أحداث ثقافية أخرى
إعادة كتابة التاريخ بعيون نسوية لبنانية
صبحية نجار
الأربعاء 16 تموز 2025

يُعيد كتاب "استعادة تاريخ حقوق النساء والحركات النسوية في لبنان وتحريره من الاستعمار" للكاتبة لينا أبو حبيب، مديرة معهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة في الجامعة الأميركية في بيروت، بالشراكة مع كارلا عقيل ومروان عيسى، قراءة للذاكرة الوطنية بعدسة نسوية تحررية وبلغة بسيطة.
 
ومن المعروف أن الرواية النسوية اللبنانية لم تبدأ من الصالونات، بل من أرض المصانع والاحتجاجات؛ من قصص العاملات الفقيرات لا من منابر النخب. لكن "النساء اللواتي ينظمن ويطالبن بالتغيير نادرًا ما يكتبن تجاربهن الحياتية، ونرى هذا العمل كوسيلة لدعم النساء وتشجيعهن على كتابة قصصهن بأنفسهن، كما قالت أبو حبيب في مقابلة لـ"المدن". تُعدّ لينا أبو حبيب من أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي. وهي من النسويات البارزات اللواتي لطالما دافعن عن حقوق النساء والمهمشات في لبنان والمنطقة.
 
يروي الكتاب الصادر عن مؤسسة فريدريش إيبرت "FES" في لبنان قصص استعادة حقوق النساء، وهو مؤلف من 72 صفحة، ومن تسعة أقسام تتناول مواضيع متشابكة مثل: التاريخ الشفوي للنسوية اللبنانية، قوانين العمل، نضالات العاملات، القوانين الطائفية، ودور النساء في احتجاجات 17 تشرين ... يعكس كل فصل جهدًا لتوثيق سرديات نسوية من الهامش، ويشكل في مجموعه محاولة جريئة لإعادة كتابة الذاكرة النسوية اللبنانية بلغة تقاطعية، شعبية، وبديلة للسردية الرسمية.
 
ولا يمكن الحديث عن هذه السرديات دون التوقف عند من صنعها فعليًا على الأرض. بطلات هذا الكتاب هنّ النساء اللواتي أطلقن شرارات التغيير من دون أن يُسلّطن الضوء عليهن. هنّ العاملات في مصانع "الريجي" و"الغندور"، اللواتي تحدّين الفقر والهيمنة الذكورية. هنّ الناشطات الكويريات، الأمهات، المربيات، والنساء في الأرياف، اللواتي نسجن نضالًا يوميًا من داخل البيوت، الحقول، وصفوف العمل غير الرسمي. هؤلاء النساء، بصمتهنّ وشجاعتهنّ، يشكّلن العمود الفقري لذاكرة نسوية مقاومة ومنحازة للهامش. ويبرز من بينهنّ وردة بطرس إبراهيم، التي بدأت العمل في شركة "الريجي" في سن السادسة عشرة، بعدما انتقلت مع عائلتها من بكفيا إلى بيروت هربًا من الفقر. كانت من أوائل النقابيات اللواتي اقتحمن الفضاء الذكوري في الاتحاد العام لنقابات العمال في الأربعينات، ولم تكن مجرد مشاركة، بل كانت تنظم وتقود وتقارع. دفعت وردة ثمن نضالها حياتها، فصارت أوّل شهيدة للحركة النقابية اللبنانية، وترك غيابها أثرًا لا يُمحى في ذاكرة النضال العمالي. كان قانون العمل الصادر عام 1946 تتويجًا جزئيًا لنضالات عاملات مثل وردة، نساء خاطرن بكل شيء لأجل العدالة.
 
 
النقابية وردة بطرس
 
يصف الكتاب نساء مصانع "غندور" و"الريجي" وكأنهن «جيرمينال» لبنان؛ دماؤهنّ، وعرقهنّ، وصمودهنّ غذّت حركة عمالية طالما أُقصيت من الذاكرة الوطنية. اسم «جيرمينال» يعود إلى رواية إميل زولا الشهيرة الصادرة عام 1885، والتي سلّطت الضوء على بؤس الطبقة العاملة في مناجم فرنسا، وخاصة النساء، ودورهن في إشعال أولى شرارات التغيير النقابي. وبالقياس، فإن العاملات اللبنانيات في "الريجي" ومعمل "غندور" قدّمن نموذجًا نسويًا طبقيًا ثوريًا، لا يقل أهمية عن مثيلاتهنّ في أوروبا. 
 
