أحداث ثقافية أخرى
"صوت هند رجب" يفتتح أول مهرجان نسوي للسينما في غزة
العرب اللندنية
الثلاثاء 28 تشرين الأول 2025

 وسط الركام، وتحت خيام نُصبت فوق أنقاض المنازل في مدينة دير البلح، وُلد حلم سينمائي جديد. فقد افتتحت الأحد فعاليات الدورة الأولى من مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة، في مشهد نادر يجمع الفن والمقاومة، ويؤكد أن الكاميرا قادرة على التقاط ما يعجز العالم عن رؤيته من معاناة وصمود النساء الفلسطينيات.
 
جاء الافتتاح بعرض الفيلم التونسي “صوت هند رجب” للمخرجة كوثر بن هنية، الذي حصد الأسد الفضي في مهرجان البندقية السينمائي إلى جانب ست جوائز موازية مرموقة. واستُقبل الفيلم بتفاعل واسع من جمهور المخيم، إذ قالت إحدى الحاضرات “كأن الفيلم يحكي عني… أنا أيضًا فقدت أولادي الثلاثة في الحرب.”
 
ويحمل فيلم “صوت هند رجب” التوسلات الأخيرة المؤلمة لطفلة فلسطينية تبلغ من العمر خمس سنوات حوصرت في سيارة تحت القصف الإسرائيلي.
 
إذ تدور أحداث الفيلم الذي تبلغ مدته 90 دقيقة في مركز الاتصال التابع للهلال الأحمر، وسط تنازع بين الرغبة في إنقاذ حياة الطفلة “هند”، ووجوب احترام بروتوكولات الطوارئ وتجنب تعريض المنقذين للخطر.
 
وتستخدم المخرجة التي تهوى في أعمالها جَعلَ الحدود بين الواقع والخيال غير واضحة، تسجيلات الاتصالات الحقيقية لهند، لكنّها تعتمد مشاهد تمثيلية لما كان يحدث في مركز الاتصال، مستعينة بممثلين جميعهم فلسطينيون.
 
ويركز العمل الدرامي الواقعي على مشغلي خدمة الهاتف في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني الذين حاولوا لساعات طويلة طمأنة هند رجب العالقة وهي تتوسل لإنقاذها من السيارة، حيث كانت عمتها وعمها وثلاثة من أبناء عمومتها يرقدون بالفعل في عداد الموتى.
 
واستخدمت عبارة الفتاة الصغيرة “أنا خائفة جدا، أرجوكم تعالوا” معززة بمقاطع أصلية أخرى لمكالماتها اليائسة مع مشغلي خدمة الهاتف بشكل قوي طوال الفيلم.
 
وفي كلمة الافتتاح، أكد مدير المهرجان عزّالدين شلح أن موافقة بن هنية على افتتاح المهرجان بفيلمها “رسالة تضامن فنية وإنسانية تقول إن غزة ليست وحدها، وإن السينما يمكن أن تكون جسرًا بين الألم والأمل.” ويستند الفيلم إلى القصة الحقيقية للطفلة الفلسطينية الشهيدة هند رجب، التي تحوّلت إلى رمز إنساني لمعاناة أطفال غزة تحت القصف.
 
ويُقام المهرجان بالشراكة بين وزارة الثقافة الفلسطينية وعدد من المؤسسات الفنية المحلية والدولية، ويستمر حتى الحادي والثلاثين من أكتوبر الجاري، بمشاركة 79 فيلمًا من 28 دولة، من بينها تونس، الجزائر، المغرب، مصر، السودان، فلسطين، الأردن، العراق، سوريا، لبنان، ودول أوروبية وأميركية.
 
وأعلن عن تأسيس المهرجان لأول مرة خلال فعاليات بينالي البندقية السينمائي بمبادرة من المخرج والباحث الفلسطيني عزّالدين شلح، وبرئاسة شرفية للمخرجة الألمانية مونيكا ماورر، التي كرّست حياتها للحفاظ على الذاكرة البصرية الفلسطينية.
 
وقال شلح إن المهرجان “ولد من رحم الإبادة التي طالت النساء الفلسطينيات، ليكون منصة تمنحهن الحق في رواية قصصهن بعدساتهن الخاصة، وتعيد تقديم غزة إلى العالم كمساحة مقاومة ثقافية لا كمنطقة منكوبة فقط.”
 
وأضاف أن المهرجان سيعمل على تمكين النساء سينمائيًا عبر ورش تدريب ودعم إنتاجات قصيرة ووثائقية، بما يتيح لهن المشاركة في مهرجانات عربية ودولية تحمل الرواية الفلسطينية من منظور نسائي.
 
وتشارك في مسابقات المهرجان أفلام روائية ووثائقية من العالم العربي وأوروبا، من بينها الفيلم الأردني “إن شاء الله ولد” لأمجد الرشيد، والفيلم المغربي “وشم الريح” لليلى التريكي، والسوري “سلمى” لجود سعيد، إلى جانب فيلم “شكراً لأنك تحلم معنا” للمخرجة الفلسطينية ليلى عباس.
 
وتحضر السينما التونسية بقوة من خلال سبعة أفلام ضمن مختلف المسابقات الرسمية، من أبرزها فيلم “لأليف” لصابر البكوش، و”نادين” لعبدالله يحيى، و”ميما” لدرة صفر، و”أمي” لنجوى كسليم.
 
وتزامن انطلاق المهرجان مع اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية، الذي أقرّته السلطة الفلسطينية عام 2019 تخليدًا لدورها في النضال الوطني والاجتماعي. وترى الناشطة المجتمعية فاتن حرب أن هذه التظاهرة “تحمل معنيين كبيرين: يوم المرأة الوطني ومهرجان غزة الدولي لسينما المرأة. فكلاهما يحتفي بالمرأة الفلسطينية التي لم تكن متفرجة على التاريخ، بل صانعته ومؤرخته بعدستها وصوتها.”
 
من جهته، أكد رئيس الاتحاد العام للمراكز الثقافية في فلسطين يسري درويش أن المهرجان “دليل على أن غزة تحب الحياة رغم الموت، وأنها قادرة على تحويل الركام إلى شاشة، والحزن إلى رسالة أمل.”
 
بهذه الرسائل الإنسانية، يعلن مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة عن ميلاده الأول في قلب الحرب، ليؤكد أن الثقافة لا تموت تحت الحصار، وأن السينما تبقى أداة مقاومة وصوتًا لمن حُرموا من الكلام، وللنساء اللواتي يكتبن الحكاية الفلسطينية من تحت الركام بعدساتهن ودموعهن.