سينما الطفولة في مواجهة الواقع.. سوسة تفتح نافذة على أسئلة الأجيال الجديدة
العرب اللندنية
الثلاثاء 7 نيسان 2026
يعود المهرجان الدولي لفيلم الطفولة والشباب بسوسة في دورته الخامسة عشرة ليؤكد مكانته كأحد أبرز الفضاءات الثقافية المعنية بسينما الطفولة والشباب، لا بوصفها مجرد مادة للفرجة، بل باعتبارها مرآة لأسئلة عميقة تتصل بالواقع الاجتماعي والتحولات الثقافية التي تعيشها الأجيال الجديدة.
وانطلقت فعاليات هذه الدورة مساء الإثنين السادس من أبريل لتتواصل إلى غاية الحادي عشر من الشهر نفسه، وسط برمجة متنوعة تجمع بين المتعة الفنية والرهان الفكري.
وقد اختار المنظمون افتتاح التظاهرة بعرض فيلم "ناوي" (Nawi)، وهو إنتاج كيني-ألماني مشترك، من إخراج توبي شموتزلر وكيفن شموتزلر وأبو مورين وفالنتين تشيلوغت، وذلك بالمسرح البلدي بسوسة.
ولا يبدو هذا الاختيار اعتباطيًا، إذ يعكس توجّهًا واضحًا نحو سينما تلامس الواقع وتواجهه. فمن خلال قصة فتاة مراهقة تُجبر على الزواج المبكر، يضع الفيلم المتلقي أمام معضلة إنسانية تتجاوز الجغرافيا، ويطرح سؤالًا جوهريًا حول حق الفتاة في تقرير مصيرها. هنا، لا يتحول الهروب إلى مجرد حدث درامي، بل إلى موقف وجودي في مواجهة سلطة المجتمع والتقاليد.
ويمتد هذا الانشغال بالقضايا الحساسة إلى مجمل برمجة المهرجان، حيث تتجاور الأفلام الروائية والوثائقية لتشكّل فسيفساء من التجارب التي تعكس هموم الطفولة والشباب في عالم متغير. ويبرز التعليم، في عدد من هذه الأعمال، بوصفه رافعة للتحرر، في مقابل واقع تتنامى فيه التحديات الاجتماعية والاقتصادية.
في هذا السياق، تسجّل السينما التونسية حضورًا لافتًا، سواء في المسابقات الرسمية أو ضمن أفلام الشباب، وهو حضور يعكس حيوية المشهد السينمائي المحلي وقدرته على الانخراط في الأسئلة الكونية ذاتها.
ولا يكتفي المهرجان بعرض الأفلام، بل يقدّم بانوراما إنسانية تتقاطع فيها تجارب من مختلف أنحاء العالم، حيث تتحول الشاشة إلى مساحة للتفكير في قضايا الحرية والتعليم والهوية والانتماء.
ويواكب الجمهور خلال هذه الدورة ما لا يقل عن 55 فيلمًا بين أعمال روائية ووثائقية طويلة وقصيرة، إلى جانب أفلام موجهة للأطفال وأخرى من إنتاج هواة ومستقلين وطلبة معاهد سينمائية. وتحتضن العروض عدة فضاءات ثقافية، من بينها المعهد الفرنسي بسوسة، و"سينما تدور" بـ"المركز الثقافي والرياضي يحيى عمر"، إضافة إلى دار الثقافة حمام سوسة ودار الثقافة سيدي بوعلي، في توزيع يكرّس حضور المهرجان داخل النسيج الثقافي للمدينة.
وتتضمن الدورة أربع مسابقات رسمية تشمل الأفلام الروائية الطويلة، والأفلام الوثائقية الطويلة، والأفلام القصيرة، إلى جانب مسابقة أفلام الشباب (هواة ومستقلين وطلبة).
وتشارك تونس في مسابقة الروائي الطويل بفيلم "نوار عشية" للمخرجة خديجة المكشر، إلى جانب أعمال من مصر والعراق والأردن ودول أخرى.
أما في مسابقة الأفلام الوثائقية، فتمثل تونس بفيلم "زريعتنا" للمخرج أنيس الأسود، في منافسة مع أعمال من فلسطين والمغرب والجزائر والكونغو الديمقراطية وفرنسا. كما تضمّ مسابقة أفلام الشباب 12 عملًا من عدة دول عربية وأفريقية، من بينها ثلاثة أفلام تونسية.
وفي المحصلة، لا يبدو هذا المهرجان مجرد موعد سينمائي عابر، بل مساحة حقيقية لإعادة التفكير في صورة الطفولة والشباب، وفي قدرة السينما على مساءلة الواقع وفتح أفق أكثر إنسانية وعدلًا.