"الملحد": سقوط في فخ المباشرة يغيب شجاعة السؤال والتفكير المعمق
حنان مبروك
الإثنين 5 كانون الثاني 2026
جاء فيلم "الملحد" للكاتب إبراهيم عيسى والمخرج ماندو العدل مخيبا لآمال الباحثين مثلي عن عمق فكري وفلسفي في أعمال اثنين من أكثر المبدعين العرب اهتماما بالتفكير في الثوابت، ضمن الجيل الحالي من صناع السينما والأدب في المنطقة العربية. فبين صورة سينمائية متماسكة وحوار سطحي اختزل صراعات الفقه الكبرى في معلومات سريعة وبسيطة، أضاع العمل فرصة ذهبية لمناقشة قضايا الردة والاستتابة بجدية صادمة، تاركا الصراع الفكري حبيس معالجة فنية هشة.
قد يبدو عنوان “الملحد” حين يطلق على أي عمل فني، صادما ومستفزا لأغلب الجمهور العربي “المستهلك” للأدب أو السينما، وقد يدفع البعض إلى مهاجمة كل من يفكر في نقاش مثل هذه المساءل، ما بالك لو كان من يناقشها كاتب مثير للجدل بأفكاره التي تضرب في عمق الثوابت الإسلامية، وتدعو مسلمي اليوم إلى إعادة قراءة تاريخهم الإسلامي واستكشاف مدى الدموية التي كانت سلاحا من أجل الحفاظ على السلطة. هذا ما حصل حقيقة مع فيلم “الملحد” منذ أن كان مجرد فكرة أعلن عن احتمالات تنفيذها بين كاتبها الصحافي والروائي إبراهيم عيسى والمخرج المصري محمد العدل، الشهير بماندو العدل.
قدم للفيلم بأنه عمل سينمائي مصري يناقش إحدى الظواهر المثيرة للجدل في المجتمع، وهي الإلحاد وانتشاره بين بعض فئات الشباب وتأثير ذلك على الأفراد والمجتمع. تدور الأحداث حول شخصية شاب يُدعى يحيى (يُجسّده أحمد حاتم) الذي يبدأ في التشكيك في معتقداته الدينية بعد تربيته في بيئة متشددة، ما يدفعه إلى الإلحاد، ويتسبب ذلك في صراع داخلي وخارجي مع أسرته والمجتمع من حوله.
تبدأ بوادر إلحاد دكتور يحيى، حين يعترض على تزويج أخته القاصر التي لم تبلغ بعد 14 عاما، ليعلنها صراحة أمام والده الشيخ المتشدد أنه كفر، ليصبح من شاب حافظ للقرآن والحديث، ملتزما، إلى شاب يؤمن بأن “البشر ممثلون في مسرحية إلهية”، شاب يرى أن “فكرة وجود الإله هي اختراع بشري”.
يُحسب للفيلم على مستوى الإخراج والتصوير أنه عمل متماسك بصريًا، حيث قدّم المخرج ماندو العدل صورة سينمائية جيدة من حيث تكوين الكادر، وإيقاع المشاهد، واختيار الزوايا التي تخدم الحالة النفسية للشخصيات، لقد بدا واضحًا حرص المخرج على تقديم الفيلم بشكل جاد ومحترف، بعيدًا عن الفوضى البصرية، وهو ما منح العمل عمقا بصريا يتناسب مع حساسية الموضوع المطروح.
أما على مستوى الأداء التمثيلي، بدا أداء معظم الممثلين خفيفا وغير مقنع في الكثير من المشاهد، مع ميل بعضهم إلى المبالغة أو إلى السطحية والبرود، خاصة في اللحظات الانفعالية التي كان من المفترض أن تكون أكثر عمقًا وهدوءًا. هذا الافتعال في الأداء أضعف من تأثير الصراع الفكري والنفسي الذي يفترض أن يحمله الفيلم، الاستثناء الواضح والأكثر جذبا للانتباه كان أداء الممثلة صابرين في دور الأم، حيث قدّمت أداءً متزنًا ومؤثرًا، حيث أدركت متى تظهر إحساسها، ومتى تقدم أداء هادئا ومتى تعكس انفعالات الأم وثورتها نصرة لولدها، ما جعل شخصيتها الأكثر صدقا وإنسانية في العمل.
