لبنان يودع زياد الرحباني في موكب حزن تاريخي
بتول يزبك
الثلاثاء 29 تموز 2025
لأسبابٍ بالغة الرمزية، تمدّدت الفاجعة وابتلعت بيروت بخبر رحيل زياد الرحباني. استفاقت المدينة مُتعبةً مُرهَقةً صباحًا على ميتته المباغتة، وكأنّ المدينة المحكومة بالعبث قد فجعت بفقدان هذا الكائن خفيف الظلّ، متناقض الطباع، فائض الحياة.
تشقّ السّيارة السّوداء طريقها أمام جمعٍ من المنتظرين منذ بواكير الصباح. سيارةٌ سوداء يتقدّمها موكبٌ من الدراجات الناريّة التابعة لقوى الأمن الداخليّ، تشطر جموع المنتظرين في الشارع الموارِب أمام مستشفى الخوري عند حافة شارع "بلس" الشهير، نصفين. تزدحم الأزقة المتفرّعة عن الشارع الرئيس بكلّ السيارات، فيما يتقدّم موكبُ المشيّعين والمغنّين والمصفّقين لزياد الذي وسّعوا له؛ فهو "ملك الساحة اللبنانية". وُزِّعت الصور والجرائد التي صدرت "كرمى لإرث زياد". دوّت الزغاريد والتصفيق، وتقدّم موكبُ درّاجات قوى الأمن الداخلي لفتح الطريق.
يتحرّك الموكب ببطء عبر شارع الحمرا وصولًا إلى سبيرز، فبرج المرّ وأوتوستراد الأشرفية، ويتمدّد مثل خطٍّ يرسم جغرافيا المدينة. وعلى طول الطريق رُفِعت أعلام الحزب الشيوعيّ اللّبنانيّ والرايات الفلسطينيّة. كُثْرٌ من السابلة وسائقي السيارات توقّفوا أمام الموكب المهيب الذي ضمّ رموز اليسار وشبابه، والمتحيّرين والنافرين منه، من الشباب اليافع إلى الكهول، فأصدقاء زياد السبعينيّون.
طاف جسد زياد لآخر مرّة في أزقّة المدينة: ثمّة من صفّق، وثمّة من قبّل السيارة السوداء، وآخر رمى الورود، وآخر رقص بهذيان، وذاك غنّى، وآخر ابتسم. كلٌّ رثى زياد ابن المدينة على طريقته، والمدينة وقفت مبهوتةً أمام مشهدٍ كان حتمًا قدرًا رهيبًا. جميعهم مشوا وراء جنازته بقلوبٍ مفتوحة؛ بكوا الراحل وأنفسهم والمدينة الّتي استحالت -ليومٍ واحدٍ وأخير - له وحده. هو الصادق في عناده، المتطرّف غالبًا، كان الكلّ اليوم أصدقاءه: من الكتائب إلى الشيوعيّ، ومن الليبراليّ إلى اليساريّ. فبيروت، الأمّ الثكلى، لم تبكِ وحدها؛ بكاها أبناؤها: جيلٌ شابّ استعار نكاته ليسعف نفسه من ملل الانهيار، وجيلٌ أقدم كان يجد في مفاتيح بيانو شقّة زياد الصغيرة خريطةً إلى الملاجئ. بين هذين الجيلين ظلّ هو الخيط الرفيع الذي يصل الغد بالحرب، لا يقطعه إلا تقشّف الفاجعة الّتي صارها.
من بيروت إلى بكفيا
بعد اجتياز نهر الموت، سلكت السيارات الطريقَ البحريّة ثم داخليًّا نحو أنطلياس فبكفيا. ازدانت الشرفات على طول الطريق بصور الراحل زمن مسرحيّة "بالنسبة لبكرا شو؟" وأُذيعت أغاني فيروز الوداعيّة من مكبرّات الصوت وراديو السّيارات، كان صوت فيروز "أنا الأمّ الحزينة" الصوت الوحيد الذي يدوي في أرجاء العاصمة وعلى طول موكب التشييع. صوتها البلوريّ، في الشوارع والأزقة والقلوب.. على امتداد الطريق المتصاعد، المجهِد، اللولبي، المُطلّ على المدى المفتوح لسطوح القرميد التي تُكلّل البيوت الحجرّية الواطئة المطمورة بشعاع الصباح، انتشرت لافتات ضخمة من أصدقاء زياد، فيها صورته وكلماتٌ من مسرحياته وأغنياته اليساريّة غالبًا، إلى جانب صور بشير الجميّل وأعلام حزب الكتائب المعتادة هناك.