ومن تجربة وردة بطرس، ننتقل إلى مساحة أوسع من النقد البنيوي، حيث تنطلق لينا أبو حبيب في هذا العمل من محطات نضالية كُتبَت على هامش التاريخ الرسمي..، بل جعلت منها منطلقًا لبناء سردية نسوية بديلة. في مستهل هذا العمل، تؤكد لينا أبو حبيب أن هذا الكتاب لم يُكتب في زمن رفاه أو استقرار، بل وُلد من قلب العاصفة. تقول: "كُتب في ظروف صعبة، وسط الحرب، والعنف، والانهيار، والانفجار، والانقطاع عن الكهرباء والإنترنت ومع ذلك، اخترنا الاستمرار، لأن الكتابة في هذه اللحظة ليست ترفًا، بل مقاومة". وبين دويّ الانفجارات، وانقطاع الكهرباء، وانهيار الدولة، قرّرت هي وفريقها أن يكتبوا... الكتابة هنا لم تكن ترفًا، بل فعلًا من أفعال الصمود. كانت مقاومةً بالمعرفة في وجه النسيان. تجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب كُتب في نسخته الأصلية باللغة الإنجليزية، ثم تُرجم إلى العربية، مما يعكس حرص الكاتبة على إتاحته لجمهور واسع داخل لبنان والمنطقة.
 
في هذا السياق التاريخي والاجتماعي، تظهر أهمية هذا التوثيق كما تذكّر الكاتبة: "أن تاريخ الحركات النسوية في الجنوب العالمي لطالما جرى استخلاصه وإعادة حَبكه من قبل باحثين في الشمال العالمي. عملية إزالة الاستعمار تعني استرجاع هذا التاريخ وكتابته بأنفسنا".
 
هذا العمل ليس مجرد توثيق تاريخي، بل هو مساءلة نقدية يعيد تجميع ذاكرة أُقصيت عمدًا من قبل الدولة، ومن قبل الخطابات السائدة، بل أحيانًا من قبل بعض التيارات النسوية ذاتها. إن استعادة قصص النساء المهمشات هو استعادة لذاكرة نسوية لبنانية تقاطعية وجماعية.
 
منذ البداية، يكشف الكتاب كيف أن النظام القانوني في لبنان بُني على الإقصاء. فقانون الجنسية لعام 1925 ما زال يمنع الأم اللبنانية من منح جنسيتها لأولادها. وتخضع النساء لثمانية عشر قانونًا طائفيًا للأحوال الشخصية، تحكم زواجهنّ وطلاقهنّ وحضانتهنّ وميراثهنّ. أما القوانين المدنية، فحتى وقت قريب كانت تتغاضى عن جرائم الشرف، ولا تعترف بالتحرش الجنسي، وتُجرّم العلاقات المثلية.
 
ورغم هذا الواقع، قاومت النساء. لم يتوقف نضالهنّ، بل تكيف مع الظروف. من إضرابات العاملات في المصانع، إلى الصالونات الثقافية، إلى المحاكم، إلى الشوارع.
 
 
دولة بُنيت على إسكات النساء
 
يتقاطع هذا الطرح مع نقد أوسع لمنظومة القوانين اللبنانية حيث يشكّل الإقصاء أحد أبرز ملامح النظام القانوني اللبناني إذ لا تزال قوانين تعود إلى ما قبل الاستقلال تحكم مصير النساء. فقانون الجنسية الصادر عام 1925، مثلاً، لا يزال يمنع الأم اللبنانية من منح جنسيتها لأطفالها، في حين تخضع النساء لثمانية عشر قانونًا طائفيًا للأحوال الشخصية، تنظم أدق تفاصيل حياتهن الخاصة: من الزواج إلى الطلاق، الحضانة، والميراث، وهي بمجملها تكرّس هيمنة ذكورية تتغلغل في بنية الدولة والمجتمع. أما على الصعيد المدني، فلم يكن الوضع أفضل: فحتى وقت قريب، كانت جرائم الشرف تمر بلا عقاب، والتحرش الجنسي لا يعترف به كجريمة، والعلاقات المثلية تُجرّم.
 
لكن هذه القوانين ليست معزولة عن السياق، فهي انعكاس صارخ لنظام أبوي يرى النساء إما وعاءً للعار أو وسيلة للتكاثر، فيحصر أدوارهن في منظومة السيطرة. ورغم هذا، فإن النساء لم يخضعن بل واجهن هذا النظام بشجاعة وإصرار، من البيوت إلى الشوارع، من المحاكم إلى المصانع.
 
لكن هذه النساء لم يتحدثن بلغة المانحين أو في ورش العمل. تحدثن بلغة الجوع، والعرق، والعدالة. أدركن أن حقوق العمل هي امتداد لحقوق المرأة، ومهّدن الطريق لإنجازات قانونية لاحقة.
 
