"أسبوع سينما لبنان": ملامح صورة جماعية نيابةً عن تاريخ مفقود
جنى بزي
السبت 27 أيلول 2025
في بيروت، طرابلس، صيدا، حمانا، أميون، النبطية وبعلبك، تُضاء الشاشات هذا الأسبوع في إطار فعالية "أسبوع سينما لبنان-أفلام من ذاكرة لبنان"، الممتد من 21 حتى 26 أيلول 2025، بتنظيم من وزارة الثقافة. ستة أفلام لبنانية مختارة، من فترة ما بين الخمسينيات والتسعينيات، تعيد إلى الجمهور محطات من تاريخ السينما اللبنانية، من الأبيض والأسود وصولاً إلى تجارب وثائقية وروائية ارتبطت بالذاكرة والحاضر.
الافتتاح كان في "المسرح الوطني اللبناني - سينما الكوليزيه" في شارع الحمراء بعرض فيلم "إلى أين؟" (1957) لجورج نصر، العمل الذي يُعد من العلامات المؤسسة في مسار السينما المحلية. يحكي الفيلم قصة رجل يهاجر ليعيل عائلته، وهي صورة تختصر واقع آلاف اللبنانيين في تلك الحقبة. مشهد الأبيض والأسود بدا متجدداً أمام جمهور متنوع، جمع شباباً وكباراً في السن، وكأن الزمن يمد جسراً بين الأمس واليوم.
وحمل البرنامج تنويعات من التجارب السينمائية: فيلم "كان يا ما كان بيروت" لجوسلين صعب؛ "ليلى والذئاب" لهيني سرور؛ "همسات" لمارون بغدادي الذي يرافق الشاعرة نادية تويني في رحلة داخل بلد مشرذم العام 1980؛ إضافة إلى "سهريّة" لزياد الرحباني بمثابة تحية ختامية، وعرض أول للفيلم الوثائقي "وليد شميط: حياة في قلب السينما"، الذي يستعيد مسيرة شخصية أساسية في المشهد الثقافي والسينمائي خلال الستينات والسبعينات.
واختيار هذه الأعمال لم يكن عبثياً. تقول المستشارة الإعلامية لوزير الثقافة، أمل منصور، لـ"المدن": "الأفلام عُرضت كي يتعرف جيل الشباب إلى التجارب الأولى للسينما اللبنانية التي شاركت في مهرجانات عالمية وحازت إعجاب النقاد. الهدف استعادة الذاكرة وتشجيع هذا الجيل على إدراك أهمية الصناعة السينمائية اللبنانية"..
هوية متنازعة
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن الحديث عن "هوية" سينمائية لبنانية؟
يرى المخرج والأستاذ الجامعي، هادي زكاك، أن الإشكال يرتبط بلبنان نفسه. يقول لـ"المدن": إن "الهوية اللبنانية نفسها مكونة من هويات متعددة. في السينما، الحرب الأهلية ولّدت شعوراً بالمعاناة المشتركة، وهذه التجربة ساهمت في تشكيل ملامح لصورة جماعية، خصوصاً أن التاريخ لم يُكتب رسمياً وكأنه وُثق من خلال الأفلام والروايات والمسرحيات".
في رأي زكاك، السينما اللبنانية ظلت تبحث عن نفسها طويلاً. في العقود الأولى، ارتبطت بالفولكلور والبُعد السياحي، فاجتذبت الطبيعة اللبنانية مخرجين محليين وعرباً. أفلام الرحابنة مثلاً صاغت القرية على أنها فضاء مثالي، بينما طغت اللهجة المصرية بعد تأميم السينما في مصر حتى اندلاع الحرب الأهلية. تلك الحرب فرضت التحدث باللهجة اللبنانية، ودفعت السينما إلى تناول قضايا المجتمع والسياسة بعيداً من الوظيفة الترفيهية البحتة.
الأرشيف الموازي
يرى زكاك أن السينما اللبنانية شكّلت "أرشيفاً بديلاً" للتاريخ غير المكتوب: "الأفلام التي أُنتجت خلال الحرب الأهلية حملت مواقف سياسية، وغالباً يسارية، وواجهت محاولات المحو التي تبعت العفو العام في 1991. حتى بعد الحرب، الرقابة منعت الخوض بعمق في موضوعاتها. لكن بمجرد مشاهدة هذه الأفلام يتشكل سرد شبه متكامل للحرب من بدايتها حتى اليوم".
من هنا، تحمل عروض "أسبوع السينما اللبنانية" قيمة إضافية تتخطى حدود الترفيه أو الاستعادة النوستالجية. فالمشاهدة تتحول إلى قراءة للتاريخ من زاوية مختلفة، ولقاء مع أسئلة ما زالت مفتوحة ولم تجد أجوبتها بعد.
لكن الهوية وحدها لا تكفي. فالصناعة شرط أساسي لأي سينما حية. يوضح زكاك أن لبنان عرف صناعة سينمائية فعلية فقط بين العامين 1964 و1968، حين عملت الاستديوهات والعجلة الإنتاجية بشكل متكامل. بعدها، عادت السينما إلى التجارب الفردية التي تصطدم دائماً بضيق السوق المحلي وبالأزمات الاقتصادية. "اليوم نحن في مرحلة انهيار بدأت مع الانهيار الاقتصادي. كل فيلم يحتاج سنوات من التحضير، ولا وجود لدورة إنتاج متواصلة تسمح بقيام صناعة"، يقول زكاك.
بحث عن استمرارية
وزارة الثقافة تبدو واعية لهذه التحديات. تقول منصور لـ"المدن": "في كانون الثاني المقبل، ستُعقد ورش عمل تضم العاملين في الصناعات الثقافية، ومن بينهم السينمائيون، لتشخيص مشكلاتهم وصياغة استراتيجية للنهوض بهذا القطاع وربطه بخطة التعافي الاقتصادي وهذا ما أعلنه الوزير سلامة في المؤتمر الصحافي الأخير". وتضيف: "الثقافة يمكن أن تكون رافعة للاقتصاد الوطني، والسينما اللبنانية جزء أساسي من هذا الدور".
على صعيد المضامين، يلاحظ زكاك تغيراً في اهتمامات الجيل الجديد. فبعد العام 2005، برزت أفلام وثائقية تجرأت على محاكمة الحرب الأهلية وكشفت وجوهاً من المسؤولين عن الجرائم. "بيروت الغربية" لزياد دويري العام 1998 كان خطوة مبكرة لنقل الواقع برؤية إنسانية وفكاهية. بعده، ظهرت أعمال تتناول حروب الحاضر: حرب تموز 2006، انفجار المرفأ 2020، وصولاً إلى الحرب الإسرائيلية على لبنان العام 2024. كل ذلك أوجد استمرارية بين الذاكرة والحاضر، بين جروح الماضي وصدمات الواقع الآني.
إذاً، هل فعلا توجد هوية سينمائية لبنانية؟ السؤال يبقى مفتوحاً، فالهويات المتعددة لا تنتج صورة واحدة. يبقى المؤكد أن السينما اللبنانية مساحة تُكتب فيها السرديات، تُفكك فيها التناقضات، ويُعاد عبرها تشكيل النص السردي في غياب أرشيف وطني وحتى كتاب تاريخ مدرسي محدث أو موحد. "أسبوع سينما لبنان" يعيد طرح هذا السؤال على الشاشة: أي صورة عن لبنان ترسمها السينما؟ وأي هوية يمكن أن تتبلور في بلد متغير، يحمل في قلبه أزماته وأسئلته المستمرة؟
المصدر: المدن