أحداث ثقافية أخرى
"باريس السوداء": المدينة كمختبر للوحدة الأفريقية
محمد شرف
الخميس 31 تموز 2025

يرسم معرض "باريس السوداء" Paris noir معالم حقبة من التعبير الفني تمتد لمدة خمسين عامًا من النتاج الفني، وما استتبع ذلك من تظاهرات ولقاءات ونقاشات حول تلك الفترة. صحيح أن الفترة المحددة للمعرض كانت انتهت منذ فترة قصيرة، لكن الحديث عنه ما زال ممكنًا وضروريًا، نظراً لما تركه هذا المشروع من أثر على الحياة الفنية الباريسية. وللمناسبة كان المعرض من آخر نشاطات "مركز جورج بومبيدو"، التي أتيحت لنا زيارته، والاطلاع على المعرض، قبل أن يقفل المركز أبوابه لمدة خمس سنوات من أجل تجديد قاعاته، وإعادة تأهيلها كي تعود إلى الحياة بحلّة جديدة، تتناسب مع ما يمثله هذا المركز من مكانة ثقافية، منذ افتتاحه في العام 1977.
 
ملصق المعرض
 
 
المعرض عبارة عن غوص في الحياة الباريسية النابضة، التي اعتبرت مكانًا للمقاومة والإبداع، والتي أنتجت مجموعة متنوعة من الممارسات الفنية، بدءًا من الوعي بالهوية والتمسك بها، إلى البحث عن اللغات البلاستيكية - التشكيلية عبر الثقافات. من أعمال التجريد عمومًا، إلى تلك الأفريقية الأطلسية، عبر السريالية والتشكيل الحر، تكشف هذه الرحلة التاريخية عن أهمية دور الفنانين المتحدرين من أصل أفريقي في إعادة تعريف الحداثة، وما بعد الحداثة أقيمت في المركز أربعة أجنحة خصيصا للمعرض، وذلك من تصميم فاليري جون وناتالي ليروي في أوشفي وجاي رامير وشوك وان. وفي وسط المعرض، أقيمت مصقوقة دائرية اتخذت شكل المحيط الأطلسي، بحيث تحول هذا المحيط إلى ما يشبه القرص، إضافة إلى شبكات تربط بين الأجزاء، تبدو وكأنها تمثيل لروابط الصداقة، التي أخذت شكل خرائط حية وغير منشورة، في كثير من الأحيان، لمدينة باريس.
 
بابا إيبرا تال معرض جماعي فريد من نوعه
 
 
هذا المعرض الطموح جمع ما يقرب من 300 عمل لـ 150 فنانا رئيسًا، مما من شأنه أن يوضح التأثير الكبير لهؤلاء المبدعين على الفن الحديث، وما بعد الحداثة.. تقول أليسيا نوك، أمينة المعرض، أن "باريس السوداء هو معرض جماعي كبير، يقدّم 150 فنانا من منطقة البحر الكاريبي وأفريقيا والولايات المتحدة. إنه يتتبع ملحمة إنهاء الاستعمار المذهلة في باريس، ويظهر المدينة كمختبر للوحدة الأفريقية، وورشة عمل مناهضة للاستعمار". يرفع المعرض فكرة تمثيل مركز باريس للأممية السوداء ويكشف عن جزء مهم من المشهد الفني الفرنسي في النصف الثاني من القرن العشرين. إنها رحلة عبر 50 عاما من تاريخ الاستعمار، حيث نكتشف كيف ساهم هؤلاء الفنانين في إعادة كتابة تاريخ الفن الحديث والمعاصر، وكيف ابتكروا الفن التجريدي الخاص بهم، أو السريالية بحسب منظورهم وتفسيراتهم. "لقد كانت باريس نقطة التقاء للفنانين والموسيقيين والمثقفين الأميركيين من أصل أفريقي، الذين كانوا يفرّون من ممارسات الفصل العنصري في بلادهم. لقد وحّدت هذه الشخصيات أصواتها مع أصوات الفنانين الأفارقة والكاريبيين لقيادة النضال من أجل الحقوق المدنية والعدالة العرقية"، كما يؤكد أوشفا باروا دي كايفيل، نائب أمين المعرض. 
 
 
ويلسون تيبيريو - مشهد من عيد فاندو
 
أمّا عن البعد الجماعي لهذه التجربة، فيقول: "هناك أميركيون من أصل أفريقي، وشعوب كاريبية، وأفارقة، ومتحدرون من أصل أفريقي. تتمثل المسألة بجمعهم معا حول فكرة باريس السوداء. التركيز ليس على الجغرافيا أو على الجوهر، إنها ليست مسألة عرق. بدلا من ذلك، يتعلق الأمر بالوعي الأسود، وهي تجرِبة مشتركة تتجسد في المعرض من خلال الدائرة الموجودة في قلبه". كما يضيف: "هنا يمكنك أن تشعر بما يكون عليه الوعي الأسود، وهي تجربة مشتركة تستند إلى تجربة العبودية، وتجربة العنصرية الشائعة لدى معظم الفنانين المشاركين" وللمناسبة، فقد تجاهلت المتاحف الفرنسية لفترة طويلة هذا الموضوع، علمًا أن الفنون البصرية السوداء كانت وجدت مكانها على الساحة الدولية، وقد استحوذ مركز بومبيدو فعلًا على حوالي أربعين عملا من بين تلك المعروضة، كي تصبح من ضمن مجموعاته الفنية.
 