يُعد النص من أضعف عناصر الفيلم، إذ بدا سطحيًا ومباشرًا، خاصة في الحوارات المفصلية التي كان يُفترض أن تحمل ثقل الفكرة الفلسفية وثقل المعطيات الدينية للفيلم، وقد ظهر ذلك بوضوح في مشاهد الحوار بين الشاب الملحد والشيوخ المتشددين خلال أيام الاستتابة الثلاثة، حيث جاءت النقاشات فقيرة فكريًا، تعتمد على تبسيط كبير في المعلومة ومقولات تبدو سطحية، لا تقنع ملحدا أو قارئا أو مثقفا دخل الفيلم باحثا عن إيجابات قد يطرحها أمامه أو تنير له أفكارا جديدة، هي حوارات لم تظهر تعمقا حقيقيا في الإشكاليات المطروحة، ما أفرغ الصراع من جوهره وجعله أقرب إلى عرض فكرة منه إلى مناقشتها بجدية سينمائية.
وفي مشاهد الاستتابة تحديدا، كانت لدى الفيلم فرصة حقيقية لفتح واحد من أكثر الملفات الفقهية تعقيدًا وحساسية في التراث الإسلامي، وهو ملف الردة وعقوبتها، وما يرتبط به من تضارب تاريخي وفقهي واسع. فالاستتابة التي أظهرها الفيلم أنها اجتماع مع الملحد لثلاثة أيام بغاية إقناعه بالعودة إلى الإسلام، وبانقضاء المدة وتمسكه بموقفه الإلحادي، تطبق عليه عقوبة القتل، هي ليست إجراءً واحدًا متفقًا عليه، بل مفهوم تشكّل عبر مدارس فقهية متعددة، اختلفت في تعريف الردة ذاتها، وفي شروط ثبوتها، وفي مدة الاستتابة، بل وحتى في أصل العقوبة: هل هي حد ديني أم تعزير سياسي مرتبط بظروف تاريخية معينة، وهذا الثراء الخلافي كان يمكن أن يشكّل قلب الفيلم الفكري ونقطة قوته الأساسية.
غير أن الفيلم مرّ على هذه الإشكالية بسطحية واضحة، إذ اختزل تضارب آراء الفقهاء في حوارات مباشرة وسريعة، بدت أقرب إلى شعارات جاهزة وحوارات بسيطة منها إلى نقاش فقهي أو فكري جاد.
ما يحسب لماندو العدل وإبراهيم عيسى، أنهما في ظل انتشار الأفلام السطحية، لا يزالان يحاولان تقديم أفكار جادة
وبدل أن تتحول أيام الاستتابة الثلاثة إلى مساحة درامية وفكرية للكشف عن تعقيد النص الديني وتعدد قراءاته، بدت مجرد محطات شكلية داخل السرد، لم تُشبَع لا دراميًا ولا معرفيًا. وبهذا، أضاع الفيلم فرصة نادرة لتقديم طرح متوازن يشرح أن الجدل حول الردة ليس صراعًا بين إيمان وكفر فقط، بل هو نقاش طويل داخل الفقه الإسلامي نفسه.
ويضع الفيلم الإلحاد في مواجهة مباشرة مع إيمان متشدد يغفل إعمال العقل بوصفه أداة أساسية للاستدلال على وجود الله، ويختزل الدين في نصوص جامدة وتطبيق حرفي. ولو افترضنا أن الفيلم يخاطب في الأساس فئتين: الأولى فئة ملحدة تشاهد العمل بدافع فهم المغزى من عنوانه، والثانية فئة متدينة تترقب أي ثغرة أو هفوة لاستغلالها ضد صُنّاعه، فإن الفيلم في الحالتين يبدو سطحيًا وغير حاسم، بل وربما يميل، دون قصد واضح، إلى تصوير السلفيين المتشددين على أنهم الأكثر التزامًا بالدين وتطبيقًا للشرع، في مقابل تقديم الإلحاد بوصفه حالة نفسية ناتجة عن غضب مكبوت ورغبة في التمرد على سلطة الأب وسلطة الدين الخانقة، لا نتيجة مسار فكري أو حجة عقلية متماسكة.
وبهذا الطرح، لا ينجح الفيلم في إحداث أي تأثير حقيقي، فهو لا يغيّر قناعات شخص عالم أو جاهل بقضايا الإلحاد والردة والخلافات الدينية، ولا يفتح أفقًا جديدًا للنقاش، بل يمر على القضايا الكبرى دون أن يترك أثرًا فكريًا يُذكر. وينتهي الفيلم بمشهد يؤكد كل ما ذكرناه سابقا، حيث ينهي الدكتور يحيى إلحاده بكلمتين سمعهما من عمه، ويقرر بكل هذه السرعة والبساطة أن يتوضأ ويصلي صلاة الجنازة على والده. وهو موقف من الصعب أن يحدث مع الملحدين على أرض الواقع، فهم من أكثر البشر تشددا وتعصبا لأرائهم التي قد تصل بهم حد الانتحار.
