أحداث ثقافية أخرى
رواية المليون نسخة: كيف جعلت شيلي ريد العالم يصغي إلى "امضِ كالنهر"؟
حميد عقبي
الخميس 12 شباط 2026

أودّ في هذا المدخل التمهيدي لدراسة رواية "امضِ كالنهر" للكاتبة الأميركية شيلي ريد، ألّا ننطلق من ادّعاء تفرد أسلوبي أو انقلاب جمالي وعبقرية روائية، بل من مفارقة لافتة تستحق السؤال: كيف تحوّلت رواية بسرد هادئ، وبناء يميل إلى سمات تقليدية، وثيمات كثيرٌ منّا مألوفة لديه، إلى ظاهرة عالمية باعت أكثر من مليون نسخة؟ هذا السؤال وحده كافٍ لفتح باب القراءة النقدية.
 
تحكي رواية "امضِ كالنهر" للكاتبة شيلي ريد سيرة فيكتوريا ناش، فتاة ريفية تعيش في بلدة صغيرة في كولورادو أواخر أربعينيات القرن العشرين، داخل عالم تحكمه السلطة الأبوية، والخوف، والصمت، والعمل اليومي القاسي. فقدت أمّها مبكرًا، ونشأت حياة قاسية بلا مشاعر وبلا لغة للحب أو الاختيار. يتغيّر مسار حياتها عندما تلتقي ويلسون مون، الشاب الغريب الهارب من مناجم الفحم، الخارج عن تصنيفات البلدة الطبقية والعرقية. تنشأ بينهما علاقة حب قصيرة لكنها كثيفة، تقوم على الثقة والحضور لا على الوعود، قبل أن تُسحق تحت عنف العائلة ونظام اجتماعي عنصري، تنتهي بمقتل ويل دون عدالة.
 
بعد اكتشاف حملها، تهرب فيكتوريا، وتعيش تجربة قاسية من العزلة والولادة والفقد، إذ تضطر إلى التخلي عن طفلها لإنقاذ حياته. تمضي سنوات طويلة وهي تحمل السرّ، إلى أن تعود الرواية في نهايتها إلى لحظة كشف مؤثرة: العثور على الابن، واستعادة الحكاية، في توازٍ رمزي مع غرق البلدة نفسها تحت بحيرة صناعية، حيث يُمحى المكان لكن الذاكرة تبقى.
 
البطلة فيكتوريا ناش
شيلي ريد جاءت إلى الرواية متأخرة بعد عقود من التدريس والكتابة البطيئة، مستندة إلى معرفة عميقة بالمكان الريفي والطبيعة، وإلى لغة واضحة تراهن على التأثير العاطفي لا على المغامرة الشكلية. ومن هنا يتجدد السؤال: هل سر شهرة الرواية في حكايتها، أم في بساطتها، أم في لحظة ثقافية كانت تبحث عن هذا النوع من السرد؟ هذا ما سنحاول دراسته والبحث عن مقاربته.
 
صدرت رواية «امضِ كالنهر» عام 2023 في الولايات المتحدة، في لحظة ثقافية يبدو أن سوق القراءة العالمي كان يميل فيها بوضوح إلى الروايات السردية الواضحة، ذات الحمولة الإنسانية العالية، والقابلة للوصول إلى جمهور واسع. صدورها لم يكن حدثًا عابرًا، بل نتيجة رهان واعٍ من الناشر الأميركي الذي قرأ النص ودعمه كمشروع حكاية تمتلك إمكانات جماهيرية كامنة. هنا يتجلّى ذكاء دار سبِيغِل وغراو، التي أدركت أن نجاح الرواية لا يتعلّق فقط بجودة الكتابة، بل بطريقة تقديمها وصقلها وتوجيهها.
 
الناشر لم يتعامل مع مخطوط هذه الرواية كنص منجز نهائيًا، بل اعتبره نصًا قابلًا لإعادة النظر. طُلب من الكاتبة شيلي ريد أن تعيد التفكير في بنية السرد، وأن تُبسِّط زاوية الرؤية، وأن تُركّز الحكاية على صوت واحد وتجعله أكثر تماسكًا، بما يجعل التجربة العاطفية أكثر مباشرة وأشدّ تأثيرًا. هذا التدخّل التحريري، أشبه بسياسة مهنية احترافية لدور النشر، ولا يُعدّ انتقاصًا من النص، بل استثمارًا ذكيًا فيه، هدفه تحويل رواية أولى لكاتبة غير معروفة إلى عمل يمكن أن يعيش طويلًا في السوق.
 
