حرب ترامب «السينمائية»: «هوليوود» في عزلة؟
جريدة الأخبار
الجمعة 3 تشرين الأول 2025
أعلن الرئيس الاميركي دونالد ترامب عن عزمه فرض ضريبة جمركية بنسبة 100% على جميع الأفلام المنتَجة خارج الولايات المتحدة، مدّعياً أن صناعة السينما الأميركية قد «سُرقت» من قبل دول أخرى، وبأن خطوته ستنقذ «هوليوود».
قد يبدو هذا القرار امتداداً لنهج ترامب الحمائي في المجال الاقتصادي. لكن السينما ليس مادة أولية أو رقائق الكترونية وسيارات. السينما في جوهرها منتج ثقافي وأداة من أدوات التبادل الثقافي العالمي، وهو ما يجعل من القرار أشبه بمقامرة خطيرة في ظل الشبكة المعقدة من العوامل الاقتصادية والسياسية والثقافية التي تحكم الفن السابع.
«هوليوود» عند مفترق طرق
للوهلة الأولى، قد يبدو القرار على أنه هدية لاستوديوهات «هوليوود» التي ستتخلص من منافسة السينما الأوروبية والرسوم المتحركة اليابانية، وأفلام الإثارة الكورية، حيث سيؤدي فرض رسوم بهذا الحجم إلى إقصاء الكثير من الأفلام الأجنبية من السوق الأميركية. حتى إنّ صنّاع الأفلام الأميركيين المستقلّين قد يجدون مساحة أوسع لأعمالهم.
لكن العقبة الكبرى التي تواجه تطبيق هذا القرار تكمن في أنّ «هوليوود» نفسها عالمية الطابع. فالكثير من الأفلام الأميركية الضخمة تُصوَّر في بلدان أخرى للافادة من الحوافز الضريبية، أو انخفاض تكاليف الإنتاج، أو المواقع الطبيعية المميزة، أو للدقة التاريخية. ومن أبرز الافلام المصوّرة خارج الولايات المتحدة نذكر سلسلة «سيد الخواتم» المصورة في نيوزيلندا، وفيلم «تيتانيك» الذي صوّر جزء كبير منه في المكسيك، أو مقاطع من فيلم «العراب» الاسطوري التي صورت في صقلية في ايطاليا واللائحة تطول.
في حال تطبيق الرسوم بحذافيرها وكما ذكر ترامب في اعلانه (من دون ايضاحات اضافية عن الافلام المقصودة تحديداً وإن كان هنالك من اعفاءات واستثناءات)، فإن مثل هذه الأفلام قد تُصنَّف «أجنبية»، ما سيفرض على الاستوديوهات دفع ضريبة مضاعفة لعرضها في الولايات المتحدة. ومن شأن اجراء مماثل أن يؤدي إلى ارتفاع هائل في تكاليف الإنتاج، أو إلى دفع شركات الانتاج الضخمة إلى إعادة كل عملياتها إلى الداخل الأميركي، ما يعني تفكيك نظام إنتاج عالمي متكامل استمر لعقود.
· ضربة لمنصات البث
منصات البث مثل «نتفليكس» و«أمازون برايم» وغيرهما ستتلقى ضربة قاسية بدورها، كون جزءاً كبيراً من جاذبيتها قائم على تقديم مكتبة متنوعة عالمياً — من الدراما الكورية إلى الإثارة الإسبانية إلى الجريمة الاسكندنافية. وضريبة بنسبة 100% ستجبرها إما على تقليص هذه المكتبات أو رفع أسعار الاشتراك، وهو ما سينعكس على المشاهدين من حول العالم.
· الخسائر على المستهلك
بالنسبة للجمهور الأميركي، ستكون النتائج فورية. فالسينما العالمية، التي هي أصلاً ضعيفة الحضور في صالات الولايات المتحدة، ستكاد تختفي كلياً. وحتى الأفلام القليلة التي ستعرض ستصبح باهظة الثمن بحكم ارتفاع أسعار التذاكر وهو ما سيجعل من مشاهدة الأفلام الأجنبية رفاهية نخبوية.
القوة الناعمة على المحك
في حال مضي ترامب في خطوته، فمن المؤكد أن دولاً أخرى سترد بالمثل وتفرض ضرائب على الأفلام الأميركية. خطوة مضادة قد تكون انعكاساتها قاسية ومدمرة على «هوليوود» التي تعتمد بشكل كبير على الأسواق الأجنبية لتحقيق الأرباح.
وأي حرب «سينمائية» متبادلة ستقوّض هيمنة «هوليوود»، وتفتح المجال أمام صعود إضافي لنجم الصناعات السينمائية الأخرى مثل «بوليوود» في الهند، والسينما الكورية، والاسبانية والتركية. وبالتالي فإن الإجراء الذي يُفترض أن يحمي السينما الأميركية قد يؤدي فعلياً إلى عزلها.
في هذا السياق، فإن تبعات خطوة مماثلة تطال في الصميم واحدة من أبرز أدوات القوة الناعمة الاميركية، حيث لطالما شكلت السينما واحدةً من أهم ركائز الدبلوماسية الثقافية الاميركية.
طوال عقود، عملت «هوليوود» كسفيرة أميركا إلى العالم، ناقلة صوراً وقِيَماً وأحلاماً وأوهاماً أميركية إلى مختلف الشعوب. وفي حال لجوء باقي الدول إلى اجراءات حمائية مماثلة، فإن الولايات المتحدة لن تفقد موارد مالية صخمة فقط ولكن ستحصد تراجعاً في نفوذها الثقافي في المضمار السينمائي.