أحداث ثقافية أخرى
رسالة مفتوحة إلى فيروز.. "شعب صوتك" ما زال يبحث عن نهاد حداد
د. أنور الطرابلسي
الإثنين 10 تشرين الثاني 2025

عقود مرت ولا تزال فيروز تتربع على عرش صباحات ومساءات الحالمين بالأرض والسكينة والحب والأمل، أجيال متعاقبة تختلف في ما تختلف، لكنها حتما تتفق في حب فيروز، التي تتجاوز أيقونيتها الفنية إلى أيقونة حياة، ولكن خلف صورتها ما زال السؤال القديم المتجدد: أين هي نهاد حداد؟
 
وقفتك على الركح تعبق رفعة ورقيّا. وفي أقسى حالات الحزن والعزاء تبقين شامخة متماسكة. شرف ونقاء وهيبة امرأة قالت دون صدام لا للحكّام وأنظمتهم. تختلط الأوراق في لبنان الصغير، فكل حسابات التاريخ والجغرافيا أكبر منه، لكنك لا تتنكّرين رغم بعض ضيق لأرض أرضعتك طعم الكرامة، أرض بقيت لها وفيّة رغم إغراء رفاه العواصم الغربيّة التي تسعد باحتضانك وتخفّف عنك عبء العناية بابنك المقعد هلي.
 
 صمدتِ مع الصامدين ولم تتركي بيروت إبّان سنوات الاقتتال التي لم تسلم فيها طائفة من طوائف لبنان السبع عشرة ولا حين اجتاحها الجيش الإسرائيلي سنة 1982 ولا إبان عدوان يوليو 2006 أو ما تلاه من انتهاك وقصف في السنوات الأخيرة… فأنت ببساطة تتماهين مع أرزة العَلم في بلد الأرز فتحملين كل أعبائه في صوتك المشحون قداسة وطلّتك المحفوفة رهبنة.
 
هكذا شاء قدرك منذ أن انصهر صوتك في موسيقى وأشعار عاصي ومنصور الرحباني وكذلك في نتاج عبقرية إحدى آخر حبات العقد الأرثدكسي الفقيد الأخير زياد. أمّ مكلومة لا تترك لنهاد الحزينة الحقّ في الانهيار. فلكونكِ فيروز لا يجوز لك ذلك. فكان التماسك والصبر حتى الجلد ديدنَك. ولكونك أيقونة لبنانيا وعربيا كنت في فقد بكرك زياد كأنّما تعزيننا عوض أن تقبلي عزاء المعزّين به.
 
في وجدان شباب
وفاء فيروز لوعاء تعوّدته يمنعها من الاستسلام لرؤى زياد الذي لم ينقطع منذ أواسط السبعينات عن تفجير أوديبه
 
قال الثالوث الفنّي الرحباني فيروز وعاصي ومنصور في إحدى الأغنيات “هَوْني السماء قريبة تسمعنا يا حبيبي” وفي أخرى “لا تهملني لا تنساني يا شمس المساكين.” العديد من أغانيكم صلوات… عسى السماء تستجيب فينفض لبنان عنه غبار الحروب ويمحو آثار الأقدام الهمجيّة. ثمّ صرت للعرب، كلّ العرب، نجمة لست ككلّ النجمات.
 
تركتِ التملّق للحكّام لغيرك ممّن يجيدون الحفاظ على مثل هذه العادات والتقاليد العربيّة السقيمة، لكنّكِ غنّيت لكلّ بلد تقريبا… فشدوت مكّةَ “أهلها الصيد” وقارئ القرآن فيها، وكنت المرأة العربية الوحيدة التي أطلت “سافرة” في شاشات المملكة العربية السعودية سنة 1966 قبل أن تهبّ عليها رياح التغيير مؤخّرا. وشدوت، وبكيت أحيانا، كلاّ من بغداد والشام والكويت والقدس والإسكندريّة وعمّان… وحيّيت في قرطاج شعبَها الأبيّ.
 
