"التكنو" وسهراتها: فن معاصر أم ضجيج وتجاوزات؟
إستال خليل
الجمعة 13 شباط 2026
يتنامى حضور موسيقى "التكنو" في لبنان، ويزداد الإقبال عليها من فئات واسعة من الشباب خصوصًا في سهراتهم. بدأ هذا النوع الموسيقيّ يفرض نفسه كجزء من المشهد الفنيّ والثقافيّ الحديث، مثيرًا في الوقت نفسه جدلًا وتساؤلات بين من يرى هذا النمط من الموسيقى موائمًا لمشهد ليليّ صاخب يرافق السهر والرقص حتى الفجر مصحوبًا بصورة نمطية التصقت بهذه الأجواء عالميًا لجهة ارتباطها بالممنوعات، وبين من يعتبرها تجربة فنية قائمة بذاتها. وبين الرأيَين والانطباعَين، يزداد حضور هذا النوع الموسيقيّ حيث يقف مئات الشبان والشابات لساعات طويلة يتمايلون على الإيقاع نفسه، في تجربة بعيدة عن كلاسيكيّات السهر.
DJ Gutten منسّق موسيقى يقدّم الـ "Electronic Dance Music (EDM)" التي تشمل أنواعًا موسيقيّة مختلفة. يقول لـ "نداء الوطن"، إن "هذه الموسيقى قد تشبه أحيانًا ما نسمعه في الإذاعة أو في السهرات التجارية، لكن توجّهها مختلف تمامًا من حيث التجربة والهدف. فموسيقى التكنو ليست مجرّد مقطوعة واحدة، بل هي قصّة تُبنى تدريجيًا عبر مجموعة من "التراكات"، فتتكوّن الرحلة الموسيقية مع الوقت وليس من خلال أغنية واحدة فقط". يرى DJ Gutten أن "التكنو تجربة ذهنية ونفسيّة بقدر ما هي موسيقى للرقص. هي مزيج بين الاثنين، وكل شخص يقرّر بنفسه ما يريد أن يأخذه منها".
بدأ DJ Gutten مسيرته "مع موسيقى الترانس بين عامي 2004 و2005، لكنّ المشهد الموسيقيّ تغيّر كثيرًا مع الوقت، إذ تظهر دائمًا أنماط جديدة تفرض نفسها، فانتقل من الترانس إلى الإلكترو هاوس، ثم البيغ روم، وبعدها التكنو الإيثيري، والـ "Progressive House" والـ "Indie Dance"". ويشير إلى أن "هذه الموسيقى موجودة في كلّ بلد، لكن كلّ منها يضيف عليها من ثقافته لمسته الخاصة، كما إن لكلّ "DJ" أسلوبه الخاص". ويوضح أنه خلال السهرات يراقب الأجواء العامة للساهرين وتفاعل الجمهور مع الموسيقى، خصوصًا أثناء فقرة الـ "DJ" الذي يسبقه على المنصّة، لأن ذلك يساعده على فهم ما يريده الجمهور، مع احترام التوقيت المخصّص له.
ويرى DJ Gutten أن "سهرات التكنو توحّد الجمهور أكثر"، مشبّهًا أجواء الساهرين بمَن "يشاهدون مباراة كرة قدم أو كرة سلة، حيث يشعر الجميع بالانتماء نفسه. فالناس تأتي للاستمتاع بالموسيقى فقط، ونادرًا ما تحصل مشكلات". ويلفت إلى أن "ثمّة أشخاصًا من الجيل القديم يحبّون هذا النوع من الموسيقى، إلا أن معظمهم لم يعد يشارك في السهرات لأن الموسيقى نفسها تطوّرت كثيرًا مقارنة بما اعتادوا عليه، لذلك نرى الجمهور اليوم بغالبيّته من الشباب".
وقت وتجربة للفهم
نسأله إن كانت سهرات موسيقى التكنو مظلومةً في لبنان وتُلصق بها أحيانًا اتهامات جائرة، فينفي كون هذا الفن مظلومًا، "بقدر ما هو متأثر بثقافة كلّ بلد وسياساته. ففي الشرق الأوسط تحديدًا، ثمّة صورة نمطيّة حول تنظيم هذه السهرات، إذ يصف كثيرون موسيقى التكنو بأنها ضجيج"، موضحًا أنّ "فهمها يحتاج إلى وقت وتجربة. فسماع الموسيقى يختلف من شخص إلى آخر، كذلك روّجت الأفلام والثقافة الأوروبية لارتباط هذه الموسيقى بالممنوعات، وهذا غير صحيح، لأن الاستمتاع بالموسيقى يُنسيك الوقت، فتبقى واقفًا ساهرًا حتى الصباح من دون أن تشعر".