الناشر الأميركي، بخلاف الصورة الرومانسية عن النشر، يدير العملية بوصفها لعبة معقّدة: يوازن بين الذائقة الأدبية، وتوقّعات القرّاء، ونوادي القراءة، وإمكانات الترجمة، وحتى فرص التحويل السينمائي. ربما ما جذب الناشر إلى الرواية لم يكن شهرة الكاتبة، فهي معدومة تقريبًا آنذاك، ولا جرأة فنية استثنائية، بل حكاية واضحة، ومكان قوي، وبطلة قابلة للتعاطف، وصوت سردي لا يُربك القارئ. هذه العناصر، حين تُدار باحتراف، تصنع ظاهرة.
 
من هنا يمكن فهم كيف تحوّلت رواية أولى، لكاتبة جاءت متأخرة إلى النشر، إلى عمل باع أكثر من مليون نسخة. النجاح لم يكن مصادفة، بل ثمرة تحالف بين نص إبداعي جيد وناشر يعرف السوق، ويفهم اللحظة، ويدير اللعبة باقتدار.
 
تقدّم رواية «امضِ كالنهر» روحًا سردية هادئة تقوم على تتبّع تشكّل الذات الأنثوية عبر الزمن ولسنا مع خطّ بطولي يتصاعد بل مسارات متعرّجة من الخسارة والتعلّم والصمت. فيكتوريا ناش تظهر في السابعة عشرة من عمرها فتاةً ريفية محاصَرة بعالم قاسٍ تحكمه سلطة الأب وخشونة الأخ وقوانين بلدة صغيرة لا ترحم المختلف ولا تحمي المهمش الضعيف. لم تعرف فيكتوريا الحب ولم تملك لغة للاختيار حياتها كانت سلسلة من الواجبات اليومية والعمل والانضباط الصامت.
 
مع لقائها الأول بوِيلسون مون تنفتح في داخلها نافذة قصيرة على معنى آخر للحياة. الحب هنا لم يكن وعدًا ولا مشروعًا مستقبليًا بدأ كتجربة حضور كاملة منحت البطلة لأول مرة تفجّر فيها إحساسًا بأنها مرئية ومختارة. غير أن هذه التجربة تُقابَل بعد ذلك بعنف المجتمع والعنصرية العمياء فيُقتل الحب ويُغلق الأفق فجأة.
 
تدخل فيكتوريا مرحلة الأمومة في أقسى صورها أمّ شابة وحيدة مضطرة إلى الاختيار بين التمسّك بالطفل أو إنقاذ حياته. تختار الفقد لأنه الفعل الوحيد الذي ظنت أنه سيقودها إلى النجاة. بعدها تبدأ رحلة هجرة داخلية وخارجية تعيش فيها سنوات طويلة من الصمت والعمل والذاكرة المكبوتة.
 
وعندما تعود الرواية في نهايتها إلى لحظة الكشف والعودة لا تعود فيكتوريا الفتاة بل امرأة واعية أنضجها الألم، تعلّمت أن الهوية لا تُمنَح هي تُصاغ بالصبر. ربما أن جوهر الرواية يكمن هنا أي في تصوير أنوثة لم تنتصر بالصوت العالي ولكن بالقدرة على الاستمرار وعلى حمل ذاكرة ثقيلة دون أن تتحطّم.
 
الكاتبة ترتكز على ثيمات حيّة ومتصلة بعمق بالإنسان المعاصر، رغم أنها تتحرك زمنيًا في منتصف القرن العشرين
 
تعتمد رواية «امضِ كالنهر» على تقنيات سردية هادئة ويبدو أنها ارتكزت في جوهرها على صوت الساردة لتكون الأداة الأساسية لبناء الحكاية والمعنى. فيكتوريا لا تروي الأحداث كشخصية تؤدي دورها في نسق تسلسل خارجي، وأكثر وأهم ما يميزها أنها تجربة داخلية تُعاد صياغتها عبر الذاكرة والتأمل.
 
