أحداث ثقافية أخرى
عشاق السينما في الأردن يستكشفون السينما المكسيكية
العرب اللندنية
الجمعة 22 آب 2025

 حظي عشاق السينما في الأردن بفرصة للاطلاع على السينما المكسيكية عبر عرض لواحد من أهم الأفلام المكسيكية، هو فيلم “بيدرو بارامو” الذي عرض عام 2024.
 
واستضافت سفارة المكسيك في الأردن، بالتعاون مع مؤسسة عبدالحميد شومان ومعهد ثيرفانتس في عمّان، مساء الأربعاء، عرضا خاصا للفيلم المكسيكي الشهير “بيدرو بارامو”، من إخراج رودريغو برييتو.
 
جاء هذا الحدث في إطار الاحتفالات بالذكرى الخمسين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين المكسيك والأردن، بهدف تعزيز التبادل الثقافي والصداقة بين البلدين.
 
والفيلم هو اقتباس سينمائي عن رواية “بيدرو بارامو” للكاتب خوان رولفو، التي تُعدّ من أبرز الأعمال في الأدب المكسيكي في القرن العشرين. وتحكي الرواية قصة خوان بريسيدو الذي ينطلق بحثا عن والده بيدرو بارامو في قرية مهجورة تسكنها الأشباح.
 
نُشرت الرواية لأول مرة عام 1955، ورغم أن رولفو لم يكتب سوى روايتين، إلا أن هذه الرواية وحدها كانت كافية لتضعه بين كبار الأدباء في الأدب اللاتيني، ويعدها البعض من الأعمال التأسيسية لتيار الواقعية السحرية، وهي أسلوب سردي يمزج بين الواقع والخيال.
 
تبدأ الرواية برحلة الشاب خوان بريسيدو، الذي يسافر إلى بلدة ريفية تدعى كومالا تنفيذا لوصية والدته الراحلة، حيث طلبت منه أن يذهب للبحث عن والده المجهول: بيدرو بارامو. لكن ما إن يصل إلى كومالا حتى يجدها مدينة مهجورة يسكنها الأموات، ويبدأ في سماع أصواتهم وذكرياتهم، ليكتشف تدريجيا أن والده كان شخصية نافذة وقاسية تسببت في معاناة كثيرين.
 
تتنقل الرواية بين الأصوات والذكريات بشكل غير خطي ومنظم، مما يمنحها طابعا غامضا وسرياليا، ويجعل القارئ يعيش تجربة وجودية حقيقية، حيث تمتزج الحياة بالموت، والواقع بالوهم، والزمن بالحلم. من خلال هذه الأصوات، نتعرف إلى سيرة بيدرو بارامو، وكيف حكم كومالا بالحديد والنار، وكيف فقد حبه الوحيد، والفراغ الذي خلفه في نفوس الناس.
 
عالجت الرواية موضوعات السلطة، الفساد، الموت، الذنب، الحب، والذاكرة، وغاصت في أعماق النفس البشرية، وجعلتها بنيتها السردية المعقدة وأسلوبها الرمزي واحدة من أكثر الروايات تأثيرا في الأدب العالمي، ونالت إعجاب كبار الأدباء.
 
وسبق عرضَ الفيلم حديثٌ عن الرواية وأعمال رولفو، قدّمه السفير المكسيكي خاكوب برادو ومديرة معهد ثيرفانتس الدكتورة يولاندا سولير. وأوضح السفير برادو كيف غيّر الكاتب المكسيكي أسلوب السرد باللغة الإسبانية من خلال أسلوبه الفريد، جامعا بين عناصر الواقعية السحرية واستكشاف عميق للهوية المكسيكية. من جانبها، أكدت الدكتورة سولير كيف أثّر إرث رولفو في أجيال متعاقبة من الكتّاب وصنّاع السينما، سواء في المكسيك أو في العالم الناطق بالإسبانية.
 
