قطاع الثقافة والفنون في الحرب: ما زلنا هنا
شادي معلوف
الأربعاء 4 آذار 2026
كما مع كلّ أزمة كبرى تعصف بالوطن، يكون قطاع الثقافة والفنون أوّل المتضرّرين، والقطاع نفسه يكون آخر المستفيدين من عودة الهدوء واستقرار أحوال البلد. ومع إدخال "حزب اللّه"، لبنان، مدار الحرب الإقليميّة الدائرة بين الولايات المتحدة الأميركيّة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية، ساد بعض البلبلة في الوسط الثقافي والفني لناحية استمرار أو تعليق بعض الأنشطة التي كان أُعلن عن إقامتها خلال هذا الشهر. لكن مع استمرار تدهور الأوضاع الأمنية، بدأت الجهات المعنيّة في الساعات الماضية باتخاذ القرارات بشأن الفعاليات التي كانت قد حُدِّدت مواعيدها.
مهرجان الكتاب
"الحركة الثقافية - أنطلياس" التي اجتمعت إدارتها عصر أول من أمس الإثنين، اتخذت قرارًا بالاستمرار في "المهرجان اللبناني للكتاب" الذي يقام بين 5 و 15 آذار الجاري، في مقرّ "الحركة" بـ "كنيسة مار الياس" - أنطلياس. ومن المقرّر أن يقام حفل الافتتاح الساعة 5:00 عصر غد الخميس برعاية رئيس الجمهورية جوزاف عون. وأمس زار رئيس "الدائرة الثقافية" في "جهاز الإعلام والتواصل" في حزب "القوات اللبنانية" جورج حايك مقرّ "الحركة" في أنطلياس"، وأكّد حايك في خلال الزيارة وقوف حزب "القوات" إلى جانب الهيئة الإدارية لـ "الحركة" المنظِّمة للنشاط وأمينها العام جورج أبي صالح، واعتبر حايك أن من الضروري أن تمضي الهيئة في ما دأبت على تنظيمه، لأنه يشكّل تحدّيًا لبعض من يحاول طمس الهوية الثقافية للبنان واستبدالها بالحروب والموت والجهل والتعصّب.
"الأمين العام للنشاطات" في "الحركة الثقافية" الدكتور أنطوان سيف، و "أمين عام الإعلام" فيها الدكتور عصام خليفة، ثمّنا زيارة حايك ومواكبته التحضيرات النهائية قبل الافتتاح، فيما رأى سيف أن ""مهرجان الكتاب" في أنطلياس وُلِد في الحرب منذ 43 عامًا، ولم يتوقف يومًا عن نشاطه، وبقي همزة وصل ثقافية بين اللبنانيين رغم خطوط التماس آنذاك. ورغم التكلفة العالية لتنظيم المعرض، لا تزال الحركة الثقافية مستمرّة به، لأن المؤمنين به كثر، وخصوصًا دُور النشر المشاركة فيه، والتي لا يقلّ عددها عن 75 دار نشر، مؤكدًا أن نشاطات عديدة ستجري فيه، وأهمّها تكريم وجوه ثقافية من مختلف الحقول".
أما الدكتور خليفة فشدّد من جهته على أن ""مهرجان الكتاب" يعكس تراثنا وأجدادنا وهويتنا، وننفتح على الآخرين بكرامتنا وحريّتنا، لذلك نحرص على مشاركة كلّ الأطياف الثقافية والسياسية والدينية في المعرض".
مهرجان البستان
"مهرجان البستان الدولي" الذي ترأسُه وزيرة السياحة لورا الخازن لحّود، والذي كانت انطلقت فعالياته منتصف الأسبوع الماضي، أعلن في الساعات الماضية عن تعليق دورته الثانية والثلاثين والتي حملت عنوان "العائلة والأصدقاء"، اعتبارًا من هذا الأسبوع. قرار تعليق حفلات المهرجان وأنشطته المرافقة من ندوات وورش فنيّة والذي نشرته حسابات "مهرجان البستان" على وسائل التواصل، جاء فيه أن "بعد أسبوع افتتاحيّ جميل تضمّن أربع أمسيات مميّزة، من الافتتاح المؤثر لثنائيّة خليفة – روحانا، إلى عرض السير برين ترفل لأوبرا "Gianni Schicchi"، بات لزامًا علينا أن نُعطي الأولوية لسلامة فنانينا وموظفينا وجمهورنا في ضوء الظروف الراهنة". وأشار بيان إدارة المهرجان إلى أن استرداد قيمة تذاكر العروض ممكن من خلال فروع "مكتبة أنطوان". وختم: "منذ عام 1994، شكّل مهرجاننا ملاذًا للموسيقى والثقافة في لبنان. ورغم أن هذا التوقف مؤسف للغاية، فإننا نؤكد التزامنا برسالتنا ونتطلع إلى اليوم الذي نتمكن فيه من العودة بأمان إلى المسرح".