وإن قوّض زياد الأيقونة الجامدة وقام بتشبيبها فإنّك بقيت وفيّة لصورتك من حيث الولاء للبنان الموحّد رغم انقساماته العميقة وطائفيّته، وللمشترك العربي لدى الشعوب بقطع النظر عن الأنظمة التي تحكمها كالتوق للحرية والكرامة. والتصقت صورتك بالوطن الجريح وبشرقٍ محتلةٍ قدسُه.
 
لم تنقطع ترانيمك بمريم العذراء وبابنها عليه السلام موحّدة في صوتها اللاهوتي كلّ كنائس الشرق الأوسط والغيارى على دوام التنوّع فيه. وبصبر مَن تألّم حتّى تألّه تنبتين صليبك فيه مسمّرا للأزل كأنّك تذكّرين من يروم النسيان أنّ أهل الدار مازالوا فيها ثابتين. ويتبادر للأذهان لدى تشييعك لابنك زياد عدد من هذه الصلوات التي تستذكر آلام “الأم الحزينة”، على غرار “أحياة لوالدتك يا ولداه بعد موتك؟”
 
وحتى في الحداد وأقسى أوقاته غمرت الأيقونة المرأة البسيطة نهاد التي بقيت الأغلبية تجهل من هي، والتي طالما أراد زياد أن يحرّرها من قالبها لتطلق عفويّتها للناس والمحبّين والمتابعين. فإلى أي حدّ نجح “الابن الضال” للمؤسّسة الرحبانيّة في ذلك؟ وهل كسّرت نهاد صمتها وانقلبت ولو قليلا على فيروز التي سكنتها، وحتما أنهكتها؟
 
شحّها في المقابلات والتصريحات والأوتوغرافات والصور والكليبات لم يثن تعاظم حب عشاقها لها جيلا بعد جيل
 
“يا أنا إلي إنت وإنت إلي أنا، شو بنا ما منتلاقى شو بنا شوبنا.” غامضة، بعيدة، سرية، صامتة، البعض يراك مقنّعة متكبّرة متعالية عابسة في حين أنّك على العكس، وقد خبرناك مباشرةً لدى تشرّفنا بلقائك في مناسبتين: الأولى في خريف 1994 بالرابية في لبنان والثانية في صيف 2001 بباسل في سويسرا، سيّدةً بشوشة ومتواضعة وخجولا. كلّ معجبيك متعلّقون بك في علاقة غريبة: شحّك في المقابلات والتصريحات والأوتوغرافات والصور والكليبات لم يثن تعاظم حبّهم لك جيلا بعد جيل. السرّ في ذلك هالة كبيرة يخدمها صدق أكبر.
 
لا تترك فيروز إلا فيما ندر مساحة في الشاشة أو الركح لنهاد حدّاد، حتّى بعد رحيل عاصي والتقلّص الشديد لتعاملها مع أخيه منصور الرحباني. تطلّ أحيانا نهاد باحتشام لتعود وتلتزم بصورة الرمز، بالأيقونة لتقف في خشوع خشبة المسرح أرزةً متسامية. كيف لا والأمانة كبرى. قلتِ ذات تصريح نادر إنّ فيروز تقيم في الطابق الثاني عند نهاد حداد. وسقت ذات أغنية تساؤلا غريبا كأنّك تسرّين نهاد المغمورة فيك: “يا أنا إلي إنت وإنت إلي أنا. شو بنا ما بنتلاقى شو بنا شوبنا؟” سمّاكِ الشاعر سعيد عقل ومستشار الأخوين لعقود “سفيرتنا إلى النجوم”، وأنتِ منذ فترة تتفادين اللقب إذ صرحتِ لنا لدى لقائنا بكِ غداة مهرجان سبتمبر 1994 “بلاها”.
 
فيروز الكبيرة المتعاظمة بنتها الكلمة المنتقاة والموسيقى المتقنة و”الصوت المشغول” (كما يقول منصور الرحباني) وأركانُ الحروب الباردة والساخنة واختفت وراءها نهاد الصغيرة الصبورة الكتوم تغذيها في صمت، إيمانا بالرسالة ورضا بالسياسة الاتصالية للمؤسسة الرحبانية.
 
