أحداث ثقافية أخرى
معرض ببنين التراثي : المرأة العكارية شريكة في الإنتاج
مايز عبيد
الثلاثاء 30 أيلول 2025

من ساحة ببنين في عكّار، حيث امتزجت روائح المونة البلدية بألوان المشغولات التراثية، بدا "المعرض التراثي" أكثر من مجرّد نشاط قروي محلي. هناك، تحت خيم بسيطة وعلى وقع أحاديث الزوار، تروي النساء والرجال قصة عكّار التي لم تُهزم على رغم قسوة الظروف.
 
مع كل قطعة صابون يدوي، وكل مرطبان دبس أو مكدوس، وكل تطريزة منسوجة بحُب، يخرج صوتٌ صامت يقول: إن التنمية الغائبة عن هذه المنطقة لا تُلغي إرادة أهلها، وإن المرأة العكارية تحديدًا قادرة على أن تحوّل بيتها إلى ورشة إنتاج، ومعرض قريتها إلى نافذة أمل.
 
التهميش المزمن
 
في ظلّ الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان، تبدو محافظة عكّار واحدة من أكثر المناطق المتأثرة بسبب التهميش التاريخي وغياب المشاريع الإنمائية المتوازنة. فهذه المحافظة النائية تفتقر إلى الخدمات عبر الدولة، لا بل إن المركزية التامّة التي تحصر مؤسسات الدولة بالمدن لاسيما بالعاصمة، تجعل من وجود الدولة في عكار لا يتعدّى مدرسة رسمية أو مخفراً للدرك. وعلى رغم ما تختزنه المحافظة من ثروات طبيعية وزراعية وبشرية، فهي لا تزال خارج إطار التنمية الشاملة. والسبب يعود إلى عدم تطبيق قانون اللامركزية الإدارية، الذي كان يمكن أن يفتح الباب أمام المجالس المحلية لإدارة مواردها وتنظيم مشاريعها.
 
 
أمام هذا الواقع، تبرز المبادرات الخاصة كخيارٍ أساسي لتعويض النقص، وخصوصًا المبادرات التي تعيد الاعتبار للإنتاج المحلي واليدوي. فالمعارض البلدية والحرفية والمنزلية لم تعد مجرد فعاليات موسمية أو نشاطات جانبية، بل باتت ركيزة فعلية لدعم العائلات وتأمين دخل إضافي في ظل الانهيار الاقتصادي.
 
معرض ببنين التراثي
 
استطاعت بلدية "ببنين - العبدة" جذب المواطنين والمبادرات من البلدة وخارجها، إلى معرضٍ تراثي أقيم وسط البلدة امتزج فيه التراثي بالحِرفي بالثقافي، فشكّل فسحة إنتاج وابتكار، وفسحة تسويق مباشر للعديدين، ومتنفسًا للأهالي والعارضين معًا.
 
وتقول إحدى السيدات المشاركات في معرض ببنين، ولديها جناح لمعروضاتها: "هذا المعرض أعطانا فرصة لنُظهر تعبنا ومهاراتنا. نحن لا نملك إمكانات لفتح محلات أو الدخول في منافسة السوق، لكننا نملك أيدينا وأفكارنا". شهادات مماثلة تتكرّر مع نساء أخريات يعتبرن أن هذه المساحات تمنحهن اعترافًا بجهودهن، وتفتح أمامهنّ أبواب المساهمة الفعلية في الاقتصاد العائلي.
 
المبادرة وعدم الانتظار
 
ممثل بلدية ببنين- العبدة في اتحاد بلديات وسط وساحل القيطع زاهر الكسّار لفت في حديثه لـ "المدن"، إلى أن مشروع المعرض التراثي بدأ بفكرة بين أعضاء البلدية، انطلاقًا من أن ببنين فيها تراثها كما كل قرية وبلدة في عكار، ومن الواجب الإضاءة على هذا التنوّع الموجود. وبدأنا نعمل على إظهار ما لدينا من موارد وطاقات بدعم من المبادرات". 
 
وأضاف: "ما نقوم به عبرة لكل البلدات العكارية كي تبدأ بالعمل من مواردها الذاتية، وألا ننتظر أي محرّك أو قوة دفع خارجي. فنحن رأينا في نجاح هذا المشروع تأسيسًا لأفكار ومشاريع أخرى مشابهة دعماً للفئات المهمّشة من أبناء منطقتنا".
 
الحلول من المبادرات الصغيرة
 
تتيح معارض المونة والتراثيات أكثر من فرصة أمام المرأة والرجل وكل صاحب حرفة لتسويق منتجاته والمشاركة في الإنتاج. لكن دور هذه المعارض لا يقتصر على البُعد الاقتصادي فقط، بل يتعدّاه إلى البعدين الاجتماعي والثقافي. فهي تعيد وصل المجتمع المحلي بروّاده، وتكرّس قيم التعاون والتكافل، وتؤكد أن الحلول ليست دائمًا رهن السياسات المركزية الغائبة، بل يمكن أن تُبنى من المبادرات الصغيرة.
 
هنا تبرز الحاجة الملحّة لوجود غرفة تجارة خاصة بعكّار، بدلاً من مكتب تمثيلي لها في بلدية حلبا، تكون قادرة على تنظيم هذه الجهود ودعمها. فالغرفة يمكن أن تتحوّل إلى مرجعية للمزارعين والتجّار والصناعيين وأصحاب المهن والحِرف، تواكب مشاريعهم، وتساعدهم على فتح أسواق جديدة، وتوفّر لهم التدريب والتمويل وفرص التبادل. كما أنها ستكون شريكًا أساسيًا للمجتمع الأهلي ومبادراته، فتمنحها المظلة المؤسسية التي تحتاج إليها لتستمر وتكبر. في منطقة تُنتج الزراعة واليد العاملة والحرف، يصبح غياب مثل هذا الإطار المؤسسي نوعًا من إهدار الطاقات. وقد بحث هذا المطلب وفد من تجار عكار مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، قبل أسابيع، طالبًا دعم الرئيس لإنشاء الغرفة.
 
دور المرأة والاستثمارات
 
دور المرأة في المعارض محوري. فهي لم تعد مجرد صانعة مونة بيتية أو حرف منزلية، بل تحوّلت إلى شريكة في إدارة الإنتاج والتسويق، وإلى عنصر فاعل في إبراز صورة عكّار المتنوعة والغنية. ومن خلال مشاركتها في هذه المعارض وسواها، تسهم في تثبيت الأوضاع الاقتصادية للعائلات، وتمتّن الأواصر في ما بينها، وتحقق نوعًا من الاقتصاد المحلي غير المعتمد على الدعم الخارجي. لكن عكار تحتاج إلى نهضة مؤسساتية يتولاها أصحاب رؤوس الأموال والمغتربون لإنشاء مؤسسات تؤمّن فرص عمل، فتثبّت الشباب في قراهم وتخفّف من النزوح إلى المدينة.
 
 
يبقى السؤال الأكبر: هل ستظل هذه المبادرات مجرّد محاولات فردية متناثرة، أم سيجري البناء عليها ضمن خطط أوسع لدعم الإنتاج المحلي وتفعيله؟ الواقع يفرض أن الحلول المركزية بعيدة المنال في ظل الأزمات المتلاحقة، ما يجعل هذه الفعاليات أشبه بجسور أمل بين حاضر مأزوم ومستقبل يُبنى بجهود الناس أنفسهم.
 
 
المصدر: المدن