؤكد حنين أن مشاركتها في المسابقة تنبع من ارتباط عاطفيّ بالحياة الريفية إذ تنحدر هي من قرية لبنانية ذات طابع زراعي، وقد عاشت طفولتها بين الحقول واختبرت عن قرب جمال المواسم الزراعية وما تحمله من بساطة وأصالة. وهذا الانتماء إلى البيئة الريفية، شكّل، إلى جانب اهتمامها بالفن، حافزًا أساسيًا لمشاركتها في لجنة التحكيم ودعمها لهذه المبادرة. وللفن، بالنسبة لها، قدرة حقيقيّة على التأثير في سلوك الإنسان تجاه الطبيعة، فالشخص المرتبط بالأرض والزراعة غالبًا ما يتمتع بحس إنساني وفني يجعله أكثر قربًا من البيئة وأكثر حرصًا على حمايتها.
 
الصدق والبساطة
 
الفنان ميشال حوراني، عضو لجنة التحكيم، عبّر بدوره لـ "نداء الوطن" عن حماسته للمشاركة في المسابقة، معتبرًا أن الفكرة بحدّ ذاتها "مميّزة وفريدة" لكونها تسلّط الضوء على فئة المزارعين والفلاحين الذين يمتلكون مواهب فنية غالبًا ما تبقى بعيدة من الأضواء. وأشار حوراني إلى أن ما يميّز هذه التجربة، هو الاقتراب من عالم المشاركين وأصالتهم وارتباطهم بالأرض، بعيدًا عن الإبهار الشكليّ والمظاهر الخارجية، ومؤكِّدًا أن الصدق والبساطة يشكّلان جوهر هذه المبادرة. وأضاف حوراني أن لجنة التحكيم ستبحث عن التوازن بين المهارة الفنية والقدرة التعبيرية، معتبرًا أن "النجم الحقيقيّ" هو صاحب الشخصية التي تجمع بين الإتقان الفني والحضور الصادق القادر على إيصال معنى الأغنية إلى الجمهور.
 
أغنيات أصيلة
 
أما المؤلّف الموسيقيّ غدي الرحباني فقال إن أحد أقربائه اقترح عليه الانضمام إلى لجنة التحكيم في مسابقة "فنانين فلاحين"، وبعد الاطّلاع على تفاصيل المسابقة أُعجب بالفكرة ووافق على المشاركة كعضو في "اللجنة"، واصفًا المسابقة بأنها "جديدة وتتمتع بالأصالة". لكن الرحباني يؤكد في حديثه لـ "نداء الوطن" أن تقييمه للأعمال الفنية المقدّمة من المشتركين لن يكون صارمًا، فالمشاركون فلاحون بسيطون يمتلكون موهبة فنية. لكنه في المقابل يشدّد على أهمية اختيارهم أغنيات لبنانية أصيلة تحافظ على التراث.
 
باختصار، إنها مسابقة تجمع بين تراثَين ينبغي التمسك بهما ونقلهما إلى الأجيال الجديدة: تراث الأغنية الأصيلة، وتراث العناية بالأرض وزراعتها. علّها في دورتها اللاحقة تطال من هم دون الخمسين، فتحفز الشباب على العودة إلى الأرض والأغنية اللبنانية.
 
 
المصدر: نداء الوطن