الملك فيصل والمخطوط العربي.. رعاية مستمرة وذاكرة متجددة
العرب اللندنية
الإثنين 29 أيلول 2025
يعد اهتمام المملكة العربية السعودية بالمخطوطات العربية إحدى العلامات الفارقة في مسيرة الثقافة العربية المعاصرة، ومن أبرز المحطات التي تجلت فيها هذه العناية اللقاء التاريخي الذي جمع بعثة معهد المخطوطات العربية بالملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود في فبراير 1973 في مقر مجلس الوزراء بالرياض.
هذا اللقاء وما تبعه من نتائج ملموسة، تجسيد لرؤية تدرك أن الكتاب المخطوط ليس مجرد أوراق قديمة، بل هو وعاء حي للمعرفة، وذاكرة أصيلة تحفظ هوية الأمة، وتنقل علومها ومعارفها عبر الأجيال.
وفي السياق نفسه شهد مطلع ذلك العام حدثا مفصليا آخر تمثل في وضع الملك فيصل حجر الأساس لمشروع مكتبة الملك عبدالعزيز بالمدينة المنورة في السادس من فبراير 1973، وتضم المكتبة إلى قاعاتها المختلفة قاعة خاصة بالمخطوطات والكتب النادرة؛ لتغدو منارة علمية وثقافية تحفظ التراث وتخدم الباحثين.
وذكر الباحث الراحل عصام محمد الشنطي، رئيس المفهرسين في معهد المخطوطات العربية وأحد أعلام فهرسة المخطوطات، في دراسته المرجعية “مع المخطوطات في السعودية شرقا وغربا” أن لقاء الملك فيصل والبعثة لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل كان بمنزلة إعلان واضح عن التزام الدولة برعاية التراث المخطوط؛ فقد أبدى الملك فيصل اهتماما شخصيا بالبعثة وبما تؤديه من عمل، وهو ما رسخ لدى أعضائها قناعة بأن المملكة تتبنى دورا محوريا في هذا المجال، ومهد لإنجازات نوعية على صعيد التوثيق والتصوير.
وسجل الشنطي تفاصيل هذه الرحلة وما دار فيها من لقاءات وبحوث، مقدما توثيقا شاملا للبيئة العلمية التي أحاطت بالبعثة، وأكد في كتاباته أن الدعم الذي تلقته من قيادة المملكة، وفي مقدمتها استقبال الملك فيصل، شكل نقطة تحول في مسيرة التعاون العلمي بين المملكة والمعهد، ولم يقتصر أثر هذه البعثة على القدر الكبير من المخطوطات المصورة والبيانات المفهرسة، بل امتد ليؤسس لمرحلة جديدة من الانفتاح العلمي وتبادل الخبرات في مجال صون التراث.
في ذلك العام أوفد معهد المخطوطات العربية بعثته الثانية إلى المملكة العربية السعودية، وهي التي عرفت لاحقا بـ”أم البعثات” لغناها وتنوع أنشطتها، إذ جابت هذه البعثة اثنتين وعشرين مكتبة عامة وخاصة في مناطق مختلفة من المملكة، بدءا من الرياض، مرورا بالمنطقة الغربية والمنطقة الشرقية، وانتهاء بمكتبات خاصة ذات قيمة عالية. وتمكن فريق البعثة من تصوير 428 مخطوطا أصيلا بلغ مجموع أوراقها نحو 65470 ورقة، وحظيت مكتبة الأمير عبدالله بن عبدالرحمن الخاصة بتوثيق سبعة مخطوطات نادرة منها، وهو ما أضاف بعدا شخصيا يبرز إسهام الأسر العلمية في إثراء رصيد المخطوط العربي.
القيمة المضافة لهذه البعثة لم تكن محصورة في الأرقام، رغم أهميتها، بل في كونها أسست لعلاقة متينة بين معهد المخطوطات العربية والمملكة العربية السعودية، فالمملكة منذ ذلك الحين صارت تعد شريكا رئيسيا في حركة صون التراث العربي، وهو ما تجلى لاحقا في مبادرات مؤسساتها الثقافية، وعلى رأسها مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية الذي تأسس عام 1983، إذ جعل المركز من العناية بالمخطوطات أحد أهدافه الكبرى، فجمع عشرات الآلاف من العناوين، ويحتفظ بنحو 30 ألف مخطوط أصلي، إلى جانب إنجازات في الترميم والمعالجة والتعقيم شملت أكثر من 330 ألف كتاب ومخطوط ووثيقة.