أحداث ثقافية أخرى
معرض كنوز غزة بباريس: خمسة آلاف عام تواجه الحرب والدمار
الطيب ولد العروسي
الثلاثاء 2 كانون لأول 2025

ينظم معهد العالم العربي في باريس معرضًا استثنائيًا بعنوان “الكنوز المحفوظة من غزة: 5000 عام من التاريخ”، غير أنه ليس مجرد عرض للآثار التي تزخر بها مدينة غزة الغارقة في التاريخ؛ فهو يمثل صرخة للذاكرة الفلسطينية ورسالة مقاومة ثقافية في وجه الخراب والحرب المستمرة على القطاع. يستمر هذا المعرض إلى غاية السابع من ديسمبر 2025، ويقدم نحو 130 قطعة أثرية ترمز إلى محطات تاريخية وحضارية للمدينة الساحلية التي تعرضت للتدمير بفعل النضالات المتواصلة.
 
المعرض يبرز أن غزة لم تكن دائمًا مرادفًا للحرب والدمار، فقد كانت نقطة إستراتيجية على طريق يربط مصر ببلاد ما بين النهرين، وملتقى للثقافات والتجارة
 
عند دخول القاعة الرئيسية في الطابق السفلي للمعهد، يغمر الزائر شعور بالدهشة أمام جمال القطع المعروضة وهشاشتها. توجد جرار فخارية، تماثيل صغيرة، شواهد قبور، مصابيح زيتية، فسيفساء بيزنطية، وقطع برونزية وألباستر.
 
تعود هذه القطع إلى العصور البرونزية والحديديّة وصولًا إلى العهد العثماني، وهي شهادة على التنوع الثقافي الذي ميز غزة، كونها مدينة تقع في مفترق طرق بين أفريقيا وآسيا وأوروبا عبر البحر المتوسط.
 
تجدر الإشارة إلى أن هذه الكنوز نجت بمعجزة من خلال الحروب المتعاقبة. معظمها جاء من حفريات أثرية منذ القرن التاسع عشر، إضافة إلى مجموعة خاصة جمعها الفلسطيني جودت الخضري، الذي سعى للحفاظ على تاريخ غزة العريق. كما تحمل هذه القطع بصمات حضارات متعاقبة على غزة: المصرية، الآشورية، الفارسية، اليونانية، الرومانية، البيزنطية، والإسلامية، مؤكدة أن غزة لم تكن دائمًا حقلًا للدمار، بل واحة مزدهرة، ومدينة تجارية، ومركزًا فكريًا وثقافيًا.
 
لم تعرف القطع المعروضة استقرارًا طويلًا؛ إلا أنها عرضت في 2007 في متحف الفن والتاريخ (MAH) في جنيف، حيث بقيت هناك محجوزة بسبب الوضع السياسي والأمني في غزة، ليصبح من المستحيل إعادتها إلى الأراضي الفلسطينية بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض منذ 2007. ومع ذلك، أنقذ هذا المنفى الطويل تلك القطع، إذ دُمّر معظم القطع التي بقيت في غزة خلال الهجمات الإسرائيلية الأخيرة.
 
ويعود الفضل إلى رجل الأعمال الفلسطيني جودت الخضري الذي افتتح متحفًا خاصًا في غزة عام 2008 لحفظ جزء من التراث، كما تبرع بمجموعته للسلطة الوطنية الفلسطينية عام 2018. وهو اليوم لاجئ في مصر، يمثل جيلًا من الفلسطينيين الذين سخروا حياتهم لإنقاذ جذور ثقافتهم وحضارتهم.
 
ذاكرة فلسطينية مهددة
 
يبرز المعرض أن غزة لم تكن دائمًا مرادفًا للحرب والدمار، فقد كانت نقطة إستراتيجية على طريق يربط مصر ببلاد ما بين النهرين، وملتقى للثقافات والتجارة على مدى خمسة آلاف عام. فالجرار المعروضة تروي قصص التجارة في البحر المتوسط، والمصابيح الزيتية تذكّر بالحياة اليومية وانتقال المعرفة، فيما تبرز الفسيفساء البيزنطية الهائلة من القرن السادس إبداع الحرفيين وروحانياتهم، وتصور حيوانات ورموزًا دينية، لتكون أحد أبرز القطع الرئيسية في المعرض، ومثالًا على الثراء الفني للمدينة التي عرفها المصريون باسم “هازاتو”، اللؤلؤة المتوسطية والجسر بين القارات.
 