 
مرحلة المنظمات: فخ التكنوقراطية والنسيان
 
وكما يشير الكتاب الى أن المنظمات النسائية، التي نشأت في هذه المرحلة، كانت في الغالب نخبوية ومحصورة في المدن الكبرى. أصبحت النسوية مرادفة للتقارير الممولة وورش العمل. فتم تهميش العاملات المهاجرات، ونساء المصانع، والناشطات من خارج بيروت. إلا أن الكاتبة لم تتجاهل هذا التراجع، بل واجهته نقديًا، داعيةً إلى إعادة النسوية إلى جذورها: إلى الشارع، إلى البيوت، إلى القصص التي لا تجد مكانًا في المؤتمرات.
 
 
ذاكرة ممزقة: الحرب، التشرذم، والصمود
 
ثم جاءت الحرب الأهلية، لتفتت ما بُني من تنظيم نسوي، كما مزّقت البلاد. لكن النساء لم يصمتن. بل تأقلمن مع واقع الحرب، وابتكرن أدوات مقاومة يومية. من الصالونات الثقافية، إلى المبادرات المجتمعية التي سدّت فراغ الدولة، شكّلت النساء شبكة دعم غير رسمية، مقاومة في كل التفاصيل. إلا أن رواياتهن، كعادة التاريخ الذكوري، طُمست وغابت عن السرديات الرسمية.
 
ومع نهاية الحرب، دخلنا مرحلة جديدة: مرحلة المنظمات. فتحت أبواب التمويل الدولي، وارتفعت رايات المشاريع والورش والتقارير. حققت بعض الإنجازات، كقوانين مناهضة العنف الأسري وحملات منح الجنسية. لكن الثمن كان باهظًا: تم إسكات العاملات، والفقيرات، والناشطات الكويريات. وكما تذكّرنا الكاتبة، فإن الصور النمطية المرتبطة بالنسوية لا تعكس الواقع الذي ترويه النساء بأنفسهن. فاستعادة السردية لا تكون إلا عبر أصوات من خاض النضال فعليًا.
 
 
استعادة السردية في العصر الرقمي
 
في الألفينات، عادت الروح إلى الحراك النسوي، لكن هذه المرة بأدوات جديدة: الإعلام الرقمي، والتنظيم الأفقي، والسياسات التقاطعية، مجموعات كـ«نسوية» و«صوت النسوة» رفعت قضايا طالما وُئدت: من عنصرية ضد العاملات المنزليات، إلى حقوق مجتمع الميم، إلى استقلالية الجسد وعدالة العمل.
 
في عام 2015، خلال أزمة النفايات، برزت النساء كقائدات للاحتجاج. وفي 2017، نجحن في إلغاء المادة 522 التي كانت تبرّئ المغتصب إن تزوج ضحيته، من حرب 2006 إلى الانهيار الاقتصادي، كان الصوت النسوي حاضرًا، متحديًا العنف والتهميش.
 
 
انتفاضة 17 تشرين: ثورة نسوية
 
وفي ذروة الانهيار السياسي والاقتصادي، برزت محطة لا يمكن إغفالها ويشير الكتاب مثلًا إلى 17 تشرين اللحظة المفصلية التي استعادت فيها النسوية نبضها الشعبي. خرجت النساء والكويريات إلى الشارع، لا للمطالبة بالحقوق الاقتصادية فقط، بل لمواجهة منظومة كاملة: الطائفية، البطريركية، والرأسمالية. قدن سلاسل بشرية، واجهن القمع، وأعدن تعريف الفضاء العام.
 
الكتاب يسلط الضوء على الدور المحوري للناشطات الكويريات، خصوصًا المتحولات وغير الثنائيات، في قلب هذا الحراك. شاركن في بناء خطاب وطني بديل، وكسرن احتكار الدولة للهوية الوطنية. إلا أن هذا الحضور لم يكن بلا ثمن: من تحرش إلكتروني، إلى اعتقالات، إلى تضييق متزايد على الحريات. ومع ذلك، بقين صامدات.
 
 
كتابة ضد المحو
 
رغم هذه التضحيات، بقيت السردية الوطنية الرسمية صامتة. كتب المدرسة لم تذكر إضرابات الغندور أو الريجي. وردة بطرس مغيبة عن المناهج. ذاكرة النساء خصوصًا العاملات والريفيات تُمحى لصالح رواية سلطوية نُخبوية.
 
هذا الكتاب يواجه هذا المحو، لا بالتوسل، بل بالمجابهة. لا يطالب فقط بإدراج النساء في التاريخ، بل يضع المهمشات العاملات، الفقيرات، الكويريات، المهاجرات في قلب السردية. لأنه، كما تقول الكاتبة، "التاريخ ليس محايدًا، بل يُصاغ وفقًا لمن يملك القلم". لم يكن الإعلام بمنأى عن هذا التهميش، بل ساهم في ترسيخ الرواية الرسمية التي تُقصي النساء، فغابت قصص العاملات والمزارعات والمقاومات عن الشاشات والصحف. وعوضًا عن تقديم نماذج نسوية من الهامش، انشغل الإعلام بتلميع وجوه نساء النخبة. تشير الكاتبة في أكثر من موضع إلى هذا التواطؤ الصامت، وتدعو إلى إعلام بديل يعيد الاعتبار للسرديات المُغيّبة، ويضع العدسة على نضالات غير مرئية.
 
