أحداث ثقافية أخرى
"المهاجران": كاتب وعامل يتجادلان في قبو الاغتراب
المدن
الثلاثاء 9 أيلول 2025

هي واحدة من أهم أعمال الكاتب البولندي سلافومير مروجيك التي قدمت المرة الأولى العام 1974. "المهاجران" كوميديا عبثية سوداء عن مهاجرَيْن اضطرا لترك بلادهما بحثًا عن حياة أفضل.
 
يرصد مروجيك في مسرحيته ذات الفصل الواحد، كما معظم مسرحياته، التحولات والتغييرات في المناخ السياسي والظروف الاجتماعية لبلده الذي عاش فيها منتميًا ومهاجرًا دائمًا باحثاً وكاشفاً عن الحقائق الداخلية للأفراد داخل قوانين اجتماعية متغيّرة طارحاً سؤاله الدائم عن مساحة القيم الماضية والحاضرة، وهل هي في تجدد أم أنها مجرد تعبير عن شيء ما وشخصيات ما؟
 
يتعامل مروجيك بشكل أساسي مع شعور المهاجر الذي لا يملك خياراً: يجب أن يبقى في الخارج لأن وطنه لن يعيده بسبب الوضع السياسي والاقتصادي فيه. هو المثقف الذي ترك بلاده بعد انتقاده للشيوعية حيث كان كاتبًا صحافيًا سياسيًا إضافة إلى كونه كاتبًا مسرحيًا، وهاجر إلى إيطاليا ثم إلى فرنسا عقب "ربيع براغ" 1968، علمًا أنه كان في بداياته يدعم بناء الاشتراكية، وقد افتتن في شبابه بالشيوعية وانضم إلى حزب العمال البولندي، وتأتي مسرحيته كتجربة شخصية وصورة ذاتية له كمهاجر من دولة شيوعية فقيرة في أوروبا الشرقية يحاول جاهداً أن يجد مكانه في عالم الازدهار الغربي من دون ان يتمكن من تكوين هوية جديدة.
 
 
وهم الانتماء 
 
تستعير ريان ناصر فكرة الاغتراب والوحشة وعدم الانتماء لتسقطها على الواقع المحلي ودول المنطقة التي تعاني الحروب والانهيارات الاقتصادية. في قبو بلا نوافذ، تدور أحداث "المهاجران"، قبو أشبه بغرفة في قعر الحياة لكنها تشكّل الأمان للشخصيتين: المثقف والعامل. يحلم الأول أن يكتب يومًا ما كتابًا عن عبودية الإنسان للمال، بينما يجمع الآخر المال، ويحلم يومًا ما بالعودة إلى قريته لبناء منزل يعيش فيه مع عائلته.
 
وتبدأ المجادلة بينهما منذ الظهور الأول على الخشبة. يحاول العامل الفقير إظهار نجاحه في هذا المجتمع الغريب عنه، بينما تنكشف أمام المثقف محاولة إخفاء العامل وحدته وفشله، فيجادله ويحثه على النظر إلى مشاكل العالم وأن يتحدثا عن الظواهر والأحداث والأفكار، عن النمو الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، عن الحدث الثقافي، عن الإنسان الحائر على تقاطع الطريق، وعن الحضارة والتغيير العميق ومشاكل الكون. يجد المثقف أن غربته جعلته يشعر بتفاهة مشاكله في بلده، بالطائفية وبالشوفينية التافهة. يتبدى لنا من خلال هذا الحوار، التباين في الشخصيات من الناحية الثقافية والنفسية، فيبدو التواصل بينهما مستحيلًا. إنهما استعارة للازدواجية الموجودة في كل واحد منا، كأننا أمام مونودراما يقدّمها شخصان، صوتان في دواخلنا، أحدهما يعيش قلق الإنسان وحيرته من مكان عميق وسعيه للحرية، والآخر قلق من مكان آخر يريد الحياة البسيطة مع عائلته في بيت يعطيه الطُمَأنينة التي يفتقدها.
 
في قبو بلا نوافذ أسفل مبنى، جنبًا إلى جنب مع رطوبة المكان وأنابيب الصرف الصحي وسريرين متباعدين مع طاولة خشبية وكرسيين في الوسط، تقدم المخرجة ريان ناصر الممثل رماح عجيب في شخصية "الأستاذ"، وشادي البوظ في شخصية "عبد الرزاق" اللذين ينتبهان إلى الزمن يومًا وقد حلت رأس السنة، فتحتفل الشخصية الأولى بليلة رأس السنة، فيما الأخرى تؤجّل حزنها قدر المستطاع محاولةً تصدير ألمها المنتمي إلى الماضي. عالم الخارج المحتفل بليلة رأس السنة، يقابله الممر الضوئي الوحيد الذي تلجأ إليه الشخصيات في مونولوغاتها الداخلية وبوحها بالمسكوت عنه.
 
 
طعام كلاب
 
لا يدفع العامل حصته من إيجار المنزل ويأكل من معلبات المثقف، فيما يخفي معلباته، فيصفه المثقف بالفردانية وبالوحشية وصاحب الشهية البهيمية.. لقطات كوميدية سوداء متتالية مع كل الأسى الموجود، لكن المسافة بين الضحك والأسى ضئيلة. يقرأ المثقف محتويات إحدى العلب التي يخفيها صديقه في الغرفة ليتبين أنها علبة طعام للكلاب، لكن العامل الأميّ يشتري الأرخص ثمنًا كي يجمع ماله بهدف العودة إلى بلاده. "أستاذ انت بتشوفني كلب؟"، يسأل العامل الذي يهز المثقف بسؤاله صارخًا غاضبا "الانسان مش لازم يكون كلب"، لتسقط المياه الآسنة على غرفتهما فيستدرك الأستاذ المثقف واقعهما قائلًا "بتعرف حاسس أننا حشرتين دودتين، أنا حشرة انا اللي كنت حاسس ببلدي أني كاتب وأستاذ".
 
 
لا نهاية لقعر الغرفة ولا للمجادلات الدائمة، إلا في تمزيق العامل الأموال التي أخفاها في لعبة طفلته وفي تمزيق الكاتب أبحاثه وكتبه، في أقصى أنواع الاحتجاج على غربة البلد الأم وغربة المنفى التي تتركنا من دون اقتراح حل أو مخرج أو حتى أمل. وكانت المخرجة ناصر افتتحت المسرحية بكلام محمود درويش عن سقوط الوطن والمنفى في ضباب المعنى، لتنهي المسرحية بكلام للروائي إلياس خوري من روايته "اسمي آدم": "أن مشكلتنا الكبرى هي خوفنا من نقد الماضي، لأننا إذا خسرنا وهم الانتماء، فقدنا كل شي". 
 
 
(*) مسرحية "المهاجران": إخراج ريان ناصر، تمثيل رماح عجب وشادي البوظ، إضاءة: جمال زركي، صوت: زينب وهبي.