أحداث ثقافية أخرى
كيف تحوَّلت هاواي إلى بيروت؟... في فيلم "The Wrecking Crew"
الياس دمّر
الأربعاء 4 آذار 2026

مذ ذكَرَ الشريط الدعائي لفيلم "The Wrecking Crew" اسم بيروت، عادت إلى الواجهة أسئلة قديمة بقدر ما هي مُلحّة. لماذا تُستدعى العاصمة اللبنانيّة كُلّما أراد الخيال الغربي أن يُشيّد مسرحًا للفوضى؟ ولماذا تبدو المدينة، بعد أكثر من ثلاثة عقود على انتهاء الحرب الأهليّة، أسيرة صورة واحدة تُيعاد تدويرها بصريًا وسرديًا؟
 
ليست المسألة هنا دفاعًا عاطفيًا عن مدينتنا، بل تفكيك لآلية سينمائيّة راسخة، إذ دخلت بيروت المخيال الغربي في لحظات تاريخيّة مُحدَّدة، زمن الحرب والتفجيرات وخطابات الحرب المُتجدّدة. وبذلك تحوّلت إلى اختصارٍ درامي جاهز، إلى مدينةٍ يُمكن أن تغني عن صفحات من البناء السّردي. يكفي أن يُقال اسمها حتى تتشكّل في ذهن المتفرِّج خلفيّة من التوتر والرّهانات العالية والمؤامرات العابرة للحدود. إنها اختزال بصريّ مؤسف ومحزن جدًّا، يوفر على الكاتب عناء التعقيد. لكن السّينما، بطبيعتها، لا تعيش على الاختزال فقط، بل على إعادة إنتاجه أيضًا. فعندما تحتاج أفلام "الأكشن" إلى فضاءٍ خطرٍ يُبرِّر المطاردات والعمليّات السريّة، يتمّ اللّجوء إلى مدنٍ لها تاريخ صراعيّ، بصرف النظر عن حاضرها، وهنا تكمن الإشكاليّة. تتحوّل الجغرافيا إلى رمز ثابت، بينما الواقع متحرّك ومتبدّل. بيروت التي عرفها العالم في نشرات أخبار الثمانينات ليست بيروت التي يعيشها سكّانها اليوم، بما تحمله من حياة ثقافيّة نابضة، جامعات، فن وموسيقى. هي مجتمع مدنيّ يحاول الصّمود دومًا وسط الأزمات المتكرّرة والمشابهة التي نختبرها حاليًا.
 
غير أن تحميل هوليوود وحدها مسؤوليّة هذه الصورة سيكون تبسيطًا مُريحًا. فالصّورة لم تُحفظ في الأرشيف الغربيّ فقط، بل أُعيد تثبيتها داخليًا عبر وقائع سياسيّة وأمنيّة متلاحقة أبقت مناخ الاضطراب حاضرًا في الحياة العامّة. فبعد انتهاء الحرب، لم تستعد الدولة بسط سلطتها الكاملة، وبقي السّلاح خارج مؤسّساتها عنصرًا فاعلًا في المعادلة الداخليّة والإقليميّة. كما إن تداخل القرار اللّبناني مع مراكز نفوذ خارج حدوده، طوال سنوات طويلة، جعل البلاد تبدو في نظر العالم ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، لا دولة ذات سيادة مُستقرّة!
 
يستلهم الفيلم أجواء أفلام الثمانينات والتسعينات مثل سلسلة "Lethal Weapon" أو "Bad Boys"، حاملًا معها التركيبة المألوفة لصراع شخصيّ يتحوّل إلى كشف مؤامرةٍ أوسع. هذا التوارث السينمائي لا يُخفيه العمل، بل يُضحّي في بعض الأحيان بالعُمق الدرامي لصالح الزخم والإيقاع. لكن ما يُميّز فيلم "The Wrecking Crew" عن مُعظم التكرارات الحديثة لهذا النمط، هو اهتمامه النسبي ببناء تفاصيل إنسانيّة تُبرّر صراع الأخوَين، حتى لو بقيت الخلفيّة الحياتيّة لكلَيهما والحدث الأساسي للقصَّة، سطحيَّين نسبيًا.
 
على مُستوى الأداء، يُقدّم نجما العضلات المفتولة Dave Bautista و Jason Momoa، تجسيدًا مناسبًا لشخصيّتيهما المُتناقضتين: الأوّل مُتمرّد ومُتهوّر، والثاني مُتوازن وأكثر تقيُّدًا بالقواعد، ما يولّد بعضًا من الفكاهة والديناميكيّة بينهما. المَشاهد الحركيّة تُقوّي من تأثير الفيلم كتجربة ترفيهيّة سريعة وممتعة، مع لقطات مطاردة ومواجهات مُصمَّمة باحتراف لافت. مع ذلك، تبرز لدينا ملاحظات نقديّة تحجم عن اعتبار الفيلم، عملَ "أكشن" استثنائيًا. فهو يعتمد على تصعيدات متوقعة وقوالب مُكرَّرة، قد تُظهر الحبكة أحيانًا غير مُترابطة أو مُعرَّضة للتكرار دون إضافةٍ جديدة! يبدو وكأن الفيلم يسعى لينجح في مهمّة واحدة أساسيّة، في تقديم تجربة مُسلِّية مع لمحات من العمق البشري في علاقة الأخوّة.
 
وفي زمن تتزاحم فيه الأخبار الثقيلة، قد لا يضرّ أن نمنح أنفسنا ساعتَين من "أكشن" مُتقن، نراقب خلالهما الانفجارات على الشاشة بدلاًًا من أن نعيش صداها في الواقع... فيلم تجدونه على منصّة "Prime Video".
 
المصدر :نداء الوطن