واختار المعهد وضع القطع على عربات بعجلات ليضفي على المعرض بعدًا رمزيًا، وكأن القطع مستعدة للفرار في أي لحظة، في إشارة إلى التهجير والمعاناة التي تعانيها غزة وشعبها.
 
وتشمل القاعة خريطة للقصف الإسرائيلي أعدها باحثون ومنظمات غير حكومية، موثقة حجم الدمار الذي لحق بالمواقع الدينية والمتاحف والمباني التاريخية، وفق اليونسكو التي سجلت تضرر 94 موقعًا ثقافيًا بين أكتوبر 2023 ومارس 2025. كما يعمل المعرض على تنبيه الزوار لمخاطر محو الثقافة، إذ لا يعرض فقط ما بقي من غزة، بل يبرز أيضًا ما فُقد إلى الأبد.
 
وصف رئيس المعهد، جاك لانغ، المعرض بأنه “عمل منقذ للجمهور.” ففي ظل الحرب التي تدمر الأرواح والممتلكات، أصبح حفظ تاريخ غزة وسرد قصتها ضرورة قصوى. يأتي هذا المعرض ضمن تقاليد طويلة لعلم الآثار الفلسطيني؛ فمنذ تأسيس خدمة الآثار الفلسطينية عام 1993، أجريت حفريات متعددة بالتعاون مع المدرسة الكتابية والآثارية الفرنسية في القدس (EBAF)، وتعرض الصور الفوتوغرافية لتلك الحفريات جنبًا إلى جنب مع القطع، لتوثق الجهود العلمية والبشرية المبذولة للحفاظ على التاريخ.
 
لا يمكن فصل الجانب الجمالي عن الواقع السياسي. فمنذ 7 أكتوبر 2023، أسفرت الحرب على غزة عن مقتل أكثر من 52 ألف فلسطيني، وتدمير ثلثي الأراضي، ووصول الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة. في هذا السياق يمثل المعرض صرخة صامتة لشعب يحاول الآخرون محوه من الوجود، فيما ذاكرته تقاوم بجمال أعماله. ويشعر بعض الزوار بمزيج من الانبهار والحزن أثناء تأملهم جمال تمثال أثينا الرخامي أو مصباح بيزنطي، وهم يعلمون أن غزة تحترق، ما يولد شعورًا بالحداد والعجز.
 
بعيدًا عن الجانب السياسي يطرح المعرض سؤالًا عالميًا: ما قيمة شعب بلا ذاكرة؟ يذكّر نص ياسر عرفات المقتبس في المعرض بأن “الشعب لا يوجد إلا من خلال وعيه بأنه وريث لتاريخه،” ومن هنا يصبح الحفاظ على التراث حفظًا للكرامة واستمرارية الشعب. تتحول الكنوز المحفوظة من غزة إلى شهود صامتين على صمود الفلسطينيين والجهود الدولية للحفاظ على آثار حضارة عمرها آلاف السنين، لتوضح للعالم مكانة هذه المدينة الروحية والحضارية والثقافية.
 
ولا يغفل المعرض مسؤولية القوى الغربية، المتهمة غالبًا بالصمت أو التواطؤ. فقد خاطب مثقفون فرنسيون وزارة الثقافة والمكتبة الوطنية الفرنسية احتجاجًا على صمتهما تجاه تدمير التراث الفلسطيني، مشيرين إلى مفهوم “الإبادة الثقافية”، من خلال عرض هذه القطع المنقذة، التي يسعى المعهد عبرها إلى إبراز جانب من المقاومة الرمزية، لتظهر أن غزة ليست مجرد منطقة حرب، بل أرض ذاكرة للشعوب، وتقدم أيضًا جوانب من الفن والإنسانية.
 
رغم الألم والدمار، يركز المعرض على أن الثقافة لا يمكن للقنابل أو الحصار تدميرها. فالقطع المعروضة تقدم دليلًا ملموسًا على استمرار الثقافة والحضارة الفلسطينيتيْن وقدرتهما على النهوض من جديد. كما تعكس هذه القطع الهشة، المنحوتة منذ آلاف السنين بأيد مجهولة، رسالة خالدة: رغم الدمار، يظل الجمال حيًا. وطالما بقيت هذه الشهود الصامتة، ستظل غزة موجودة في المتاحف، وفي الذاكرة، وعين كل من يرفض النسيان.
 
 
المصدر: العرب اللندنية