كواليس المقابلة الأولى مع السيّدة الأولى
ديزي حوّاط
الثلاثاء 2 أيلول 2025
اعتاد اللبنانيّون النظر إلى قصر بعبدا كمساحة بعيدة عنهم، يسكنها رئيس الجمهورية وأسرته خلف جدران من الرسميّات والشكليّات. لكن في العهد الجديد، بدا المشهد مختلفًا: حضور أبسط، تعاطٍ أقرب إلى الناس، وانفتاح على المجتمع والإعلام.
هذا ما لمسته خلال مشاركتي، كطالبة جامعيّة تأهّلت عبر مسابقة، للمشاركة بمداخلة ضمن المقابلة التلفزيونية الأولى للسيدة الأولى. تجربة سمحت لي أن أعيش من الداخل صورة مغايرة، أرساها العهد الجديد.
حين أعلنت "كليّة الإعلام" في "الجامعة اللبنانيّة" عن مبادرة إعلاميّة بالتعاون مع السيدة الأولى، تسابق الزملاء على تقديم أفكار خلّاقة تحمل طموحاتهم وهموم جيلهم. بعد فترة وجيزة وصل لبعضنا خبر التأهّل. اجتمعنا في حرم الجامعة، وخضنا مقابلة مصوّرة مع الفريق الإعلامي، حيث بدا أنّ البقاء سيكون للأجدر والأكثر إقناعًا. وفي اللقاء الأخير، تسنّت لي الفرصة للقاء الإعلاميّ جان نخول، مقدّم المقابلة الذي كان من دواعي سروري أن أتعامل معه مهنيًّا، ولو لفترة قصيرة.
في مبادرة غير مسبوقة، فُتحت المنابر لطلاب جدد لمداخلات في حلقة مخصّصة للسيدة الأولى، بدل الاعتماد على كبار الشخصيات كرموز إعلاميّة فقط. اللافت أنّ هذا القرار لم يكن شكليًّا أو مجرّد فكرة من مطبخ الإعداد، بل كان مطلبًا تمنّته السيدة الأولى.
من خلال خبرتها السابقة في العمل الجامعي، أخبرتنا أنّ في كل مرة كانت تُستقدم قامات إعلامية لتسيير المقابلات، بينما تخفي جدران الجامعة إعلاميّين موهوبين محرومين من الفرص.
وكأنّ اسمها وصفها، فقد نَعِمت على طلّاب يتوقون للنجاح، ببعض من ضوئها وفرصة قد تساعدهم في شقّ طريقهم. فالكثيرون يحلمون بالنفوذ متناسين دورهم في المجتمع، فيما قليلون يخطّطون لمد يد العون والمساهمة في ترقية مجتمعاتهم وفتح فرص للآخرين.
وفي بلد يثقل بالأعباء والمصاعب والتحديات، قلّة ترى الأولوية لدعم الناشئين، ما جعل هذه المبادرة حقًا استثنائية.
من جانبي، كامرأة لبنانية، استفدت من الفرصة لطرح قضية السجون اللبنانية المأسوية التي من المفترض أن تهدف إلى تأهيل السجين بدل زيادة معاناته، مركّزةً على النساء الأمهات وأطفالهنّ، إذ تمثل السيّدة الأولى رمزيًا حماية حقوق المرأة اللبنانية، ولأنّ أيّ إصلاح مجتمعي يبدأ بدعم الأكثر هشاشة بين أفراده وأطفالهم كي لا يكبروا على صورة مشوّهة للعدالة. وكانت لكل مشارك قضاياه وأفكاره التي عرضها وفق اهتماماته، حيث كانت الإجابات شافية.
جرت المقابلة، وكأيّ شخص طبيعي غير معتاد على الكاميرات، شعرت ببعض الارتباك تحت كثافة الأضواء. لكن السيّدة الأولى أظهرت جانبها الإنساني، مؤكّدة أنّها أمّ بالدرجة الأولى، عندما طلبت من خبيرة التجميل، الحامل وأم لطفل صغير، العودة إلى منزلها بدل البقاء لإعادة ترتيب المكياج.
وقبل بدء المقابلة شدّدت: "ما تجاملوني، أنا هنا للإجابة على تساؤلات الشباب كما يطرحونها بينهم".
أما عند انتهاء الحلقة، فلم تختفِ اللبنانيّة الأولى، بل تقرّبت من الطلاب وتحدّثت معهم بصراحة وصدق، جالسة حول طاولة مستديرة ضمّت المشاركين وفريق العمل. الجلسة كانت كفيلة بأن يهمس زميل بجانبي: "أشعر أنني في أحلام العصر"، تقديرًا لقربها من الجمهور واستماعها لهم، مؤكّدة أنّها منهم وفيهم.
شاركَتنا السيّدة الأولى قصصًا من حياتها كامرأة، كزوجة عسكري، كأم، وكشخص واجه تحديات متعدّدة، حيث شعرنا أننا نتكلّم اللغة نفسها. استمعَت بعناية لكلّ طالب ولكل مشاركة، ما دفعني للهمس في نفسي: "أجادِك"، تقديرًا لِكَمّ الهموم التي سمعتها والتي تفاعلت معها بقرب وصدق.
عبّرت السيّدة الأولى عن إعجابها وتعجّبها من كيف أنّ طلابًا لم يدخلوا المهنة بعد من بابها الواسع، قادرون أن يكونوا مطّلعين إلى هذا الحد، خلّاقين في قضاياهم، انتقائيين في اختياراتهم، واستطاعوا وضع أصابعهم على الجراح، جراح الوطن والمواطنين.
انتهى اللقاء، فغادرنا مدركين أنّ ليس كلّ من يتبوأ موقع الأضواء يعرف كيف يستثمره، وأنّ القادرين على إحداث فرق هم من يتحلّون بالشغف لفهم مجتمعهم والصدق في الطرح والإصغاء، فهذان هما المفتاحان الحقيقيان للتأثير.
المصدر: نداء الوطن