أحداث ثقافية أخرى
الفن بعد الحروب: محاولة لفهم عالم تغيَّر
ريتا عازار
الثلاثاء 24 آذار 2026

يصعب النظر إلى فن القرن العشرين بوصفه مجرّد تطوُّر في الأساليب أو الأذواق، فخلْفَ الألوان والخطوط والقصائد تقف تجربة قاسية أعادت تشكيل نظرة الإنسان إلى نفسه والعالم. لم تكن الحروب الكبرى مجرّد أحداثٍ سياسية، بل زلازل إنسانية امتدّ أثرها إلى أعمق مناطق الإحساس، ومعها تغيّر الفن، لا كخيار جماليّ بل كاستجابة ضرورية لِما لم يعد يمكن تجاهله. حين تدخل الحرب حياة الفنان، لا تترك له مساحة للبراءة القديمة، والعالم الذي كان قابلًا للفهم والتنظيم يصبح مشوّشًا ومكسورًا. تفقدُ الصُّور المألوفة معناها، واللغة نفسها تبدو أحيانًا عاجزة. في هذا السياق، لا يبقى الفن بحثًا عن الجمال بقدر ما يصير محاولة للفهم، أو حتى وسيلة للبقاء. ولا يعود السؤال كيف نرسم، بل لماذا نرسم أصلًا وماذا يمكن أن يُقال بعد كلّ هذا الخراب.
 
كانت الحرب العالمية الأولى لحظة حاسمة. في بدايتها، انجذب بعض الفنانين إلى خطاب الحماسة، مثل كثيرين من أبناء جيلهم. كان هناك إحساسٌ غامض بأن الحرب قد تكون اختبارًا أو بداية جديدة. لكن هذا الوهم انهار سريعًا أمام واقع الخنادق، الطين، البرد، الانتظار الطويل، والانفجارات التي لا تنتهي. لم يعد هناك مجال للأفكار المجرّدة عندما أصبح الجسد نفسه مهدَّدًا في كل لحظة. عاد كثيرون من الجبهة وهم يحملون صدمة لم تكن لها لغة جاهزة.
 
شهادة الرسم
 
تعلّم الفنان الألماني Otto Dix الذي وُلد عام 1891، الرسم في وقت كان فيه الفن التعبيري ينتشر في ألمانيا. عندما بدأت الحرب، تطوَّعَ للقتال مثل كثيرين من شباب جيله الذين ظنوا أنهم يشاركون في لحظة مصيرية لبلادهم. لم يبحث عن رمزية مُعقدة ولا عن بطولات زائفة. كان يسجّل ما يراه بعين مفتوحة على القسوة: وجوه مرهقة، أجساد مشوهة، أرض تحوّلت إلى مساحة للموت. لم تكن دقته مجرّد مهارة تقنية، بل موقفًا أخلاقيًا. كأنه يرفض أن يسمح للنسيان بأن يُجمِّل ما حدث. في أعماله، يُواجه المُشاهد الحقيقة دون وسيط، وهذا ما يجعل النظر إليها تجربة غير مريحة، لكنها ضرورية. هذا الإصرار على المواجهة يضع المتلقي في موقع الشاهد، لا المتفرّج.
 
لغة جديدة
 
على نحو مختلف، حاول الشاعر الفرنسيّ Guillaume Apollinaire إيجاد لغة تحتمل هذا العالم المتغيِّر. قبل الحرب كان أبولينير معروفًا في الأوساط الفنية في باريس، وكان صديقًا لعدد من الرسّامين التكعيبيّين، وكتب نقدًا فنيًا، وجرّب أشكالًا جديدة في الشعر. وعندما بدأت الحرب قرر الانضمام إلى الجيش الفرنسي، وكان لهذا القرار معنى خاصًا بالنسبة إليه، لأنه وُلد خارج فرنسا وكان يشعر بالحاجة إلى إثبات انتمائه إليها. بعد إصابته في الجبهة، كتب قصائد توزعت كلماتها على الصفحة في أشكال غير مألوفة عُرفت بالـ "كاليغرام". قد تبدو هذه القصائد خفيفة للوهلة الأولى، لكنها في العمق تعكس تفكُّك التجربة نفسها. العالم لم يعد خطيًّا، بل متشظيًا وسريعًا مثل الطائرات والانفجارات. ومع ذلك، بقي في شعره خيطٌ رفيع من الرقة، كأنه يصرّ على الاحتفاظ بإنسانيّته وسط الفوضى، وكأن الشكل الجديد للشعر لم يكن زينة بصريّة بل محاولة لإيجاد نظام داخل الفوضى.
 
