أحداث ثقافية أخرى
"حاضرنا في المستقبل البعيد”.. هكذا يتخيل الذكاء الاصطناعي الإنسان في الماضي والمستقبل
العرب اللندنية
الأربعاء 18 شباط 2026

يعرض غاليري ساتشي للفنون بلندن، معرضا بعنوان The Long Now، "حاضرنا في المستقبل البعيد"، الذي يستمد اسمه من مفهوم تعزيز التفكير طويل الأمد وتحدي "ثقافة الاستهلاك والهدر". تظهر الأعمال الحديثة بجانب قطع تاريخية لا تزال مؤثرة وذات صلة، مواصلةً بذلك تقليد الغاليري في عرض فن الحاضر مع منح الفنانين المساحة لتحقيق أفكار طموحة.
 
يفتتح المعرض أعمالا تستكشف "العملية الإبداعية" و"صناعة الأثر" – وهي إيماءة إنسانية جوهرية أعاد صياغتها كل من أليس أندرسون، رانفا كونوي، وكارولينا مازولاري. وتستمر روح التجريب هذه عبر أعمال تيم نوبل، أندريه بوتزر، دان كولين، جيك تشابمان، وبولي مورغان، الذين يتجاوزون حدود الموضوع والأسلوب والحجم.
 
وفي المنتصف، يبرز العمل الضخم للفنانة جيني سافيل؛ والذي يجمع بين القوة والجمال، مجسداً طموحها في أن تكون "رسامة للحياة المعاصرة والأجساد الحديثة". يمثل هذا العمل مرساة لطاقة المعرض، داعياً للقاء قوي وحميم مع الجسد البشري.
 
أما الرسم، الذي يعد ركيزة ثابتة في برامج "غاليري ساتشي"، فيمثله كل من أليكس كاتز، مايكل رايديكر، أنسيل كروت، مارتين بوبي، وجو دينيس، إلى جانب أصوات جديدة وصاعدة تواصل توسيع إمكانات هذا الوسيط الفني.
 
تنتقل التجهيزات الفنية الغامرة بالتركيز من المشاهدة إلى المشاركة؛ حيث يشجع عمل آلان كابرو، بترتيبه الفوضوي للإطارات، على الحركة واللعب، بينما يحول عمل كونراد شوكروس المعلق  سيارة كلاسيكية إلى منحوتة حركية، مما يحفز التفكير في التحول، والقدرة على التأثير، ودور المشاهد.
 
كما يثير المعرض تساؤلات حول التكنولوجيا والمستقبل، حيث يعكس تشينو مويا، ومات كولشو، وتوم هنتر قضايا المراقبة، والأتمتة، والذكاء الاصطناعي – متأملين في كيفية تغلغل العالم الرقمي في الحياة المعاصرة.
 
تتسلل ثيمات الهشاشة والتغير المناخي عبر أرجاء المعرض؛ إذ يوحي عمل غافين تورك المكسور  بالانحلال الثقافي والتوازن الدقيق بين الديمومة والانهيار، بينما يستخدم أولافور إلياسون، وكريس ليفين، وفرانكي بويل الضوء لخلق لحظات من التأمل. ويستكشف كل من إدوارد بورتينسكي، وستيفن بارينو، وبيتر بوغنهوت، وإبراهيم ماهاما، وخيمينا غاريدو ليكا، وكريستوفر لو برون المخاوف البيئية، معالجين قضايا الاستخراج، والنفايات، والتجديد.
 
ومن أبرز الفنانين المشاركين في هذا المعرض، يأتي تشينو مويا، الذي يعرض ديمونا وهو اسم لعالم جديد، يصوره لنا الذكاء الاصطناعي بعد فناء البشرية، حيث أنها فكرة تقدم للجمهور من خلال عرض شاشات سينمائيًة متسلسلة على الحائط، تسلط الضوء على حضارة البشر سابقا، من خلال تخيل أشكالهم على اختلاف أجناسهم، عن طريق أنظمة الذكاء الاصطناعي.
 
وتدعونا أعماله للتفكير في حاضرنا في مقياس الزمن البعيد، حيث يقدم مويا رؤية جريئة لعالم يتصوره الذكاء الاصطناعي عن الإنسان، كيف كان شكل البشر على هذه الأرض على مدى مئات الآلاف من السنين، هذا العمل يطرح موضوع كيف نظّم البشر مجتمعاتهم حول هياكل قمعية، سيطرت عليها غرائزهم والتي ابتعدت عن مبادئ حقوق الإنسان، الشغف بالسيطرة والتملك أدى في النهاية إلى فناء البشرية.
 
في خضم تلك الأنقاض، جمعت شبكة من كيانات الذكاء الاصطناعي كل الشظايا المتاحة من بيانات معلومات، شيفرات جينية، سجلات، صور إرث ثقافي، ونصوص روحية "الأديان" ثم أعادت تشكيلها، وابتكرت حضارة جديدة متناغمة عن الإنسان، أطلق عليها اسم ديمونا: عالم جديد من البشر متخيل من قبل الذكاء الاصطناعي حيث غابت عنه الأمراض والمعاناة. يقطن هذا المجتمع عالماً يتجاوز العالم الافتراضي والطبيعي. يمزج إرث الثقافات والأديان مع الجاذبية الجمالية للوظيفية في الرأسمالية المتأخرة.
 
في ديمونا، يخلق الفنان عالما متناغما ما بين الإنسان والآلة أو كما يسميه الفنان "روحانية خوارزمية"، ويتحوّل العمل إلى تجريد بحت، حيث يصور المواطنون في هذا العالم ، يقومون بحركات إيمائية طقسية مكررة في أماكن عملهم — حركة تلو الأخرى تستدعي فكرة العمل بحد ذاتها، الغرض الظاهر منها ، هو إنتاج مجتمع متكامل منظم أخلاقيًا ويعمل لكن لا يبدو أنه يخدم ضرورة مادية.
 
استلزم إنتاج هذا العمل السينمائي متعدد الشاشات طاقمًا كبيرًا — أكثر من ثلاثين شخصًا — شمل ممثلين، فرق كاميرا وإضاءة، مصممي أزياء وديكورات ، مصففي شعر، فناني مكياج، مؤلفًا موسيقيًا، حيث دمج العمل ما بين الحرفة السينمائية والخيال .
 
ثمة رسالة أساسية في ديمونا، فهي خليط من التحذير والدعوة للتفكر النقدي. يحث العمل على إعادة التفكير بعلاقتنا بالتكنولوجيا، وخصوصًا الذكاء الاصطناعي: كيف يمكن لأنظمةٍ آلية أن تصبح أدوات سيطرة تمحو أو تحوّر ما نعتبره إنسانيًا، هل سيتصرف بناءا على ما نغذيه من معلومات ، ام سيصبح اكثر ذكاءً ليتفوق على البشر .
 
علاوة على ذلك، يثير ديمونا تساؤلات حول الذاكرة الثقافية والهوية: كيف قد تعيد البيانات والشيفرات تشكيل التاريخ والدين بصيغ جديدة مولدة اصطناعيا ، حيث يتساءل فيه ، عما إذا كان الوعي المولَّدً خوارزميًا يمكن تسميته وعيًا بالمعنى الحقيقي، ومن سيكون مسؤولًا أخلاقيًا عن أفعاله.