يؤدي دور البطولة في الفيلم الممثلان المكسيكيان مانويل غارسيا – رولفو وتينوش هويرتا. وقد عُرض لأول مرة عالميا في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي، ثم طُرح لاحقا على منصة نتفليكس. وحاز الفيلم العديد من الجوائز، من بينها جائزة “دياساس دي بلاتا” وجائزة “ليبر” لأفضل اقتباس سمعي بصري. كما رُشح لـ15 جائزة “آرييل”، من بينها أفضل فيلم، أفضل مخرج، أفضل ممثل، أفضل ممثلة وممثل في دور ثانوي، وأفضل تصوير سينمائي.
 
ويذكر أن “بيدرو بارامو” شهدت عدة محاولات لتصويرها سينمائيا عبر عقود، حيث كانت أول محاولة بارزة في عام 1967 من إخراج كارلوس فيلو، وشارك في كتابتها رولفو نفسه إلى جانب الكاتب كارلوس فوينتيس. ورغم الطموح الكبير لتلك النسخة، لم تلق نجاحًا يُذكر على الصعيد المحلي أو العالمي، وتلتها نسخ أخرى في السبعينات والثمانينات لم تحقق تأثيرا كبيرا أيضا.
 
لكن التحول الحقيقي جاء في عام 2024، حين قدم المصور السينمائي العالمي رودريغو برييتو أول تجربة إخراجية كاملة له في نسخة جديدة للرواية.
 
والمخرج رودريغو برييتو يُعد من أبرز مديري التصوير السينمائي، وهو عضو في الجمعية المكسيكية لمديري التصوير والجمعية الأميركية لمديري التصوير. وخلال مسيرته حصل على العديد من الجوائز والترشيحات، منها أربع ترشيحات لجائزة الأوسكار لأفضل تصوير سينمائي عن أفلام: “جبل بروكباك” لأنغ لي (2005)، و”الصمت” لمارتن سكورسيزي (2016)، و”الأيرلندي” (2019)، و”قتلة زهرة القمر” (2023).
 
وفي الفيلم لعب دور بيدرو بارامو الممثل مانويل غارسيا – رولفو، وهو في الواقع أحد أقرباء المؤلف خوان رولفو، بينما أدى دور خوان بريسيادو الممثل المكسيكي تينوش هويرتا. ضم الطاقم أيضا أسماء بارزة في السينما المكسيكية مثل إيلسي سالاس ودولوريس هريدا. وقد صُوّرت مشاهد الفيلم في مناطق ريفية مختلفة من المكسيك، من بينها ناياريت وسان لويس بوتوسي، مما أضفى على الفيلم طابعا مكانيا أصيلا يعكس بيئة الرواية.
 
وتقول الناقدة مونيكا كاستيلو في موقع روجر إيبيرت في تقييمها للفيلم “ليس من المستغرب أن يكون فيلم المخرج رودريغو برييتو عبارة عن قصة أشباح جذابة مليئة بالمكائد البصرية والصور السريالية، مما يمنحه تلك المساحة من البلاغة لإظهار نقاط قوته أثناء العمل واستثمار أدوات بليغة في السرد الروائي. إنه يتلاعب بأشد المواقف سريالية، يطلق الخيال لأرواح ضائعة تطفو فوق فضاء القرية المهجورة ثم يغلفها بتخيلات حسية بالأبيض والأسود على الشاطئ كملاذ منعزل لأحد الشخصيات”.
 
ورغم نجاح النسخة الأخيرة في محاولة تطويع النص الروائي ليصبح عملا سينمائيا، مقارنة بالنسخ التي سبقتها، إلا أن بعض النقاد يرون أن “بيدرو بارامو” ليست من الروايات التي يسهل تحويلها إلى فيلم، فحبكتها الرئيسية تتعرج باستمرار، ووجهات النظر تتغير، وأحداث الرواية تنتقل ذهابا وإيابا في الزمن. وتحدث أشياء غرائبية متشابكة، وبينما تغوص في تلك الأحداث المتشابكة، قد يكون من المستحيل التمييز بين ما هو في صميم الحياة، أي في اليقظة، وما هو في الحلم. ويبرر البعض موقفه بأنه يصعب تحويل تلك الرواية إلى فيلم لأنها رواية رمزية عميقة.