أحداث ثقافية أخرى
مهرجان «البستان» يرفع كأس العائلة والأصدقاء
بشير صفير
الثلاثاء 24 شباط 2026

بعكس الطبيعة، حلّ الصقيع فأزهر «البستان». بعض الناس يفضّلون فصل الشتاء على باقي الفصول، لا لأنهم يحبّون البرد، بل لأنهم يعشقون الدفء.
 
للدفء أشكال، ليس أقلّها وهجاً وحناناً ذاك الذي تولّده في النفس الموسيقى. هذه حقيقة حسّية لا وجدانية، وفيها تكمن إحدى أبرز حسنات «مهرجان البستان» الذي «يَنبُت» وحيداً في فصل البرد والمطر. فعلاً، الإنسان في الشتاء غير الإنسان في الصيف، وكذلك الموسيقى.
 
في الصيف هي للترفيه والتسلية غالباً، أما في الشتاء فللتأمّل بالوجود، بالطبيعة، بالبعيد والكبير، بالحياة ومعناها، بـ«الحقيقة» المستحيلة، بالحزن الخام والسعادة العميقة. إن لم يكن الأمر كذلك، فلن يتعدّى حضورُ أمسيةٍ كَونَه أكسسواراً برجوازياً، قبله «ماتش غولف» وبعده «ماتش سوشي».
 
دورة «البستان» الحالية تبدو أكثر دفئاً هذه السنة، بدءاً من عنوانها الحميم: «العائلة والأصدقاء». وحول هذا العنوان تتمحور معظم الأمسيات. عندما اطّلعنا على البرنامج، سجّلنا جانباً مجموعة من الملاحظات السلبية، ما لبِثَت أن تهاوت عندما تذكّرنا مقالاً صدر في أيار (مايو) الماضي في هذه الصفحات تناول مهرجاناً في قرية بكرزاي (الشوف)، تحت عنوان «برنامج من العيار الثقيل!». الاحترام والدعم لكل الجهود التي تهتم بالموسيقى، وخصوصاً في القرى، أمرٌ ثابت لا خلاف حوله.
 
لكن، إذا استثنينا أمسية سمية ولبنان بعلبكي والتحية إلى زكي ناصيف المحترمتَين، يبقى من البرنامج ذي العيار الثقيل: عزيز مرقة وأنطوني من فرقة «أدونيس» (التي لم نصِف يوماً أعضاءها بالمهرّجين كما ادّعَت) وجون أشقر (العبقرية الساخرة وخفّة الدم الساحرة بلغتا الذروة مرّة واحدة في التاريخ: معه).
 
يا سلام! بدل مجموعة الملاحظات السلبية التي كنّا بصدد سردها هنا، اليوم، لجأنا إلى القاموس فلم نجد ما يصف بعدلٍ برنامج «البستان»، إذ اعتمدنا الموضوعية في التقييم، إنّما نسبةً لبكرزاي، طبعاً. ماذا نقول في هذه الحالة؟
 
ما عيار برنامج «البستان»؟ جدّياً، بحثنا ولم نجد، فقررنا إسقاط الملاحظات. رغم ذلك، تمسّكنا باثنتَين، واحدة عامّة ومتكررة، وصرفنا النظر عنها لسنوات، وأخرى لها علاقة بتركيب البرنامج، وتحديداً بما خصّ موضوع الدورة الحالية. الملاحظة الأولى تطال التكرار، ولا نقصد في هذه الدورة فحسب، إنما في العموم. بمعنى أن التكرار بات أيضاً يتكرر. مثلاً، هناك عشرة أسماء على الأقل في الدورة الحالية سبق أن دُعِيَت إلى «البستان» أقلّه مرّة واحدة، ثلاثة منها تشارك للمرة السادسة في السنوات العشر الأخيرة! التكرار أمر طبيعي في المهرجانات (تحديداً هذا النوع)، لكن له حدوده ووتيرته.
 
على المهرجان أن يتحدّى نفسه بأن يدعو، في دورة مقبلة، أسماء لم يزُر أي منها لبنان من قبل، وتتمتع بمستوى رونو كابوسون وفيكتور جوليان-لافريير وماريو بييتروداركي. الملاحظة الثانية هي غياب أمسيات لا يجوز أن تغيب عن دورة تحمل هذا العنوان. أولاً، كان يجب تخصيص أمسية لأكبر عائلة موسيقية في التاريخ والعالم: باخ. ونقصد باخ (يوهان سيباستيان) وأقاربه وأولاده، وهم بالعشرات وجميعهم امتهنوا الموسيقى (بما في ذلك التأليف غالباً) ولديهم أعمال منشورة ومتداولةً عزفاً وتسجيلاً حتى اليوم.
 