ستّ فيروز، موكب تشييع جنازة ابنكِ زياد مؤخرا كان خير دليلٍ على التزامك بتلك الصورة، إذ لازمت النظارات السوداء عينيكِ طيلة يومين دون أن تكشف عن نظراتك التي بلا شكّ ستفضح أحاسيس نهاد الثكلى.
 
متى تستريح فيروز قليلا وتترك لنهاد مجالا لتطلق عفويّتها كما كان يأمل دائما زياد الشاعر والملحن وأنتِ الفخورة أيما فخر بأعمالك معه وهو ما صرحت لنا به لدى مقابلتنا الأولى سنة 1994 في الرابية بلبنان وأكّدتِه لنا سنة 2001 في باسل بسويسرا.
 
زياد، لستَ وحدك تأمل أن تسمعها “عند بيّاع الفلافل” كما همستَ لنا يوم استقبلتنا لطيفا متواضعا ضحوكا في بيتك في الحمراء ببيروت خريف 1994، ورفاقك في تونس يرجون أن تغزوَ أمّك محلّات “اللبلابي” لتحرّر آذانا تتلوّث. باقي أبنائها الروحيين يسارَ صوتها ينتظرون أن تعمّ بساطة الستّ في بيت الدين سنة 2000 -حيث رافقتَها على البيانو- مناسباتٍ أخرى.
 
وفاؤك لوعاء تعوّدته يمنعك على ما يبدو من أن تستسلمي لرؤى زياد الذي لم ينقطع منذ أواسط السبعينات عن تفجير أوديبه في أداء أمّه لأغانٍ كسرت وتكسّر مألوفها، فكنتِ، سيدتي، “كلّ يوم جديدة” ولكن في حياء لا يثور: حسّ فريد في “حبوا بعضن” في مسرحيّة ميس الريم سنة 1975، و”البوسطة” و”حبيتك تانسيت النوم” ثم “خليك بالبيت” و”تحيّة الجنوب” و”صبحي الجيز” و”ولاكيف” وغيرها. جرأة لذيذة تلك التي انتابتك حين قمت بأداء “تلفن عيّاش” على سبيل الذكر.
 
جرأة لا يجوز لفيروز أن تقلع عنها رأفة بنا. كم نأمل أن ترى النورَ تلك الأعمالُ التي تركها لها، وأن تقدّمها لجمهورهِمَا بعد رحيله وفي ذلك خير تكريم له. فقد صرّح زياد الرحباني لقناة فرانس 24 في لقاء مع كوزيت إبراهيم في مارس 2019 بأن هناك أغنيات جاهزة لصوتها وقد أُعدّت خصّيصا لخامته المتقدمة في السن وهو أمر معمول به لدى وصول أصوات المطربين إلى طبقة خريف العمر. وقد تدربت بعدُ على اثنتين منها.
 
فصوتكِ المعتّق بات شيخ الأصوات وأكثرها شبابا. إنّك حين تغنّين شعر وموسيقى زياد تدخلين في أغوار وجدان شباب عربي يختنق فتطبّبين فيه أوديبا متورّما وتشفيه من غطرسة الآباء الذين لا يُغفر عصيانهم بأعمال صعّدت فينا جميعا عقدة الأب الذي لا نجيد “قتله” في حضارتنا في حين أن شرط العبور إلى الرجولة والرشد هو تخطّيهم وتجاوزهم أي “قتلهم” الرمزي.
 
متى تلتقي الأسطورة والرمز والنجمة الأيقونة التي رفعت إليها الذوق العام والمنصتين ولم تنزل مستجديةً، لا حاكما ولا محكوما، مع المرأة البسيطة الضحوك والأنثى المحتشمة والأم الحنون المثقلة بالهموم والمسيحيّة الشرقيّة المؤمنة الممارسة لشعائرها؟
 
"ضاق خلقي يا صبي"
 
أرجو أن تسمحي لي سيدتي بأن أقولَ إن عليكِ أن تنصتي إلى “أبنائك” الذين لهم عليك حقُّ عتق نهاد حدّاد ولو لحين، وذلك بكشف وجه مجهول يحيطه تحكّم متقن. كنّا من المحظوظين الذين عرفوا هذا الوجه اللطيف وهذه الحضرة الساحقة والأليفة في آن معا.
 