ويلفت DJ Gutten إلى أن "وسائل التواصل الاجتماعي تلعب اليوم دورًا أساسيًا في الترويج، ليس فقط لعالم منسّقي الأغنيات والسهر بل لمختلف المجالات والقطاعات. وسواء أعجبنا ذلك أم لا، إلا أنه واقع نعيشه وينبغي أن نتأقلم معه". ويختم بنصيحة للمهتمّين بهذا النوع من الموسيقى: "الأفضل أن يبدأ المرء بسماع هذه الموسيقى في المنزل، ومشاهدة الحفلات على "يوتيوب" قبل المشاركة في السهرات"، معتبرًا أن "المشهد الموسيقي يزدهر يومًا بعد يوم، على أمل أن يكون هذا الصيف أفضل من الذي سبقه لناحية السهرات الموسيقيّة".
تصحيح مسار لا ضرب قطاع
نقيب "محترِفي الموسيقى والغناء في لبنان" فريد بو سعيد، قال من جهته لـ "نداء الوطن" إن "انتشار موسيقى التكنو في لبنان جزءٌ من التحوّلات الطبيعيّة في الذائقة الموسيقية ولا سيّما لدى فئة الشباب"، مشيرًا إلى "أن لبنان تاريخيًا بلدٌ منفتح على التجارب الموسيقية الجديدة، وما يحدث اليوم يأتي ضمن تفاعل محليّ مع موجة عالمية تعتمد على التكنولوجيا والإيقاع". بو سعيد شدّد على أن النقابة لا تعتبر موسيقى التكنو "ظاهرة عابرة"، بل تراها "تعبيرًا عن مرحلة ثقافية معاصرة"، شرط أن تبقى ضمن إطار فنيّ منظم وتحترم القوانين المرعية. ويوضح أن "الموسيقى بحدّ ذاتها ليست المشكلة مهما كان نوعها"، لكن الإشكالية تظهر أحيانًا في نمط الحياة الليلية أو في بعض الممارسات التي قد ترافق السهرات، ما يستدعي التمييز بين الموسيقى كفنّ مشروع، وبين أيّ سلوكيّات فردية أو تنظيمية قد تخرج عن الضوابط القانونية أو الاجتماعية. بو سعيد أكد في هذا الإطار أن النقابة تميّز بوضوح بين الموسيقى كفن قائم بحد ذاته وبين بعض السلوكيّات الفردية التي قد تحصل في بعض السهرات، معتبرًا أن "أيّ تصرّف غير قانونيّ لا يمكن نسبه إلى نوع موسيقي معيّن"، وأن المسؤولية تقع على التنظيم والرقابة لا على الفن. وأضاف أن للنقابة آليات واضحة للتواصل مع منظمي الحفلات ومساءلتهم عند وجود مخالفات، موضحًا أن الهدف الأساسيّ هو "تصحيح المسار لا ضرب القطاع"، مع الحرص على أن تكون الإجراءات عادلة من دون أن تنعكس سلبًا على الفنانين الملتزمين أو على المشهد الموسيقي ككلّ.
النقيب بو سعيد لفت إلى أن جميع الحفلات الموسيقية في لبنان ينبغي أن تخضع للمعايير نفسها، سواء كانت موسيقاها تقليدية أو إلكترونية، مؤكدًا أنّ دَور النقابة يتمثل في "التنظيم وحماية المهنة وليس استهداف أي نوع موسيقي". وأقرّ بأن بعض القوانين وُضعت في زمن موسيقيّ مختلف، إلا أنّ النقابة تعمل على "مقاربة مرنة" تواكب تطوّر الموسيقى الإلكترونية من دون التفريط بالمعايير المهنية.
وردًا على الانتقادات التي تعتبر التكنو "ضجيجًا"، قال بو سعيد إن هذا الرأي ينطلق غالبًا من مقاييس كلاسيكية لا تنطبق على جميع الأنماط، موضحًا أن موسيقى التكنو تعتمد على الإيقاع والبناء الصوتي والتجربة السمعية كلُغة موسيقيّة مختلفة، تمامًا كما أن أي نوع فنيّ يتضمن أعمالًا سطحية وأخرى متقدمة فنيًا. وأشار إلى أن هذا النمط من السهرات، يُساهم في "تحريك اقتصاد الليل وتنشيط السياحة والحياة الفنيّة في لبنان"، خصوصًا في فترات الركود الاقتصادي، لكنه شدّد على ضرورة تنظيمها بما يحفظ صورة لبنان الحضاريّة ويضمن سلامة الحضور وحقوق الموسيقيين والعاملين في القطاع.
