"صوت مصر"...والبحث عن أم كلثوم جديدة
شريف الشافعي
الإثنين 22 أيلول 2025
هل تعود كوكب الشرق أم كلثوم (1898-1975) من جديد، تزامنًا مع الاحتفاء بذكراها الخمسين؟ ما زال هناك من يراهن على إمكانية هذه العودة الافتراضية وفق سيناريوهين؛ الأول: كسر الخط الزمني بالإبحار نصف قرن إلى الوراء واستحضار أم كلثوم نفسها، كما هي، بهيئتها وأغنياتها ومتعلقاتها وسيرتها الفنية والحياتية، لتنفتح عليها ذائقة الأجيال الحالية من الشباب والناشئة. أما السيناريو الثاني، فهو: هدر كل المتغيرات والمستجدات المجتمعية والغنائية والموسيقية والأكاديمية والعلمية، وإطلاق كشّافين في المدن والقرى والنجوع للتفتيش عن موهبة تلقائية مغمورة، لتصير بعد تشذيب وتدريب ورعاية أم كلثوم أخرى، أو صوت المستقبل.
لماذا يأتي الاحتفاء بأم كلثوم شعاريًّا في طابعه، مما قد يؤدي إلى إفساد معنى المناسبة، والانتقاص من معانيها الجوهرية وجمالياتها المجردة؟ ألا يكفي أن تكون هذه الذكرى الخمسون احتفاء خالصًا بتجربة سيدة الغناء العربي الفذة في عطائها وإشعاعها وأصالتها ومصداقيتها وتأثيرها، ومحاولة قراءتها قراءة وافية في سياقها ومرحلتها، من دون لافتة "إحياء كوكب الشرق"، ومن غير مبادرة "اكتشاف أم كلثوم جديدة"؟
مناسبتان مهمتان في مصر، يُحسب لهما بالتأكيد الحرص على بلورة تراث أم كلثوم، وإضاءته، واتخاذه نموذجًا للاحتذاء، لولا ذلك الانجراف إلى فخاخ الماضوية والاجترار والدعائية. تتجسد المناسبة الأولى في فعالية موسعة لوزارة الثقافة المصرية بمجمع الفنون في حي الزمالك (قصر عائشة فهمي)، عنوانها "صوت مصر" (أغسطس/ آب – نوفمبر/تشرين الثاني 2025).
تهدف الفعالية، التي يشرف عليها قطاع الفنون التشكيلية، إلى رسم بانوراما شاملة لأم كلثوم من خلال معرض ضخم يضم بورتريهات وتماثيل لها بأصابع فنانين من أجيال مختلفة، منهم: سيف وانلي، جورج البهجوري، جمال السجيني، صلاح طاهر، محمد بنوي، عمر عبد الظاهر، حنفي محمود، كاريل حمصي، أحمد عبد الكريم، إبراهيم خطاب، خالد سرور، سعيد سيد، خالد حافظ، أحمد عبد العزيز، طاهر عبد العظيم، عبد الوهاب عبد المحسن، عماد إبراهيم، محمود حمدي، طارق الكومي، وغيرهم. كما يضم المعرض المتنوع بعض مقتنيات أم كلثوم ومتعلقاتها الشخصية من أوراق ورسائل ونياشين وميداليات وملابس وحقائب ومجوهرات وأكسسوارات ومناديل ونظارات وأسطوانات وآلات تسجيل وغيرها، إضافة إلى مجموعة من الصحف والمقالات والصور والتسجيلات والأفلام التي توثق تاريخها وسيرتها الذاتية.
تقدم الرسوم التشكيلية والمنحوتات جوانب ثرية بطبيعة الحال من شخصية أم كلثوم، على مستوى التصوير الخارجي، والغوص الداخلي في التركيب المزاجي والنفسي للشخصية. على أن هناك تفاوتًا كبيرًا بين قيمة الأعمال الرفيعة التي صممها الفنانون البارزون، والأخرى دون المستوى التي نفذها مغمورون وهواة وشباب. وغالبية الأعمال المتميزة في المعرض هي أعمال قديمة ومعروفة، سبق عرضها كثيرًا، كما إن المقتنيات واللوازم الشخصية والوثائق وغيرها، مستعارة من متحف أم كلثوم الدائم في قصر المانسترلي بالمنيَل، والتابع لصندوق التنمية الثقافية، ولا يحمل عرضها في "صوت مصر" أي جديد للزوار.
وإن كانت لا تُغفل أهمية إتاحة هذه الأعمال مرة بعد أخرى، للتعريف بتراثيات أم كلثوم وسيرتها، إذ ربما هناك مَن لم يطلع عليها من قبل، غير أن تصدير ما يوحي بأن المعرض هو انطلاق إعجازي عكس عقارب الساعة، وإحياء كامل لأم كلثوم، واسترجاع لها من لحم ودم لتتفاعل الأجيال الجديدة معها ومع أغنياتها، هو أمر فيه الكثير من المبالغة والتهويم والتضليل. بل وفيه ما يجافي ما غنّته أم كلثوم نفسها، من أشعار مرسي جميل عزيز وألحان بليغ حمدي: "عاوزنا نرجع زي زمان.. قول للزمان ارجع يا زمان".
ومن المناسبة الماضوية "استحضار أم كلثوم الأصلية"، إلى المناسبة الثانية المستقبلية "اكتشاف أم كلثوم أخرى"، وهي مبادرة تتبناها الهيئة الوطنية للإعلام، وتستهدف البحث عن المواهب الخارقة في مختلف محافظات مصر من خلال كشّافين متخصصين. وهكذا، بعيون هؤلاء الكشافين، يمكن العثور على أكثر من أم كلثوم، بعد توفير سبل النجاح، وتهيئة البيئة الملائمة. وهذه المبادرة الأخيرة تختصر، في طموحها الجارف، إيجاد أم كلثوم جديدة في مجرد العثور على صوت موهوب قابل للتدريب والرعاية. وكأن نجاح أم كلثوم الساحق لم يكن حالة استثنائية مقترنة بمنظومة متشابكة اجتماعية وسياسية وفنية، وفي ظل مناخات وظروف وعوامل مغايرة تمامًا (فنية وسياسية واجتماعية) أدت إلى صعود نجمها في عصرها. ومن المسلّمات البديهية أن أبجديات بزوغ النجوم، أو حتى صناعتهم، تتغير من مرحلة لأخرى بطبيعة الحال.
المصدر: المدن