للمرة الأولى في تاريخه يحجز الافتتاح والختام لفنانين محلّيين
 
باخ (أي «ما غيره») حاضر في الدورة، لكن ليس في إطار عائلي، وهذه ثغرة تنظيمية. ثانياً، ثاني أهم أمسية كان يجب أن تُدرَج في البرنامج هي التي تجمع ضفّتَي عنوان الدورة، أي العائلة والصداقة، ونقصد الثلاثي صاحب القصص الرومنطيقية الصاخبة في تاريخ الموسيقى: المؤلف الكبير روبرت شومان، زوجته أيضاً المؤلفة كلارا، وصديقهما وعشيق الأخيرة، المؤلف أيضاً الكبير يوهانس برامز. برامز حاضر في الدورة، لكن ليس في إطار الثلاثي الشهير.
 
التركيز لناحية العنوان طال بشكل أساسي الموسيقيين، وهنا أيضاً كان يمكن إدراج أسماء أخرى أو إضافية، على رأسها أكبر عائلة موسيقية (كلاسيكية) محترفة في العالم اليوم، آل كانِّه—مايسِن (سبعة أشقاء!)، التي تضم على الأقل ثلاثة نجوم كان بالإمكان جمعهم في أمسية. أو عائلة مَرسالِس لو كنّا في إطار أقرب إلى موسيقى الجاز من الكلاسيك.
 
من جهة ثانية، لم يكن البستان يوماً بعيداً من الموسيقى العربية أو اللبنانية (غادة شبير، أميمة الخليل، سمية بعلبكي، محمد نجم…) لكنه يبدو أكثر اهتماماً بهذا الجانب، في السنوات الأخيرة، وأكثر بعد هذه السنة، إذ للمرّة الأولى في تاريخه يحجز الافتتاح والختام لفنانين محلّيين ومن خارج الكلاسيك الغربي. الافتتاح لبناني وعائلي في آن، إذ يجمع، من جهة، الفنان مارسيل خليفة وأفراداً من عائلته هم رامي (ابنه، عازف بيانو) وساري (ابن أخيه، عازف تشيلّو)، ومن جهة ثانية، الفنان شربل روحانا، الذي سبق أن شارك في «البستان» قبل ثلاثة عقود، ونجله نديم (أكورديون) اللذان يحلاّن كنجمَي شرف في الأمسية (الليلة وغداً).
 
أما الختام فمع الفنانة جاهدة وهبي التي تحيي أمسية بعنوان «أهل القصيد» (22/3) وفيها تؤدي، كما جاء في تعريف الحفلة، أعمالها المستوحاة من قصائد جبران خليل جبران ومحمود درويش وطلال حيدر، يرافقها أندريه الحاج في قيادة الأوركسترا.
 
بين الافتتاح والختام أمسيات يصعب الاختيار بينها، أولاً لجودتها وثانياً لشدّة تنوّعها («البطن بستان» أو العكس!)… من الشقيقتَين تشوي (27/2) وأمسية بوتشيني مع برين ترفل ورفاقه (01/03) إلى أمسيتَي رونو كوبوسون وزملائه وبرنامجيهما المختلفَين المذهلَين (2 و3/3)، ومن آل أيّوب (7/3) و«ثلاثي هرمس» (9/3) وسيمون تربتشيسكي ورفاقه (10/3) إلى الأخوة مورو (12/3) وثنائي البيانو، لوكاس غِنيوشَس وزوجته آنّا (15/3)، ثم من فيكتور الذي يصطحب معه شقيقته أليس جوليان-لافريير في ثنائي تشيلّو وكمان (16/3) وأمسية التانغو مع غلوريا وأليساندرو وماريو وصديقيهم الراقصَين (17/3) وصولاً إلى أمسية الجاز مع جوليان جوزيف الذي يعود هذه المرة مع شقيقه جايمس (20/3)… والمطلوب اختيار ستة مواعيد لأسفل الصفحة! لجأنا، صراحةً، إلى القرعة (باستثناء الافتتاح)، على أن نتناول تباعاً وبإسهاب تعويضيّ الأمسيات التي لم «يحالفها الحظ» في سحب اليوم.
 