هنا السرد يتحرك بإيقاع متأنٍّ؛ لنلاحظ وصف الساردة المشهدي لقريتها وبيتها الغارق، ثم نجدها تتوقف عند إحساس عابر، تعود إلى ذاتها، تصمت، ثم تواصل الحركة، وكأن اللغة نفسها تخضع لإيقاع التنفس والخوف والتردّد وعنف الآخرين.
 
البراعة هنا لم تكن في تعدد الأصوات أو في اللعب الشكلي، لكن ربما الأكثر أهمية هي هذه القدرة على ضبط نبرة الاعتراف دون الوقوع في المباشرة أو الخطابة والمانلوج والبكائيات الاستعطافية.
 
فيكتوريا تعترف دون ادّعاء، وتخاف وهي لا تزخرف مشاعرها ولا تضخمها، وقد تُخطئ دون تبرير. هذا الصوت الأنثوي لم يسعَ إلى حصد البطولة، بل إلى الفهم، وإلى النجاة اليومية والبحث عن قليل من الحب.
 
المشهدية السردية تبدو واضحة في كل فصل؛ نرى الجسد حاضرًا، المكان ملموسًا، والحركة تتدفق بأشكال حسية، لكن ما يظل طاغيًا هو الداخل، ما لا يُقال أكثر مما يُقال.
 
من خلال هذه التقنيات، قدّمت الرواية تجربة نسوية تكاد تكون قريبة جدًا من الواقع المعاش، ليس من الماضي البعيد أو الصورة المؤدلجة. لذلك وجد كثير من القرّاء أنفسهم في صوت فيكتوريا، وفي علاقتها بالأمومة، والخوف، والاختيار القسري، والصمت الطويل، وفقدان الحبيب والهروب.
 
هذا الإحساس بأن الساردة تتحدث من قلب تجربة يمكن أن تحدث اليوم، هو ما يفسّر مئات التعليقات على مواقع نوادي القراء ومراجعات الكتب، ونستنتج أن بعض القرّاء وربما الكثير منهم قرأوا فيكتوريا كامرأة معاصرة نعرفها ونشبهها وليست تاريخًا غابرًا.
 
جماليات ووحشية الطبيعة
منذ الصفحات الأولى لرواية «امضِ كالنهر» يتضح أن المكان والطبيعة ليسا خلفية محايدة للأحداث، لكنها عناصر بنيوية فاعلة ومدهشة وقد حملت أيضًا ثقل المعنى. الرواية كان يمكن أن تُكتب بوصفها عملًا كاملًا عن كارثة كبرى: غرق مدينة بأكملها بسبب سدّ صناعي، محو قرية من الخريطة، ودفن بيوت وذكريات تحت الماء.
 
هذا الاحتمال حاضر منذ الاستهلال، حيث نعرف أن أيولا لم تعد موجودة إلا في القاع، وأن النهر تحوّل إلى بحيرة صامتة. لكن الرواية تختار مسارًا آخر؛ لا تكتب الكارثة كحدث سياسي أو هندسي، هي تصف أثره طويل الأمد كجرح في الذاكرة والجسد.
 
المكان هنا مزدوج، هو طبيعة خلاقة تمنح الحياة، وهو في الوقت نفسه قوة قادرة على الابتلاع والمحو. النهر، الجبال، الحقول، أشجار الخوخ، والمواسم المتعاقبة، كلها عناصر تُقدَّم بمشهدية واضحة وحسّية ديناميكية أحيانًا، كل هذا يجعل القارئ يرى المكان ويشعر به، لا يقرأه فقط. الطبيعة في الرواية لم تكن رومانسية خالصة وليست أيضًا معادية بالكامل؛ هي نظام مستقل، يمنح ويأخذ دون تبرير.
 
ورغم أن السدّ الصناعي يمثل تدخل الإنسان العنيف في الجغرافيا، فإن الرواية لم تحاكمه مباشرة، هي وضعته في توازٍ مع مصائر الشخصيات، كما غُمرت المباني تحت الماء، غُمرت حيوات كاملة بالفقد والصمت. ومع ذلك، تظل الطبيعة في النص عنصرًا خلاقًا، قادرة على الاحتفاظ بالذاكرة، وعلى إعادة تشكيل المعنى والجمال وإثارة الخيال.
 