الخيال كذاكرة
 
أحيانًا يظهر أثرُ الحرب في أماكن غير متوقعة. فالكاتب البريطاني J.R.R. Tolkien قبل أن يصبح مؤلِّف "سيّد الخواتم"، خدم كضابط في "معركة السوم" عام 1916. لم يكتب عن الخنادق بشكل مباشر، لكنه حملها معه إلى عالمه الخياليّ. في قصصه أراضٍ مدمَّرة، رحلات شاقة، وصداقة تتشكل تحت ضغط الخطر. الشرّ ليس مجرّد قوة خارجية، إنه تهديد مستمر يمكن أن يفسد كل شيء. هكذا تتحوّل تجربة الحرب إلى تأمُّل طويل في الشجاعة والخسارة وحدود القوة. حتى فكرة الحلقة التي تفسد من يحملها يمكن قراءتها كصدى لفكرة السلطة حين تنفلت من الضوابط.
 
الأرض الجريحة
 
بالنسبة للرسّام البريطاني Paul Nash، قبل الحرب كان يرسم مناظر هادئة من الريف، لكن كلّ شيء تغيّر عندما وصل إلى الجبهة. ففي عام 1917 أُرسل إلى فلاندر وهناك رأى أرضًا فقدت ملامحها. لم تكن المأساة في الجنود فقط بل في الأرض نفسها، فالطبيعة التي رسمها قبل الحرب بهدوء تحوّلت إلى مشهد غريب ومجروح: أشجار مكسورة، تربة مثقوبة، أفق يبدو بلا حياة. في لوحاته، لا نرى المعركة، بل نتيجتها الصامتة. كأن المكان يحتفظ بذاكرة الألم حتى بعد توقف القتال، هذا التحوُّل يكشف كيف يمكن للحرب أن تُغيّر حتى علاقة المرء بالطبيعة، فتجعلها شاهدًا لا يقلّ ألمًا عن الإنسان.
 
جرح وألم
 
أما الفنان الألماني Ernst Ludwig Kirchner، فقد عبّر عن الحرب كجرح داخلي. في لوحته الشهيرة التي يصوِّر فيها نفسه بِزيّ جندي، تظهر يده مبتورة. هذا البتر لم يكن واقعًا بل خوفًا. خوف من فقدان القدرة على الرسم، أي فقدان الذات. هنا تصبح الحرب تهديدًا للهوية نفسها، لا للجسد فقط. القلق الذي يحمله العمل يتجاوز لحظة الحرب ليطرح سؤالًا أوسع عن معنى أن يبقى الإنسان نفسه تحت الضغط.
 
بعيدًا من الجبهة، كان هناك ألمٌ آخر لا يقلّ قسوة، فالفنانة الألمانية Käthe Kollwitz لم ترسم المعارك، بل رسمت ما تتركه وراءها. فقدان ابنها دفعها إلى تصوير حزن الأمهات بصمت ثقيل، وجوه منحنية، أجساد متقاربة كأنها تبحث عن عزاء لا يأتي. ليس في أعمالها صراخ بل ثقل إنساني يصعب تجاهله. هذا الصمت بالذات يمنح أعمالها قوة مضاعفة، لأنه يترك للمشاهد مساحة ليشعر، بدل أن يُملى عليه ما يشعر به.
 
صوت الشِعر
 
الشِعر البريطاني قدّم أيضًا شهادات قوية عن الحرب، ومن أبرزها قصائد Wilfred Owen الذي قاتل في الخنادق منذ عام 1916، وترك فيه ما رآه أثرًا نفسيًّا عميقًا. في قصائده رفض اللغة البطولية التي كانت شائعة في بداية الحرب، كتبَ عن الجنود المتعبين، وعن الخوف من هجمات الغاز، وعن عبثية بعض المعارك. بالنسبة له كان على الشِعر أن يكشف الحقيقة وأن يُظهر شفقة الحرب لا مجدها. قُتل أوين في تشرين الثاني 1918، قبل أيام قليلة من نهاية الحرب. لذلك تبدو قصائده اليوم كأنها صوت جيل كامل عرف قسوة الحرب في وقت مبكّر جدًا.
 
ذاكرة مستمرة
 
المشترك بين هذه التجارب ليس الأسلوب ولا الموضوع، بل الإحساس بأن الفن لم يعد قادرًا على تجاهل الواقع. ولم يعد ممكنًا الاكتفاء بالجمال كغاية. كان على الفنان أن يقرِّر كيف ينظر إلى ما حدث، وكيف ينقله للآخرين. البعض اختار المواجهة المباشرة، وآخرون لجأوا إلى الرمز أو الخيال، لكن الدافع كان واحدًا: محاولة إعطاء شكل لتجربة تهدِّد بأن تبقى بلا معنى. في النهاية، لا يخرج الفن من الحرب سليمًا، كما لا يخرج الإنسان نفسه. لكنه، رغم ذلك، يستمرّ لا ليجمّل ما حدث، بل ليحفظه من النسيان، وليترك أثرًا يقول إن هذه التجارب، بكل ما فيها من ألم، كانت حقيقية. وربما في هذا الإصرار على التذكُّر، تكمن بداية معنى لا يكتمل، لكنه يظل ضروريًا.
 
 
المصدر: المدن