أما في ما يتعلّق بمنسّقي الموسيقى (DJ)، فقال نقيب "محترِفي الموسيقى والغناء في لبنان" فريد بو سعيد إن النقابة تنظر إليهم كجزء من الواقع الموسيقيّ الحديث"، مشيرًا إلى أن "اعتبارهم موسيقيّين ضمن الإطار النقابي يخضع لمعايير مهنية واضحة، مع استعداد النقابة لتطوير أنظمتها لاستيعاب هذه الفئات بما يحفظ حقوقهم وواجباتهم ويضمن المهنية.
وختم بو سعيد بالتأكيد أن "التنظيم ضرورة لحماية المهنة والمجتمع"، إلا أن الرقابة حين تتحوّل إلى تضييق أو منع تعسفي تصبح عائقًا أمام الإبداع، مشددًا على أن النقابة "مع تنظيم يواكب التطور وضدّ أي رقابة تقمع الفن أو تحدّ من حرية التعبير المسؤولة". ووجّه رسالة إلى الشباب اللبناني، داعيًا إلى اعتبار الموسيقى "مساحة حريّة وتعبير لكنها أيضًا مسؤولية واحترام للذات وللآخر"، معتبرًا أن التنوع الموسيقي "ليس تهديدًا بل فرصة"، وأن الحلّ لا يكون في المنع أو التخويف بل في "التنظيم والحوار وبناء مشهد ثقافي صحيّ يليق بلبنان".
تحرّر وانفصال
شربل غ. واحد من روّاد هذه السهرات، قال لـ "نداء الوطن" إنه "يستمع إلى موسيقى التكنو لأنها تعبّر عن روح العصر وتمنحه شعورًا بالطاقة والحيوية"، موضحًا أن هذا النوع من الموسيقى "لا يعتمد على الكلمات بقدر ما يعتمد على الإيقاع والنبض، وهو ما يجعله مباشرًا وقادرًا على التأثير بسرعة". وأضاف أن "التكنو بالنسبة إليه ليست مجرّد موسيقى للسهرات، بل نمط موسيقيّ له هوية واضحة مختلفة عن الأغنيات التقليدية، لأنها تقوم على الإيقاع المتواصل والتغيّرات التدريجية التي تُبقي المستمع في حالة انتباه". وأشار إلى أن "السبب الأساسي الذي يجعله يحبّ التكنو هو أنها تمنحه إحساسًا بالتحرّر والانفصال عن ضغوط الحياة اليومية، ولكونها تمنح حالة من التركيز والمتعة في الوقت نفسه". وختم بالقول: موسيقى التكنو جزءٌ من المشهد العالمي الحديث. هي لغة موسيقيّة مفهومة في كلّ مكان، وتجمع الناس رغم اختلاف ثقافاتهم".
طاقة وإيقاع
بدوره، قال جيوفاني ح. إنه "لا يستمع إلى موسيقى التكنو لأنها موضة أو منتشرة، بل لكونها تمنح طاقة خاصة لا أجدها في أي نوع موسيقي آخر". وأوضح أنه عندما يسمعها يشعر وكأن الإيقاع ينظم أفكاره ويعيد ترتيب مزاجه، معتبرًا أنها "موسيقى صريحة لا تتجمّل ولا تحاول إرضاء الجميع". موسيقى التكنو بالنسبة إلى جيوفاني "تشبه مدينة كبيرة في الليل، باردة أحيانًا، سريعة أحيانًا أخرى، لكنها دائمًا غنيّة بالحركة والتفاصيل". وأشار إلى أنه "يحبّ هذا الإحساس لأنها تترك مساحة للمستمع كي يفسّرها بطريقته". أما رفضها من البعض فيعزوه جيوفاني لكونهم "لا يفهمونها من أول استماع. فهذا النوع من الموسيقى لا يُقاس باللحن التقليدي أو بالكلمات، بل بالإحساس الذي يصنعه وبالتأثير الذي يتركه في الجسد والعقل. وختم بالقول: "التكنو ليست مجرّد صوت مرتفع كما يظن البعض، بل تجربة كاملة تشبه السفر الداخلي، حيث يدخل الإنسان في الإيقاع وينسى كل ما حوله".
وهكذا في وقت تتسع فيه رقعة انتشار موسيقى التكنو عالميًا، يبدو أن حضورها في لبنان لم يعد مجرّد ظاهرة عابرة، بل تحوّل إلى جزء من واقع موسيقي جديد يعبّر عن ذائقة شريحة واسعة من الشباب، وجزءًا من أنماط السهر وحفلاته. وبين من يتقبّل هذا اللون الفنيّ ومن يرفضه، تبقى التكنو بالنسبة لمحبّيها مساحة مختلفة للتعبير والإحساس، وتجربة موسيقية تتجاوز حدود الإيقاع لتلامس المزاج والوعي، في مشهد يواصل التوسّع رغم كل الجدل المحيط به.
المصدر: نداء الوطن