سكيندر بوغوصيان
 
لقد كُشف في هذا المعرض عن فنانين غير معروفين، ممن كانوا رسموا بانوراما غنية للتجارب الفنية السوداء في باريس، من العام 1950 وحتى العام 1990. وهكذا، فإن عددًا لا يحصى من الأعمال التي تحملت وطأة العنصرية، والتي لم تكن مرئية حتى الآن لعامة الناس، تدخل في هذه المدّة الزمنية مجموعات المتحف الوطني للفن الحديث. تشرح أليسيا نوك، وهي أيضا أمينة التراث والمنسقة المساعدة لـ"باريس السوداء"، في مقابلة مع صحيفة ديلي أوك الصعوبات التي يواجهها الباحثون في الترويج لموضوعات ما بعد الاستعمار داخل المتحف، كما يتضح من خلال معرض: "باسكيا وأفريقيا"، الملغى سابقًا.  تشرح نوك وجهة النظر التي تسببت في سخط الباحث كريس سيريل، وهو حاليا طالب دكتوراه في الفلسفات الأفرو- كاريبية في جامعة نيويورك، وأستاذ في كلية الدراسات العليا للفنون في كليرمون إم أوتروبول. لقد أوضح كريس سيريل كيف أن أعماله العلمية والفكرية قد تم حجبها، مما يدعم السؤال الذي يطرحه: "هل يعمل هذا المعرض الواعد على "إنهاء استعمار المتحف"؟ إن الأضواء الرائعة لمركز بومبيدو على نصف قرن من الإبداع الخفي هي ذات أهمية كبيرة. لم يكن يدهشني عدم رؤية اسمي سابقًا في أي مكان، أنا، الرجل الأسود، عملت لأكثر من عام في مركز بومبيدو كمسؤول أبحاث حول قضايا ما بعد الاستعمار ومسألة إنهائه، وحول معرض "باسكيا وأفريقيا" الملغى، جمعت المعرفة، وتحدثت مع أليسيا نوك عن اهتمام التنظيم المستوحى من الفكرة الموسيقية للدوامة – وهو عنصر أجده اليوم في المجموعة الصحفية لمعرض "باريس السوداء".
 
إيبا ندياي فنانون من أمكنة مختلفة
 
 
يتم تمثيل غالبية الفنانين العارضين بعمل واحد، وهذا الأمر يعتبر كافيًا من أجل إظهار التأثير البانورامي. في هذه الحالة، تبدو بعض الأسماء مألوفة: ويفريدو لام، هيرف أوت، أوتل أوشماك، عثمان سو، فيث رينجولد. يتم الترويج لشخصيات الوصاية: الجنوب أفريقي جيرارد سيكوتو، الذي تم اختيار صورته الذاتية للملصق، الأميركي الأفريقي بوفورد ديلاني الذي كانت لوحاته، التي عملت بتوتر بين ما بعد الانطباعية والتجريد، أوشدوارد جليسانت الذي رسم تركيبه الدائري المستوحى من شاعرية المفكر المارتينيكي فاليري جون .
 
جورج كوران
 
 
يمثل الحضور المفرط للفنانين الأميركيين من أصل أفريقي تحديًا. يمكن تفسير ذلك من خلال حقيقة أن أعمالهم يمكن الوصول إليها بشكل أفضل، وتوثيقها بشكل أدق. لم يترك فنانون آخرون أي أثر يذكر لمرورهم الباريسي، ولم يبد النقاد اهتمامًا كبيرًا بهم، ونادرًا ما تم جمع تلك الأعمال. من أجل محاولة مواجهة هذه الصعوبة، أجرى فريق معرض باريس السوداء تحقيقات مكثفة، ووضعت سياسة لاقتناء الأعمال. وإذ تم التخلي عن المرشح الباريسي في هذه الحالة، فلأن "التحيز العرقي" كان مرده التصاق المعرض بموضوع "اكتشاف" الفنانين. لقد درس المنظمون نظريات الاستعمار في التعامل مع هذا النوع من الميل بعناية، علمًا أن اعتماد رؤية خارج مركز بومبيدو قد يؤدي إلى منظور آخر. إن معظم الفنانين العارضين معروفون فعلًا، وموجودون في تاريخ الفن الوطني: الفنانون الأميركيون من أصل أفريقي في طبيعة الحال، ولكن أيضا بن إنونوو، الفنان الرسمي في نيجيريا، كرا نغيسان ويكوبا تور من ممثلي حركة فوهو فوهو الإيفوارية، حتى سيكوتو، وقد أعيد الاعتبار إليه على الرغم من نفيه كجزء من تاريخ الفن في جنوب إفريقيا، أو عمل صديقه ويلسون تيبريو، الذي تمت مناقشته وتحليله بشكل أساسي داخل الفن البرازيلي الحديث.
 
 
رادهامس ميجيا
 
 
نهاية، إن معرض باريس السوداء يفرض نفسه كضرورة، حتى وإن ظلّ الطابع المحافظ السائد داخل المؤسسة قويًا. إلا أن تنظيمه يثير تساؤلات حول العمل السريّ للأيدي الصغيرة التي يُخفِيها عن غير قصد. يقول أحد النقّاد متحسّرًا: "كم من باحثين ومتدربين وهيئات تابعة يُستغلّون لصالح قائد أو قيّم. هذه كلها اختلالات هيكلية يجب التشكيك فيها". وتتساءل إيفا باروا دي كايفيل: "تشير مشاعر كريس سيريل، الذي لا أعرفه، إلى بعض الحقائق. لكنني أتساءل إن كانت وسائل التواصل الاجتماعي، بؤر سيطرة ما بعد الحقيقة، هي المكان المناسب للتفكير جديًا في هذه الأسئلة". من ناحيته، يستنتج كريس سيريل: "هذه القضايا تتجاوز إطار معرض "باريس السوداء"، لكن هذا الخطاب يُثير المزيد من الأسئلة ويُتيح لنا الاستشهاد بالأشياء وتسميتها، وأعتقد أن هذا أمر جيد".
 
 
المصدر: المدن