أحداث ثقافية أخرى
"الجسور الطائرة" رواية تتنبأ بمآلات الحرب في الشرق الأوسط
يوسف إسماعيل
الخميس 5 آذار 2026

يشهد الشرق الأوسط تحولات عميقة وصراعات متجددة جعلت من الأدب مساحةً لقراءة الواقع واستشراف مستقبله. وفي هذا السياق تبرز بعض الأعمال الروائية بوصفها نصوصًا رمزية تستثمر الخيال لتفكيك تعقيدات السياسة والدين والهوية، وتقدم رؤية نقدية لما يجري في المنطقة.
 
رواية “الجسور الطائرة” للروائي دلشاد كاواني عمل أدبي نُشر عام 2023 من قِبل دار باندا للنشر، مؤسسة فيم. يمكننا القول إنها ليست مجرد رواية عادية، بل سلسلة من الأحداث مُعادة صياغتها في نص أدبي يحمل في طياته أيديولوجيا.
 
من خلال حياة شخصيات مثل بهادر، وسبهال أزيل، وأبوب، تتنبأ الرواية بمستقبل مضطرب وحرب في المنطقة، حيث يتمزق الناس بين وطأة القمع السياسي والتطرف الديني.
 
الحرب والصراعات
من أخطر تنبؤات الرواية للوضع في المنطقة استخدام الدين و”الرسالة المقدسة” لتبرير العنف. يحتوي “كتاب كينات”، الذي يظهر في الرواية على هيئة دستور جديد، على ألواح رئيسية تتنبأ بطبيعة الحرب: أولا اللوح الأزرق الذي يتحدث عن وحدة اللغة (السبرانتو) والدين والأمة، لكن هذه الوحدة لا يمكن تحقيقها إلا بمحو الاختلافات و”تجاوز حدود البلاد”.
 
"الجسور الطائرة" تعكس الوضع الراهن في الشرق الأوسط، حيث فُقد "جسر التسامح" وتتمزق المنطقة بين السلاح والأيديولوجيا
 
ثانيا اللوح الأحمر: يتنبأ هذا القسم صراحةً بالحرب، قائلاً إنه يجب أن تكون هناك “قوة… مُسلحة بالأسلحة والمؤامرات والعنف والترهيب” لقمع كل من لا يندرج تحت مظلة الاتحاد. وهذا يعكس الصراعات الأيديولوجية التي حوّلت الشرق الأوسط إلى ساحة معركة لا نهاية لها.
 
عنوان الرواية، “الجسور الطائرة”، إشارة واضحة إلى انهيار الروابط الاجتماعية والمادية أثناء الحرب. تقول الرواية “في يوم انهيار الجسور، ينهار جسر كل دقيقة”. الجسور، التي كان من المفترض أن تكون رمزًا للتواصل والتسامح، تُهدم الآن تحت وطأة الحرب باستخدام الديناميت والقنابل اليدوية والمدافع وقذائف الهاون”. هذا تنبؤ بتدمير البنية التحتية لدول المنطقة وانقطاع التواصل بين مختلف المجتمعات.
 
وتتناول الرواية مناطق مختلفة كمنابر للتعقيد، نجد خوزستان: إذ يُصوَّر اسم محافظة الأهواز الإيرانية ذات الأغلبية الشيعية، والواقعة في شبه الجزيرة العربية، كمكانٍ يعج بالفقر والبؤس وآثار الحرب، حيث يهيمن “الجنود والحراس” وتسود حياةٌ قاسية.
 
ونجد العقبة: مدينةٌ مقسمة بين إسرائيل وفلسطين. تصبح مركزًا لظهور حركة دينية جديدة (حركة الحق)، ثم لمواجهة دموية مع السلطة، بلغت ذروتها بإعدام “لآلئ الروح الثلاث”.
 
هناك أيضا منزل كوشان: ويُصوَّر كحصنٍ منيع ومنتدى لمخططي الحرب، ورمزًا لتنافس القوى الخفية في المنطقة.
 
كما تُقدِّم الرواية تنبؤًا هامًا من خلال شخصية أبوب؛ الرجل الذي يبدأ حياته قاتلًا ومجرم حرب، ثم يصبح “الأمير الذهبي” وقائد حقستان. يُظهر هذا التحوّل كيف أن الحروب في المنطقة لا تجلب السلام فحسب، بل تُنتج أيضًا طغاة جددًا “يُشوِّهون الرجال ويقطعون صدور النساء” لترسيخ سلطتهم.
 
من خلال رموز وأحداث رواية “الجسور الطائرة” يُمكننا استخلاص قراءة سياسية للصراعات الراهنة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة والدول العربية. إذ يمكن ربط رواية “الجسور الطائرة” بالصراعات الراهنة في الشرق الأوسط.
 