 
التاريخ يُكتب الآن
 
رغم مرور قرن من النضال، ما زال لبنان غارقًا في البطريركية. قانون العمل لم يتغير منذ 1946، ولا يزال يستثني فئات واسعة من النساء، خاصة العاملات في القطاع غير الرسمي اللواتي يُحرمن من أي حماية اجتماعية. نظام الكفالة لا يزال قائمًا، ويكرّس علاقات التبعية والاستغلال. أما العنف القائم على النوع، فيزداد تفشيًا، في ظل فراغ قانوني واجتماعي قاتل. ومجتمع الميم يواجه حملات قمع غير مسبوقة.
 
شبكات الحماية الاجتماعية، التي كان من المفترض أن تشكل صمام أمان، انهارت بالكامل. فتحت الأزمة الاقتصادية الباب لهشاشة مضاعفة، لتأتي جائحة كورونا وتعمق الجراح، ثم انفجار مرفأ بيروت ليكشف هشاشة الدولة وغيابها عن مواطنيها، وخاصة نسائها.
 
ما يميز هذا العمل أنه لا يتوقف عند التوثيق بل يتجاوزه نحو الزيارات الميدانية. في خضم هذا الانهيار، يصبح التمسك بالذاكرة النسوية فعل مقاومة. وما يمنح هذا الكتاب بعدًا خاصًا، ليس فقط رصده لتفاصيل قرن من النضال، بل لأن الكاتبة، لينا أبو حبيب، لم تكتفِ بالكتابة من خلف مكتب في العاصمة. بل اختارت أن تحمل هذا العمل إلى حيث تنبض الحياة: إلى المناطق المهمشة، إلى المكتبات الوطنية التي تحولت بفعل جولاتها إلى منصات نقاش حيّة.
 
من صيدا إلى بعلبك، من طرابلس إلى بعقلين، ومن الجنوب إلى زغرتا، جعلت من الكتاب أداة لإعادة ربط النساء بسرديتهن. هناك، في القرى والبلدات، أصبح النضال فعلًا ثقافيًا، لا مركزيًا، جماعيًا. وبهذا، فإن الكتاب لا يسعى فقط إلى توثيق الماضي، بل إلى إعادة كتابته من الهامش، من الأرض، من النساء.
 
 
ولأن هذه السردية كانت تحتاج إلى من يلتقطها ويوثقها...ومن الجدير بالذكر أن هذا الكتاب ما كان ليرى النور بهذا الشكل لولا الدعم النوعي الذي قدّمته مؤسسة فريدريش إيبرت (FES)، والتي لم تكتفِ بالدعم المالي التقليدي، بل ساهمت في تمكين هذه الرؤية من خلال ما يمكن تسميته بـ"التمويل اللامركزي واللااستعماري"، عبر دعمها لعملية تفكيك السردية النخبوية، والمساهمة في توطين التاريخ النسوي في لبنان. بهذا، لم تكن FES مجرّد جهة داعمة، بل شريكة فعلية في إعادة كتابة الذاكرة من الأسفل، من القرى والمكتبات والمجتمعات الهامشية.
 
رغم تنوع أدوات النضال وتراكم التجارب، ظل تمثيل النساء في السياسة اللبنانية واحدًا من أضعف الحلقات. فالبرلمان نادراً ما شهد حضورًا نسائيًا يتجاوز الرمزية، وغالبًا ما تم تقديم النساء في مواقع القرار كمكملات لصورة "الحداثة"، دون أن يُمنحن أدوات الفعل الحقيقي. الكوتا النسائية، التي طالبت بها الحركات النسوية لعقود، قوبلت بالرفض من النخبة السياسية التي ادعت أنها تتناقض مع مبدأ "الجدارة"، متناسية أن النظام السياسي اللبناني مبني أصلاً على الزبائنية والتوريث الذكوري. في هذا السياق، تؤكد الكاتبة أن الكوتا ليست ترفًا، بل ضرورة لكسر حلقة الإقصاء، ولضمان أن تكون النساء بكل تنوعهن حاضرات حيث تُتخذ القرارات، لا فقط حيث تُطبّق.
 
 
الرسالة واضحة: التاريخ لا يُكتب من فوق، بل من القاعدة. من النساء من الفئات المنسية والمُهمّشة. هذه ليست ذاكرة من الماضي هذه ذاكرتنا التي نكتبها الآن.
 
المصدر: المدن