من بيروت إلى لندن… الفن العربي يرسخ حضوره العالمي
بشرى بن فاطمة
الخميس 26 شباط 2026
يشهد الفن العربي في السنوات الأخيرة حضوراً متنامياً على الساحة الدولية، مدفوعاً برغبة متجددة في التعبير عن الهوية والانفتاح على الآخر. ولم تعد المعارض مجرد فضاءات للعرض، بل منصات للحوار والتبادل وبناء الجسور الثقافية، بما يعزز مكانة الإبداع العربي ضمن المشهد الفني العالمي المتجدد، ويدخله في دائرة التداول والاقتناء.
أمام تسارع حركة الفنون وتداخل التعبير عن الهويات، تكتسب المعارض الدولية للفنون قيمة تتجاوز العرض نحو إعادة تشكيل المعنى والحضور والتبادل الثقافي؛ فهي ليست مجرد فضاءات لعرض الأعمال، بل منصّات حوار عابر للحدود، تُختبر فيها الهويات الجمالية، وتُعاد صياغة العلاقة بين المحلي والدولي ضمن سياق نقدي وتأريخي واسع ومتكامل.
حضور الفنون العربية في هذه الفضاءات يشكّل فعلاً ثقافياً واعياً، يفتح باب التبادل الخلّاق مع تجارب متعددة، ويتيح للفنانين إعادة قراءة ذواتهم في ضوء الآخر، دون التفريط في خصوصياتهم. فالتبادل ليس تواصلاً شكلياً، بل إثراء مزدوج للرؤى، وتوسيع لأفق البحث، وتعميق للخطاب البصري عبر العرض والتفاعل.
تداول الفن العربي
المعرض جسر ثقافي لإيصال الفنون العربية إلى الجمهور الأوروبي، ما يعزز الحوار والتبادل الفني بين العالمين العربي والغربي
من خلال هذا التواصل والعرض يبرز الاقتناء كأحد أهم تجليات الاعتراف بالقيمة الفنية للتجارب العربية، لأن دخول الأعمال إلى مجموعات خاصة أو مؤسساتية لا يعني انتقالها من يد إلى أخرى فحسب، بل إدراجها ضمن ذاكرة الفن المعاصر، ومنحها استمرارية تتجاوز اللحظة الآنية للعرض. فالاقتناء هو تثبيت للحضور، ودعم لمسار إبداعي، ومؤشر على اندماج الفن العربي في شبكة التداول الثقافي والاقتصادي العالمية.
من خلال هذا التوجّه حمل معرض الفنّ العربي أهدافه وثبّتها ليصبح أول معرض مختصّ في الفنون البصرية العربية؛ فمنذ انطلاقه سنة 2019 كان شعاره تقديم الفن العربي في العالم، وكان هدفه جمع الفنانين العرب والتعريف بتجاربهم والتسويق لأعمالهم وربطهم بالمقتنين والغاليريهات الدولية والجمهور العالمي، وقد استطاع أن يخطو خطاه نحو ذلك بعمق وبحث.
المعرض أصبح أكثر من حدث ثقافي مناسباتي، وتحوّل إلى مساحة لتكثيف الرؤية، وبناء الجسور، وترسيخ الحضور، تمهيداً للحديث عن تجربة فنية عربية متنوّعة تسعى إلى أن تكون جزءاً فاعلاً في الأفق الفني العالمي المفتوح.
فبعد أن أُقيمت الدورة الأخيرة في بيروت ولاقت النجاح والإقبال، استمرّ المنظمون في خلق فرص جديدة للتعريف بالفن العربي بنقل المعرض إلى لندن في الثالث والعشرين والرابع والعشرين من يناير الفارط، حيث انتظم في Chelsea Old Town Hall.
حمل المعرض تفاصيل من الإبداع والتواصل، وجمع أكثر من أربعين فناناً، خُصّص لكل تجربة جناح منفصل ومتصل بالتجارب الأخرى. وحسب ما عبّر فرحات فرحات، مدير ومؤسس الملتقى، ساهم المعرض في التعريف بالتجارب الفنية العربية المتنوعة، كما عرّف بالفنان العربي الذي حمل ثراءً وتجريباً وتنوّعاً، وفي نفس الوقت سمح للملتقى الغربي والعربي المقيم في أوروبا بخلق حوار وتواصل بين الفنانين المشاركين، خاصة مع برمجة ندوات حوارية دارت حول سوق الفن في بريطانيا وكيف يمكن تطوير حضور الفنانين العرب فيها.