في محاور الحرب: خوزستان والعقبة، تُصوّر الرواية خوزستان كساحة للقمع وإرثٍ من الحرب، بينما تُعدّ العقبة، مركز حركة الحق المدنية، بؤرةً للصراع الديني، ورمزًا للمشروع الديني الإبراهيمي، وخريطة إسرائيل الجديدة للشرق الأوسط. واليوم، نرى كيف أصبحت طهران (التي تُمثّل قطب خوزستان في الرواية) والمناطق الفلسطينية والإسرائيلية (التي ترمز إليها مدينة العقبة) القطبين الرئيسيين للصراع. تُبيّن الرواية كيف تقع هذه المناطق ضحيةً لمؤامرات خفية، وهو ما يُشبه تمامًا الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل، حيث تُستخدم الأراضي والأماكن المقدسة كوقودٍ للصراع على السلطة.
 
يُعبّر عنوان الرواية عن الوضع الراهن في الدول العربية وتحالفاتها تعبيرًا عميقًا. تذكر الرواية أنه “في يوم انهيار الجسور، ينهار جسر كل دقيقة” بالديناميت والمدافع. وهذا تنبؤ مباشر بانهيار العلاقات الدبلوماسية بين دول المنطقة. أدت الحرب الحالية إلى انهيار جسور التواصل بين الدول العربية وإيران، وعمليات السلام مع إسرائيل، واحدة تلو الأخرى، ولم يتبقَّ سوى لغة “المدافع وقذائف الهاون”.
 
كما هناك تركيز على دور الولايات المتحدة والقوى الخفية، إذ يُصوَّر سيلون في الرواية على أنه “ملك الصحراء” ومُدبِّر مكائد خفي يتلاعب بمصائر الجميع من بعيد. يمكن اعتبار هذه الشخصية رمزًا لدور الولايات المتحدة والقوى الدولية الكبرى، التي تُخطِّط في الخفاء للحرب الحالية وتستخدم المنطقة كساحة تجارب لإستراتيجياتها، دون أن تُشارك بشكل مباشر في أتونها.
 
وتصف الرواية كتاب القيامة بأنه دستور جديد، وخاصة اللوح الأحمر، الذي يدعو إلى استخدام القوة. يستخدم “ر” الأسلحة و”الترهيب” لفرض الوحدة. وهذا يعكس الأيديولوجيات المتطرفة المستخدمة حاليًا في الحرب بين إيران وإسرائيل والجماعات الوكيلة. الحرب ليست عسكرية فحسب، بل هي، كما تشير الرواية، حرب “رسائل” تُستخدم فيها الديانة كأداة للتدمير.
 
تنتهي الرواية بتكرار التاريخ نفسه، حيث “يجب قتل الجميع”. يعكس هذا يأس شعوب المنطقة (العرب والأكراد والإيرانيين)؛ حرب لا يحقق فيها أي طرف سلامًا حقيقيًا، بل يرحل طاغية ليحل محله آخر، كما في رواية “أبوب” الذي يتحول إلى قاتل وإمبراطور ذهبي.
 
باختصار، تعكس رواية “الجسور الطائرة” الوضع الراهن في الشرق الأوسط، حيث فُقد “جسر التسامح” وتتمزق المنطقة بين السلاح والأيديولوجيا.
 
إشارات إلى الواقع
الرواية تُخبرنا بأن نبوءات الحرب في الشرق الأوسط لا تقتصر على الصراع المسلح، بل تتعداه إلى حرب أعمق
 
يتجلى الربط بين أحداث “الجسور الطائرة” وحرب الصواريخ الدائرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة في عدة نقاط إستراتيجية يصورها الكاتب كتنبؤ أدبي بالدمار الذي سيحل بالمنطقة. فيما يلي روابط النصوص بالأحداث: أولا كثافة الهجمات الصاروخية وانهيار البنية التحتية، ففي الحرب الحالية تُوجّه الصواريخ نحو البنية التحتية بكثافة عالية وما انهيار الجسور إلا دلالة على ذلك. نقرأ من الرواية “في يوم انهيار الجسور، جسر كل دقيقة وستون جسراً كل ساعة ستنهار في المدينة” (قسم: انهيار الجسور).
 
ويرمز هذا “ستون جسرا في الساعة” إلى الهجمات المتواصلة والسريعة التي تُقوّض العلاقات الدبلوماسية والمادية في المنطقة.
 
ثانيا البرق الناري: رمز الصاروخ الباليستي، ففي الحرب بين إيران وإسرائيل تتساقط الصواريخ من السماء كبرق ناري. تظهر هذه الصورة في دستور الحرب في الرواية تحت عنوان “اللوح الأحمر” نقرأ: “يجب أن تكون القوة مُسلّحة بالأسلحة والتحالفات والعنف والترهيب… كالبرق لإشعال ساحات المعارك والمظلات والألواح” (قسم: مُضمّن في اللوح الأحمر). هذا تنبؤ دقيق بالتكنولوجيا العسكرية المُستخدمة لترهيب وتدمير حصون الطرف الآخر.
 