مسرح المونو
مديرة "مسرح المونو" في الأشرفية المنتجة والممثلة جوزيان بولس، نشرت بدورها بيانًا أعلنت فيه مصير العروض المقرّرة على خشبة المسرح العريق ومن بينها انطلاق مسرحية "Mensonge Blanc" عن نصّ للكاتب والمحامي ألكسندر نجّار ومن إخراج لينا أبيض، وجاء في البيان: "يمرّ لبنان مجدّدًا بساعاتٍ ثقيلة. القصف، القلق، عدم اليقين… كلّ ذلك يثقل قلوبنا. طرحنا على أنفسنا السؤال، بصدق: هل ينبغي أن نغلق؟ هل ينبغي أن نصمت؟ هل ينبغي أن نعلّق العروض؟ بعد تفكيرٍ ومشاورات مع فريقنا، اخترنا الإبقاء على العروض المقرّرة هذا الأسبوع في "مسرح المونو". ليس بدافع الاستهتار، وليس تحدّيًا لأحد، بل تعبيرًا عن تعلّقٍ عميق بما يمثله المسرح". وتابع البيان: "المسرح لا يمحو الواقع ولا ينكر الألم، لكنه يوفر مساحةً لالتقاط الأنفاس، وللاجتماع، وللبقاء بشرًا حين يبدو كلّ شيءٍ وكأنه يتهاوى. لقد جرى تقييم الوضع الأمني، ويقع المسرح في منطقة هادئة. وبالطبع، يبقى لكلّ واحدٍ حرية الحضور أو عدمه، ونحن نتفهّم كلّ قرار. إن الإبقاء على هذه العروض هو بالنسبة إلينا خيار حياة وثقافة وخيار نورٍ في مواجهة العتمة". وختم بيان إدارة "المونو": في أحلك الفترات، نؤمن بأن الفن يظلّ وسيلةً لنقول: نحن ما زلنا هنا. نحن واقفون. مع كامل تضامننا واحترامنا، نتمنى السلامة للجميع. وسنُطلعكم يوميًا على أي مستجدّات تتعلّق بقراراتنا".
شهر الفرنكوفونية
أمّا بالنسبة لأنشطة "شهر الفرنكوفونية في لبنان" الذي ينظمه "المركز الفرنسي في لبنان" بالتعاون مع "الوكالة الجامعية للفرنكوفونية" و "المعهد الفرنسي"، والمقرّرة طيلة شهر آذار، فقد علمت "نداء الوطن" أن فعاليات هذا الأسبوع جرى تعليقها، على أن يُعلن عن مصير أنشطة الأسابيع المقبلة في حينه تبعًا للظروف والتطوّرات في البلد.
"سينما متروبوليس" في مار مخايل - بيروت، أعلنت في حسابها على فايسبوك عن الإقفال أمس واليوم الأربعاء. كذلك ألغي عرض لفيلم "رصاصة طايشة" للمخرج جورج الهاشم ونقاش حوله من تنظيم ريم شهاب، كان سيقام أمس الثلثاء في "District 1080" - مار مخايل، بيروت.
الكونسرفاتوار
من جهة أخرى، وحرصًا من إدارة "المعهد الوطني العالي للموسيقى" على سلامة الطلاب والأساتذة وجميع العاملين في "الكونسرفاتوار"، ونظرًا للأوضاع الراهنة التي يمرّ بها لبنان، أعلنت رئيسة "المعهد" الدكتورة هبة القواس عن إقفال كل فروع "الكونسرفاتوار" بدءًا بأمس الثلثاء وإلى موعد يعلن عنه لاحقًا. كما تقرّر بحسب البيان "تعليق الامتحانات على أن يُعاد تقييم الوضع وتحديد مواعيد جديدة لإجرائها وفتح أبواب "المعهد"، وذلك كإجراء احترازي، حفاظاً على سلامة الطلاب والأساتذة الذين يحضرون من مناطق مختلفة، ومراعاةً لظروف النزوح التي يمرّ بها عدد كبير من أهلنا في عدد من المناطق". وختم البيان أن "هذا القرار يأتي انطلاقًا من مسؤوليتنا تجاه عائلتنا التربوية والفنية والإدارية، وحرصًا على سلامة الجميع في هذه الظروف الدقيقة التي تمرّ بها البلاد. وسيُعلن "المعهد" لاحقًا عن كافة القرارات عبر بيانات رسمية تصدر عنه".
هي إذًا أوقات صعبة زُجّ فيها اللبنانيّون، يدفعون خلالها في هذه الأيام الصعبة من أمنهم وحياتهم وأملاكهم وأحوالهم المعيشيّة والاقتصاديّة، من غير أن يكون لهم قرار في كلّ ما يجري. ومرّة جديدة يدفع القطاع الثقافي ثمنًا باهظًا ماديًا ومعنويًّا، على أمل أن يشهد اللبنانيون تطبيقًا فعليًا للقرار الحكوميّ الأخير بحصر الحرب والسلم بالسلطة السياسية والعسكرية الشرعية في البلد.
المصدر: نداء الوطن