الكشف عن نهاد، وسحبها تحت الضوء، لن يكون انقلابا على هذه السياسة الاتصاليّة الفريدة من نوعها، وإنّما هو لبنة تضاف إلى عدد قليل من الحوارات الصحفية والأشرطة الوثائقيّة التي تشكّل استثناء. فلنستحضر معا فيلما وثائقيّا أخرجه الفرنسي فريديريك ميتران (1998) أو استجوابا متلفزا كذاك الذي حظي به توفيق الحلاق في مصر أواسط الثمانينات (1989) أو وثائقي “كانت حكاية” لابنتها ريما الرحباني (2009): محامل سمعية بصريّة من شأنها أن تقوّي اللحمة بينك وبين جمهورك الشاب الذي لم يعاصر العمالقة. شباب محبّون ومتعطّشون إلى تصريحات وصور وشهادات وصمتٍ مصوّر ثمين.
 
 هذا لن يُنزل الأميرة عن عرشها بل سيدخل محبّيها إلى بلاطها ويشبع رغبة كلّ محبّ يتصيّد لقطة تبتسم فيها الستّ أو تتحدّث فيها عن نفسها في البيت والعمل وعن السياسة والساسة والقدر والربّ. وعن العائلة الموسّعة والأسرة الضيقة: عن العلاقة الغامضة مع زوج عبقري وقاسٍ وسلف ملازم للثنائي عاصي وفيروز وعن الأمومة التي تربطها بزياد وليال وهلي وريما. ومن يتحكم في من مع هذه الأخيرة كمديرة لأعمالها.
 
لا نتناسى البتة إصرارك مرارا على أن الأغنية لكِ أبلغ وما من شكّ في صدق القول فالنبرة فاضحة والوجع نافذ خاصّة حين تأسرنا نظرتها في “الأرض لنا وأنت أخي، لماذا إذن تخاصمني؟” ذات حفل في لندن سنة 1994. ولكنّ “شعبَ صوتك” من الشباب لا يزال يبحث عن صديقة قريبة، أمّ مرضعة. لم يُزعج هؤلاء حسّكِ المغامر في “زعلي طوّل أنا وياك” التي صارت ذات آنية منقطعة النظير لدى رحيل المرحوم زياد بفضل المقطع البليغ الذي تقولين فيه “يا ريتك موش رايح ياريتك”، وفي “مش كاين هيك تكون” ولا في “عودك رنان”، فكما أحببناك رصينة راهبة نحبّك مداعبة مفاجئة، جديدةً متجدّدة كما الموج، والتشبيه لغادة السمّان.
 
كما تجرّأتِ سيدتي أن تغنّي كلمات لعوب في “خليك بالبيت” و”عندي ثقة فيك” دون أن يتصدّع عرش تربّعتِ عليه منذ عقود مؤدّية أدوار زنوبيا ملكة تدمر وشكيليا ملكة بترا. لكِ أن تتشجّعي أكثر وأكثر وتدخِلين عشّاقك في حميميّة أكبر تضع نهاد حدّاد فيروزها في خانة الظل وتقبّل كلّ من انتظر طويلا الالتحام برفيقته “صباح ومسا”. شباب أحبّوا ويحبّون تنوّعك وتمرّدك حتّى على نفسك. ولن ينقطع الوصلُ. إذ تُرسَّخ صورة امرأة خالدة نرفض أن تكون تراثا فهي نبض قلب شباب واعين ومرهفين في العالم العربي غرب المتوسط وشرقه وفي بلاد المهجر. وليفاجَأ دعاة تحنيط مّا ممّن يريدون أن تستحيل فيروز صنما، ولينزعجوا. فسفيرتهم إلى النجوم لن تكون يوما مومياء لأنها سفيرتنا إلينا.
 
 
المصدر: العرب اللندنية