ثالثا جغرافية الصراع (إيران، إسرائيل، الولايات المتحدة )، إذ تُحدد الرواية ثلاث مناطق رئيسية كأقطاب للأحداث التي تُطابق تمامًا المعادلة الحالية: خوزستان (إيران): نقطة انطلاق شخصية أبوب ومنتدى “الجنود والحراس” في إشارة إلى الموقف العسكري الإيراني. عكا (إسرائيل): مركز الصراعات الدينية والسياسية ومواقع الإعدام. سيلون القديمة (الولايات المتحدة): تُلاعب الجميع كدبابة خفية من الصحراء: “سيلون تُسيطر على الصحراء، وتمتلك أقوى قوة صحراوية، ومن هناك تُحيك خططها، وتُرسلها إلى ما وراء الجبال” (المقطع: المذكرة الثالثة).
 
الرابط الرابع بين الرواية والأحداث الجارية هو تطرقها إلى نتيجة الحرب: تدمير الأرواح. يُصوّر الدخان والنيران التي شوهدت في الهجمات الصاروخية في الرواية ككارثة شاملة: “احترقت المدينة بالكامل، وغطت النيران السماء، وسالت الدماء من رؤوس الناس” (المقطع: تمثال الجد المكسور).
 
نتيجة الحرب كما تكشف الرواية هي تدمير الأرواح. ويشير هذا إلى أن الحرب الصاروخية الحالية لا تقتصر على تدمير “الجسور” فحسب، بل، كما توضح الرواية، تحوّل المدينة بأكملها إلى “مصنعٍ مُتهالك” حيث تقع الإنسانية ضحيةً لمخططات سياسية.
 
ويظهر دور الأكراد في رواية “الجسور الطائرة” كموضوع رئيسي ومحرك للأحداث، ضمن إطار رمزي وفلسفي يمتزج فيه مفهوم الهوية الوطنية بالمعاناة الإنسانية والصراعات الدينية. ويمكن تفسير دور الأكراد وفقًا لفصول الرواية على النحو التالي: أولا الأكراد بصفتهم ضحايا ومُستَغَلّين بالإبادة الجماعية (الأنفال والصحراء).
 
رواية تتنبأ بمستقبل من الصراعات
وفي قسم “أكراد الصحراء” يُصوَّر الأكراد كأمة مُهجَّرة، مُستَغَلّة. صورة الرجل وطفليه وهم يحملون “المرأة المقطوعة الرأس” في وسط الصحراء تعبيرٌ مؤلم عن تاريخ الأكراد. وتُشير الرواية صراحةً إلى مأساة الأنفال. حيث يؤدي الأكراد دور “الضحايا العاجزين” الذين تُصبح أجسادهم وقودًا للحرب والمخططات العسكرية.
 
من ناحية أخرى تستخدم الرواية حركة الحقكان (حركة كردية تاريخية واجتماعية) كإطار للنضال الفكري والروحي. في فصول معبد الحقكان وبيت كوشان، يظهر الأكراد كـ”تلاميذ” و”أتباع” يسعون إلى الحقيقة و”كتاب الدين”. يشير هذا إلى دور الأكراد في البحث عن التحرر الروحي والسياسي، لكنهم غالبًا ما يقعون ضحايا للاضطهاد والاعتداء الجسدي بين قطبي السلطة (مثل أبوب وزيمينهوف) واغتصاب الرجال وختان النساء.
 
ونقرأ رمز “الأم المقطوعة الرأس” والحفاظ على الهوية، ففي قسم “إعدام لآلئ الروح الثلاث”، عندما يسرق بهادور رأس أمه المقطوعة ويأخذها معه إلى الصحراء، يرمز ذلك إلى الدور العميق الذي يلعبه الكردي في حماية هويته ووطنه المجروحين. يُصوَّر الأكراد هنا على أنهم “رحّالة منهكون” يحملون حتى رفات موتاهم لأنهم لا يريدون أن يندثروا في غياهب التاريخ القاسي.
 
في نهاية الرواية تُصوَّر كل هذه الأحداث الجسام كقصص خيالية أو حكايات تُروى. وتُخبرنا رواية “الجسور الطائرة” بأن نبوءات الحرب في الشرق الأوسط لا تقتصر على الصراع المسلح، بل تتعداه إلى حرب عميقة على الوعي والدين والقومية.
 
وتشير الرواية إلى أن “جميع الموتى سيعودون إلى الحياة”، ما يعني عودة المشاكل القديمة باستمرار وتكرار تاريخ الحروب في قالب جديد. وأخيرًا، تُصوّر المنطقة كمكان “يجب أن يُقتل فيه الجميع” ما لم تُبنَ جسور التسامح والتفاهم الحقيقي.
 
 
 
المصدر: العرب اللندنية