معرض الفن العربي لا يُعدّ معرضاً للفنون فحسب، بل فرصة ثقافية ومساحة عرض مفتوحة للفن العربي والثقافة والفنون العربية باختلاف أساليبها وجغرافيتها وحضورها وذاكرتها وقضاياها.
اعتُبر التمازج الفني الذي نسجه المعرض رؤية مختلفة وتقديماً مندمجاً بين فناني الشرق والمغتربين، وقد سجّل المعرض مشاركة كل من خالد الجناحي وفاطمة النعيمي من قطر، مريم الصيد من ليبيا، ياسر العمري من الأردن، أمجاد الدوسري من السعودية، بان الحلي من العراق، عثمان جمعة أبكر من السودان، محمد الكوعي من فلسطين، شاهي الدايخ من الإمارات، حسين كسروان، رولى الدلة، علي شمس الدين، كلود سابا، ماري يمّين، منى عزّ الدين، علي زين الدين، منى الأسمر، أحلام بيضون، فريدا بيداوي، فاتن برغوث، راغدة الأمين، وريما حلواني من لبنان.
كما شارك عدد من الفنانين من ذوي الجنسيات المزدوجة والإقامات المتعددة، نذكر رفا التوم (لبنان – كندا)، خديجة الحرش (سوريا – بريطانيا)، دينا شرارة وصفاء بزي الصغير (لبنان – أميركا)، ليلى القانصو، لميا اللبّان ومنى خاطر (لبنان – كندا)، بلاندين وجورج روحانا (لبنان – فرنسا)، رنده صعب، ميراي وهبي ومريم غبريل (لبنان – بريطانيا)، ونزار الحطاب (سوريا – هولندا).
ويُثري المعرض مشاركة فنانين عالميين تستلهم أعمالهم الروح العربية، مثل محسن كيني (بريطانيا – إيران) وسوفينا خانوم (بريطانيا – بنغلاديش). وقد سجّل المعرض اقتناء أكثر من نصف الأعمال المعروضة؛ فقد كان فرصة تعريف بالتجارب والأساليب جاءت بعد اهتمام واضح وجلي، وهو مؤشر قوي على الثقة والعرض والتواصل بين الفنانين والمقتنين، مثل أعمال الفنان خالد الجناحي التي اقتناها ثلاثة مقتنين، وأعمال فاطمة النعيمي التي اقتُنيت بالكامل، كما حظي الكثير من الفنانين بفرص عرض في غاليريهات بريطانية بربط الصلة معها للعرض والمشاركات.
التسويق والبعد الثقافي
يقول فرحات فرحات عن المعرض والأنشطة “نأمل في توسيع دائرة المشاركة لتشمل عدداً أكبر من الفنانين من مختلف الدول العربية، ولاسيما من دول شمال أفريقيا ومصر، كما نأمل في الحصول على دعم رسمي أكبر وأشمل لمثل هذه الفعاليات التي تقوم على جمع الفنانين التشكيليين العرب في معرض واحد للفن العربي، وتسعى إلى تسويق أعمالهم وفتح آفاق أوسع للتعريف بهم وربطهم بالجمهور الواسع من محبي الفنون والمقتنين”.
ويضيف “المعرض يُعتبر جسرا ثقافيا لإيصال الفنون العربية إلى الجمهور في بريطانيا وفي أوروبا ككل، الأمر الذي يعزز الحوار الثقافي والتبادل الفني بين العالم العربي والغربي. كما نأمل أن يحظى معرض الفن العربي (ARAB ART FAIR) باهتمام الإعلام والنقاد، حيث إن الفنانين المشاركين، سواء كانوا مستقلين أو ممثلين من خلال غاليريات فنية، يتطلعون إلى تسليط الضوء على أعمالهم وأن تحظى بالمتابعة والقراءة والنقد”.
ويتابع “نحن نسعى دوماً ومنذ الدورة الأولى إلى تحقيق قيمة مضافة للمشاركين والزوار، حيث لم يقتصر المعرض على الجانب التسويقي فحسب، بل امتد ليشمل بُعدا ثقافيا ومعرفيا من خلال تنظيم ندوات وبرامج حوارية متخصصة. وفي هذا الإطار، نولي أهمية كبيرة للتعاون مع المؤسسات الثقافية والإعلامية في البلدان العربية لتحقيق هذه الغاية وتعزيز حضور الفن العربي على المستويين الإقليمي والدولي”.
وتجدر الإشارة إلى أن المعرض حمل الكثير من العمق على مستوى التجارب المشاركة، وأيضا النقاشات المطروحة التي تمثّلت في حلقة نقاش بعنوان “تمكين الفنانين العرب من التواصل مع المشهد الفني العالمي”.
المصدر: العرب اللندنية