مهرجان الفرنكوفونية بسوسة يعيد قراءة إرث الحبيب بورقيبة بنظرة مغايرة
محمد ناصر المولهي
الإثنين 17 تشرين الثاني 2025
مثل مهرجان الفرنكوفونية بسوسة فرصة لاستعادة إرث مؤسس الجمهورية التونسية الحبيب بورقيبة، في ندوة بعنوان "بورقيبة ذاكرة المستقبل"، امتزجت خلالها المداخلات والشهادات والشعر والآراء، كما فتحت آفاقا جديدة لقراءة فكر الزعيم التونسي الراحل، والتأسيس عليه لتقديم نظرة مستقبلية.
خصص مهرجان الفرنكوفونية بسوسة، الذي انتظم من الثالث عشر إلى السادس عشر من نوفمبر الجاري، ندوة تناولت فكر الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، وقد جاءت بعنوان “بورقيبة ذاكرة المستقبل”، استضافت نخبة من الأكاديميين والمؤرخين والباحثين والإطارات العليا السابقة للدولة التونسية علاوة على الشعراء والكتاب وغيرهم.
ومثلت الندوة فرصة للإطلالة لا على تاريخ الزعيم التونسي الراحل فحسب، بل وعلى تاريخ تونس في مرحلة يحتاج فيها التونسيون إلى إعادة فهم ماضيهم لمعالجة حاضرهم.
ندوة وقصائد
ما انفك الحبيب بورقيبة، مؤسس الجمهورية التونسية، يثير الجدل ويحرك السواكن أينما ذكر، ولعل هذا مرده أهمية فكر الرجل النيّر، الذي تجاوز مراحل فارقة في تاريخ تونس، فواجه الاستعمار وانتصر عليه سياسيا ليحقق الاستقلال لتونس، وواجه من ثم تحديات بناء الدولة الجمهورية، وهو ما حققه رفقة ثلة من النخب التونسية وفق توجهات حداثية تحدّت باقتدار محيطا كاملا من الفكر المحافظ.
تأسيس الجمهورية التونسية كان مبنيا على فكر مرنٍ، منفتح على مجريات التاريخ، متطلع إلى المستقبل، طموح، واجه شتى أنواع التحديات، ونجح في تأسيس صورة تونس الجديدة، تونس المنفتحة على العالم، الحداثية، ودولة المؤسسات وحقوق المرأة والأسرة والنشاط النقابي وهلمّ جرا.
الندوة لم تؤلّه بورقيبة، هناك عدة مداخلات وقفت عند الأخطاء التي أدت إلى الانتكاسة، خاصة الاقتصادية وفي مستوى الحريات، من أواخر السبعينات إلى أواسط الثمانينات من القرن العشرين، بعد أن كانت تونس من أهم القوى الصاعدة اقتصاديا، ومن أبرز المؤثرين السياسيين في منطقة شمال أفريقيا.
لكن المهم في الندوة هو استثمار النقاط المضيئة في الفكر البورقيبي الذي تستحقه تونس اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، وهي تحاول معالجة مواطن الخلل، والبناء لمستقبل أفضل.
من هنا يأتي الجمع المجازي في عنوان الندوة بين المستقبل والذاكرة في فكر بورقيبة، فلا مستقبل من دون ماض وذاكرة، ولا مكانة للذاكرة والماضي إذا لم يؤسسا للمستقبل. وبورقيبة كان من الشخصيات المستقبلية التي تتطلع إلى ما هو أفضل، سمعناه في خطاباته يتحدث منذ السبعينات عن سنة ألفين وما بعدها، وهذا هو أساس القيادة الحقيقي، تحدي الحاضر لتأسيس المستقبل.
الفكر البورقيبي لا يخفى على أحد بعده التنويري، ووقوفه بقوة ضد التشدد اليميني واليساري، ومحاولته التأسيس لدولة وسطية تقوم على مبدأ التعايش والانفتاح وحرية المرأة والفرد، وهو ما تحقق الكثير منه وتعطل البعض منه، ولذلك قراءات أخرى في التاريخ وتحدياته.