مواكبُ ضخمة من المعزّين من كلّ حدبٍ وصوب، ممن لا يعرفون زياد شخصيًا، حضروا لوداعه. وبعد أقلّ من ربع ساعة، وبعد انتظارٍ مديد، توقّفت سيارة سوداء صغيرة أمام البوابة الشماليّة. نزلت منها فيروز، ابنة التسعين عامًا، متشحةً بالسواد وبشالها الأسود الموشّى، وإلى جانبها ريما الرحباني. دخولها الصامت إلى داخل الكنيسة أثار موجة تصفيقٍ خافت ودموعًا بين الواقفين في الساحة. وزياد، الذي أخرج فيروز -أمه- من مشهد "الطبيعة الريفية" إلى أحياء بيروت، عاد اليوم إلى حضنها، عند مشارف المتن الأعلى، مُتنِ الجبل المُشرِف على بيروت. مشت "الأم الثكلى" وطافت بين ناسها، كهديةٍ أخيرةٍ وعِرفانٍ بجميل ابنها؛ مشت بينهم، هي الّتي كانت هناك بمنأى عنهم وكان زياد يُطالبها بأنّ تسير بينهم، بسحنتها الملائكيّة الخافتة، بصمتها، وحزنها المندلق من قلبها، والحبور الذي لفّها كهالةٍ. التقت أصدقاءه اليساريين، التقت أصحابه من "الغربية" تلك، وسمحت لهم أن يروها، يلمسوها، ويغدقوا عليها حزنهم على مصابها، هي الّتي غابت طويلًا حتّى بات حضورها مفارقاً وغرائبيًّا. هذه هي هديتها الأخيرة لزياد.
في الكنيسة: سكونٌ يقطعه التصفيق
في الصحن الكبير للكنيسة العتيقة، وضعت الأكاليل، وجلس المعزّون من الدامعين والمستذكرين والمُغنين لأغاني الراحل. وفي الداخل، وُضع النعش أمام هيكل كنيسة رقاد السيدة، فيما انتصبت حوله شموعٌ طويلة تحت قبّة الكنيسة البديعة، ارتص جموع المُعزين في طابور، قبلوا النعش، صلّوا عليه، قرأوا الفاتحة، رموا الورد. ثمّ اقتربت فيروز بهدوء وجلست في الصف الأول تُحدّق في الخشب المصقول؛ عندما انتشرت صورة سحنتها الملائكية المرتعشة على الشاشات، زاد من رهبة المشهد الجنائزيّ.
وتوالى السّياسيون والفنانون إلى "صالون القديس يوسف" الملحق بالكنيسة. رئيسُ الحكومة نواف سلام سلّم العائلة وسامَ الأرز الوطني من رتبة كومندور، مُكلَّفًا بذلك من الرئيس جوزف عون، وألقى كلمة مقتضبة وصف فيها الراحل بأنه "صرخة جيلنا الصادقة"، مؤكّدًا أن "لبنان كلّه شريك في هذا الحزن الكبير". على بُعد أمتارٍ قليلة، تقدّمت ماجدة الرومي باكيةً نحو فيروز، انحنت وقبّلت يدها، فيما انهارت الممثلة كارمن لبّس وهي تعانق النعش رافضةً الابتعاد عنه قبل أن يسحبها رفاقها بلطف. أسماءٌ أخرى حضرت؛ من راغب علامة إلى كارول سماحة، ومن وجوهٍ يسارية هرِمت إلى شبابٍ يحفظون "بلا ولا شي" عن ظهر قلب.
عند الخامسة عصرًا اصطفّ أقارب الدرجة الأولى حول النعش. بعد دقائق، حمل أصدقاء زياد النعش على الأكتاف على وقع الزغاريد والأغاني ورقصوا به، لينسحب الموكب إلى مدافن العائلة في محيدثة- بكفيا، حيث وُوري زياد الثرى.
بذلك انتهى اليوم الطويل الذي مشى فيه اللبنانيون ومحبّو زياد خلف نعشٍ واحد. ذاب الخطّ الأحمر الذي رسمته السيارات من شارع الحمرا إلى بكفيا في عتمة الليل، لكن أغاني زياد وكلماته ظلّت مضاءةً في أذهان جيلٍ لم يصدّق بعد أنّ صوته انطفأ.
المصدر: المدن