وكان من الممكن التغافل عن كثير من هذه الملاحظات لو أن صُنّاع العمل قدّموا الفيلم منذ البداية على أنه عمل تجاري ترفيهي لا يحمل أكثر من حكاية درامية مثيرة للجدل، تُشاهد ثم تُنسى. غير أن الإشكالية الحقيقية تكمن في طريقة الترويج للفيلم، التي أكدّت أنه عمل “مهم فكريًا” ويناقش قضية “مسكوتًا عنها” في المجتمعات العربية والإسلامية. هذا الخطاب الترويجي يفرض بالضرورة قراءة نقدية جادة، تتجاوز التساهل المعتاد مع الأعمال الفنية بوصفها مجرد اجتهادات أو رؤى قد تعجب هذا ولا تعجب ذاك، فعندما يقدّم العمل نفسه كطرح فكري شجاع، يصبح من حق المتلقي أن يحاسبه على عمق الفكرة ودقة المعالجة، لا أن يطالب بالتسليم بأن ما يراه مجرد رؤية فنية محايدة لا تحتمل النقاش.
فيلم يضع الإلحاد في مواجهة مباشرة مع إيمان متشدد يغفل إعمال العقل بوصفه أداة أساسية للاستدلال على وجود الله
ومنذ الإعلان عن الفكرة، أثار الفيلم جدلا واسعا، حيث إن كاتبه إبراهيم عيسى هو واحد من أكثر المثقفين والروائيين المصريين إثارة للجدل، خاصة بآرائه التي تبحث في التاريخ الإسلامي وتكسر الأفكار المتوارثة، حيث يعرف بأنه صحافي وكاتب اتخذ من التنقيب في المسكوت عنه منهجا لمشروعه الأدبي والفكري. وتجلت هذه النزعة بشكل كبير في رواياته التاريخية، وعلى رأسها “مولانا” و”رحلة الدم”، التي تخوض في حادثة مقتل الحسين حفيد النبي محمد والصراع على السلطة في الدولة الإسلامية الأولى، وهو لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يعيد بناء اللحظات المفصلية في التاريخ الإسلامي برؤية روائية تستند إلى مراجع تاريخية رصينة. يسعى عيسى من خلال كتبه إلى تفكيك الروايات السائدة ومنح القارئ فرصة لإعادة النظر في الشخصيات والأحداث التاريخية بعيداً عن هالة التقديس أو التنميط، محولا النص الأدبي إلى ساحة للمكاشفة الفكرية.
إلا أن إبراهيم عيسى المعروف بنقده اللاذع وصوته الجريء، جاء تناوله للإلحاد والتشدد الديني في فيلم “الملحد”، “لايت” إن صح التعبير، أي خفيفا، يمر بسرعة على هذه المفاهيم الكبرى التي تنتشر في المجتمعات العربية الإسلامية، دون تعمق شاف وكاف، ودون أن يدفع المتفرج إلى الخروج من العمل بأفكار جديدة وعقل متدبر في أفكار كلا الطرفين، الملحد والمؤمن إيمانا متوارثا أعمى، بل قد يعتبر البعض الفيلم يميل لصالح السلفيين لأنه يظهرهم على شاكلة أناس يرفضون الفسق والفجور ويدعون إلى البر والتقوى.
لكن ما يحسب للمخرج ماندو العدل وللمؤلف إبراهيم عيسى، أنهما في ظل انتشار الأفلام التجارية السطحية، لا يزالان يحاولان تقديم أفكار سينمائية جادة، تقترب من الواقع، وتثير نقاشات حول مضامينها، وتنطلق من الثقافة العربية لتستفز المشاهد على إعادة التفكير في الكثير من المسلمات، كما حصل سابقا مع فيلم “صاحب المقام” الذي عرض عام 2020 وناقشا فيه فكرة الإيمان بأولياء الله الصالحين والتبرك بالمقامات، من خلال شخصية يحيى رجل الأعمال الذي يهدم أحد المقامات لاستكمال مشروعه التجاري، فتنقلب حياته رأسا على عقب.