من ناحية أخرى يتجاوز فكر بورقيبة السياسة إلى الثقافة والأدب، وهو ما أكده الشاعر السوري أدونيس في كلمته، التي ألقاها نيابة عنه الشاعر والأكاديمي التونسي أيمن حسن، إذ تعذر على الشاعر القدوم إلى تونس لأسباب صحية، واعتبر فيها بورقيبة المؤسس صاحب رؤية ورؤيا.
وقد خصصت الندوة أمسية احتفائية بشعر أدونيس، قدمت خلالها مختارات من أشعاره باللغتين العربية والفرنسية، في انسجام تام مع مناخ الندوة التفاعلي، الذي لم يكتف بقراءة الأوراق والمداخلات، بل فتح مساحات للحوار والنقاش.
ويبقى أن نقر بأن البناء مجددا على الفكر البورقيبي يتطلب فهما لحيثياته ومآلاته، وبالتالي التمكن من تطويره، وهذا ما يؤكده مدير المهرجان الأكاديمي التونسي سامي حشلاف، في حديثه لـ”العرب”.
البناء على فكر بورقيبة
في حديثه لـ”العرب” يقول سامي حشلاف “ندوة ‘بورقيبة ذاكرة المستقبل‘ في دورتها الثالثة هي ندوة علمية منظمة من قبل جامعة سوسة وكلية الآداب والعلوم الإنسانية وهي ندوة تبحث في الفكر البورقيبي النيّر. الندوة ليست مخصصة لشخص الحبيب بورقيبة وإنما تتوجه إلى البحث في الفكر البورقيبي، وهنا تكمن أهميتها، إذ لا تتوقف عند فكره، بل تتناول أعماله الكبرى وكل ما فعله على الصعيد الدولي من إنجازات.”
ويضيف حشلاف “من إنجازات بورقيبة مثلا المنظمات الدولية التي ساهم في تأسيسها، على غرار اتحاد المغرب العربي، الاتحاد الأفريقي، المنظمة الدولية للفرنكوفونية، أو دول عدم الانحياز، وغيرها. كما نستذكر نظرة بورقيبة الاستشرافية لتونس وللعالم، مثل ما طرحه من تصورات لأفريقيا وللدول العربية.”
ويتابع “نريد اليوم أن نكرّم ذكرى الزعيم بورقيبة وفكره، ونذكّر به الأجيال الجديدة التي لا تعرف ما قدمه الراحل، كما نسعى إلى البناء على الفكر النيّر لبورقيبة لما هو أفضل، نبني المستقبل.”
وحول تشريك الأجيال الجديدة في التظاهرة، يقول حشلاف لـ”العرب” مؤكدا على أهمية هذه النقطة “أكيد نحن جامعيون في الأساس، وفي عمل متواصل مع الشباب. كما أننا ننشر كل ما يقال ويكتب في الندوة في كتب، أصدرنا مخرجات الندوة الأولى، والندوة الثانية أنجزناها في كتاب بصدد الطبع، وسنشتغل على نشر مخرجات الندوة الثالثة الحالية قريبا، هذا هو الأثر الذي نسعى إلى تركه للشباب ولعموم المجتمع.”
ومن ناحية أخرى يلفت مدير المهرجان إلى أهمية التغطية الإعلامية للندوة والتظاهرة، وهو ما سعوا إليه من خلال مواكبات يومية. ويشدد حشلاف على أهمية ما يقومون به في التفكير حول الإرث الفكري لبورقيبة، يقودهم في ذلك سؤال: ماذا يمكننا أن نفعل به في المستقبل؟ قائلا “ما يهمنا هو المستقبل لا الماضي.”
وحول علاقة الفكر البورقيبي بتجاوز تحديات حاضر تونس اليوم، يعلّق سامي حشلاف “بورقيبة قال في خطاباته ‘تونس بعد بورقيبة ستستمر‘. لقد اشتغل بورقيبة على تركيز المؤسسات، مؤسسات الصحة، التعليم، الأسرة، المرأة، الاقتصاد التغطية الاجتماعية، وغيرها. المؤسسات مازالت موجودة، ربما هي تمر بمصاعب ولكنها قائمة ويمكن إصلاحها من خلال الحس الوطني والتوعية، وستعود أفضل من سالف عهدها، وتونس ستكون أفضل.”
المصدر: العرب اللندنية