إذن بهذا المعنى، يمكن قراءة الرواية كنص عن الكارثة أيضًا، وعن الإنسان بعد الكارثة، وعن مكان لم يعد موجودًا، لكنه ما زال حيًا في السرد.
 
في خاتمة هذه القراءة، يمكن القول إن رواية «امضِ كالنهر» للكاتبة الأميركية شيلي ريد ترتكز على مجموعة ثيمات حيّة ومتصلة بعمق بالإنسان المعاصر، رغم أنها تتحرك زمنيًا في منتصف القرن العشرين.
 
تبرز ثيمة الأمومة ليس كحالة مثالية، بل تُعرض هنا في شكل تجربة أخلاقية مؤلمة، محكومة بالضرورة وليس بالرغبة
 
لعلنا نلمس أن في مقدمة هذه الثيمات تحضر الهوية الأنثوية ككينونة ومسار يتشكّل عبر التجربة والألم، كأننا في أجواء أسطورة، ولم يُمنح جاهزًا، بل بُني عبر الخسارة والصمت والاختيارات القسرية.
 
كما تبرز ثيمة الأمومة ليس كحالة مثالية، بل تُعرض هنا في شكل تجربة أخلاقية مؤلمة، محكومة بالضرورة وليس بالرغبة. إلى جانب ذلك، تحتل العنصرية والعنف الاجتماعي موقعًا مركزيًا، ولم يكن ذلك عبر خطابات مباشرة ومثيرة، بل من خلال أثرها التدميري على الأفراد، وعلى الحب، وعلى صعوبة إمكانية العدالة. أما المكان والطبيعة فيمثلان ثيمة موازية، حيث يتحول غرق البلدة إلى استعارة كبرى لمحو الذاكرة.
 
آراء النقّاد حول الرواية تباينت، لكنها التقت عند نقاط أساسية. كثير منهم رأى أن قوة النص لا تكمن في ابتكار تقني أو مغامرة أسلوبية ولا عبقرية، ولكن في وضوح السرد، وحميمية الصوت، وخلق أجواء تدعم قابلية التعاطف مع البطلة. بعض الملاحظات النقدية أشارت إلى بطء الإيقاع أو تقليدية البناء، غير أن هذه السمات نفسها اعتُبرت من أسباب وصول الرواية إلى جمهور واسع، ونجاحها داخل نوادي القراءة وخارجها.
 
أما الكاتبة شيلي ريد، ففي حواراتها الصحفية، لم تنسب هذا النجاح المليوني إلى عبقرية فردية أو إنجاز استثنائي، بل إلى تلاقي حكاية صادقة مع قارئ كان مستعدًا لسماعها. أكدت في العديد من الحوارات بأنها فوجئت بحجم الانتشار، وأنها تتعامل معه بوصفه مسؤولية أكثر منه انتصارًا وفخرًا.
 
ومع اقتراب تحويل الرواية إلى عمل سينمائي، تكرر ريد أن ما يهمها هو الحفاظ على روح الحكاية، وعلى صوت فيكتوريا الإنساني، وليس إعادة إنتاج النجاح بصيغ استعراضية. وهكذا، تنتهي الرواية حيث بدأت: عند الإنسان، عند فيكتوريا تتأمل غرفتها الغارقة تحت الماء ثم تضحك لحركة السمك ومرحه وهو يعبث بأشياء صغيرة صمدت ضد الصدأ والتعفن منذ عهد طفولتها.
 
شيلي ريدد كاتبة أمريكية وأكاديمية، وُلدت ونشأت في ولاية كولورادو، وقد شكّل هذا المكان الريفي والطبيعة الجبلية عنصرين حاسمين في وعيها السردي في هذه الرواية. عملت لعقود في التدريس الجامعي، ودرّست الكتابة والأدب والدراسات البيئية، وتوجهت إلى الكتابة الروائية متأخرة نسبيًا. اشتهرت بروايتها الأولى «امضِ كالنهر» الصادرة عام 2023، التي حققت نجاحًا عالميًا واسعًا وباعت أكثر من مليون نسخة. تمتاز كتابتها بالهدوء، والوضوح، والتركيز على التجربة الإنسانية والأنثوية، وعلى العلاقة العميقة بين الذاكرة والمكان والطبيعة.
 
 
المصدر: العرب اللندنية