الافتتاح: مارسيل خليفة وشربل روحانا (الليلة)
 
يفتتح الفنان مارسيل خليفة «مهرجان البستان» الليلة في أمسية تجمعه بنجله رامي (بيانو) وابن أخيه ساري (تشيلّو) تماهياً مع عنوان الدورة الحالية. كذلك، يحل صديقه القديم وابن مدينته عمشيت، شربل روحانا (عود) ضيفاً على السهرة برفقة نجله نديم (أكورديون)، في برنامج يجمع بين الموسيقى الآلاتية والأغاني القديمة والجديدة من ريبرتوار يعرف بعضه الجمهور جيداً. مع الإشارة إلى أن الليلة الثانية من «البستان» محجوزة أيضاً باسم خليفة وضيوفه.
 
عائلة، أوتار و«بوب» مع آل أيّوب (7/3)
 
إنها الأمسية الأولى التي وقع عليها خيارنا في القرعة. هي من الأمسيات التي «أنقذتها» هذه اللعبة، لأنها ليست من النوع التي كنّا سنختاره بإرادتنا للإضاءة عليه. الأمسية تتمحور حول ساره (تشيلّو) ولورا أيّوب (كمان) ترافقهما فرقة وتريات بقيادة جيانلوقا مارتشيانو، في برنامج هجين، يجمع بين الشعبي اللبناني والمصري والسكوتلندي والكلاسيك بحسب التعريف. أمسية خفيفة لمحبّي النوع.
 
الإخوة مورو (12/3)
 
إدغار مورو هو عازف تشيلّو فرنسي شاب ومرموق. سبق أن زار «البستان» (2016)، لكنه هذه المرّة، وتماشياً مع عنوان الدورة، يصطحب معه شقيقيه جيريمي (بيانو) ودافيد (كمان) لأداء ثلاثيَّين من أجمل المقطوعات التي تجمع هذه التركيبة، أي العملَين الوحيدَين من فئة ثلاثي البيانو والكمان والتشيلّو للنمساوي شوبرت، علماً أن الرقم 2 يحوي الحركة التي تُعد من أشهر الألحان التي كتبها المؤلف الكبير وانتشرت على نطاق واسع شعبياً… حتى لدى المصارف اللبنانية!
 
ثنائي غِنيوشاس (15/3)
 
لوكاس غِنيوشَس هو من أبرز الشخصيات المدعوة إلى المهرجان في فئة عازفي البيانو. له إنجازات في المسابقات (حل ثانياً في مسابقة شوبان عام 2010 كما في مسابقة تشايكوفسكي عام 2015) كما في التسجيل. العازف الروسي الليتواني يأتي برفقة زوجته الروسية آنّا (الحائزة أيضاً المرتبة الثانية في مسابقة فان كلايبرن المرموقة عام 2022) التي سجّل معها أخيراً ديسكاً ممتازاً في فئة ثنائي البيانو. في الأمسية يعزف الزوجان الفانتازيا الشهيرة لشوبرت وإعداد للرقصات السمفونية لرخمانينوف وغيرها من الأعمال.
 
جوليان ـــ لافريير، فيكتور وأليس (16/3)
 
إذا كان ثنائي البيانو أمرٌ رائج في الموسيقى الكلاسيكية، فإن التشيلّو والكمان ليسا من الآلات التي كُتِب الكثير لهما وحدهما في الريبرتوار عموماً. لكن الموسيقي الفرنسي المرموق فيكتور جوليان-لافريير (تشيلّو) سيؤدّي إلى جانب شقيقته أليس (كمان) مجموعة من أعمال للهاربسيكورد بالأصل، تمّ إعدادها لهذه التركيبة. على البرنامج مقطوعات لرمزَي حقبة الباروك، باخ (مقتطفات من المتتاليات الإنكليزية والفرنسية) وهاندل (المتتالية رقم 7).
 
جوليان وجايمس جوزيف ــ أمسية جاز (20/3)
 
يحرص «البستان» على أمسية جاز ضمن دوراته التي تطغى عليها الموسيقى الكلاسيكية بطبيعة الحال. غالباً ما لا تكون البرمجة موفقة جداً من هذه الناحية، لكن عازف البيانو الإنكليزي جوليان جوزيف قدّم قبل سنتَين مساهمة جيدة في المهرجان، ويعود اليوم برفقة شقيقه جايمس (إيقاعات) وينضم إليهما اللبناني الأرمني ختشاتور سافزيان (كونترباص). يؤدي الثلاثي باقة من كلاسيكيات الريبرتوار، لكن تفاصيل البرنامج بقيت مجهولة.
 
المصدر: الأخبار