أحداث ثقافية أخرى
دور الأخوين عيتاني في مسيرة زياد الرحباني وثقافة بيروت
محمد حجيري
الثلاثاء 19 آب 2025

تزامن رحيل الفنان زياد الرحباني، مع عودة البعض إلى الحديث عن خالد عيتاني وشقيقه هاشم، صاحبَي الصالات السينمائية والمسرحية في شارع الحمرا وبيروت، ومن خلال الوقائع والسرديات يتبين أنهما من أبرز صنّاع الحياة الثقافية في بيروت، ودورهما لا يقل أهمية عن مهرجانات بعلبك والندوة اللبنانية في عزّهما، وكان لهما أيضاًَ الدور البارز في ترسيخ علاقة زياد الرحباني بالمسرح، وقبل ذلك كانت علاقتهما بالأخوين رحباني وفيروز.
 
لعل سردية سريعة تظهر محورية الأخوين عيتاني وذائقتهما المبدعة والثاقبة؟ ففي منتصف الستينيات افتتحا "قصر البيكاديللي" كصالة مسرح وسينما فخمة. وشهد افتتاحها عروضاً لفرقة "اوبرا فيينواز"، وفي العام 1967 اقنعا الأخوين رحباني وفيروز بتقديم مغناة "هالة والملك" في مسرحهما وكرّت سبحة العروض  الرحبانيةمن "الشخص" (1969) و"يعيش يعيش" (1970) و"صح النوم" (1971) و"ناس من ورق" (1972)، إلى "المحطة" (1973) و"لولو" (1974) و"ميس الريم" (1975)، وآخرها "بترا" (1978) التي عرضت خلال الحرب الأهلية. المعروف أنه بين العامين 1957 و1966، غنت فيروز في لبنان وسوريا والأردن والكويت ودول أجنبية، ولم تظهر في المسرح في بيروت طوال هذه السنوات إلا في مناسبتين: الأولى لتكريم الأخطل الصغير في قاعة الأونيسكو العام 1961، والثانية لتكريم الجيش في عرض "يوم الوفاء" في مسرح سينما الكابيتول نهاية العام 1962. 
 
وازدهرت صالة البيكاديللي بعروضها، فكانت البداية مع فيلم "دكتور زيفاغو" لديفيد لين، مع عمر الشريف وجولي كريستي. ومن النجوم الذين قدّموا مسرحياتهم على خشبة "البيكاديللي"، شيريهان التي عرضت "شارع محمد علي"، وعادل إمام في بداياته مع "مدرسة المشاغبين" ثمّ "الواد سيّد الشغال" و"الزعيم". وكذلك شهدت الخشبة عروض أعمال لفريد شوقي وسمير غانم وحسين فهمي ويسرا، إضافة إلى "ومشيت بطريقي" لملحم بركات مع داني بسترس، وأعمال مسرحية وموسيقية لزياد الرحباني، "باليه البولشوي"، و"رويال باليه". غير ان شهرة خالد وهاشم عيتاني لم تأت من هذا "القصر" وحده، والذي مرت فيه داليدا في أكثر من حفلة، واستقبل فرقة "الكوميدي فرانسيز" مرتين. ففي ايار 1953، انطلقت شراكة عمل بين محمود ماميش والأخوين عيتاني، عبر تأسيس شبكة صالات سينمائية ومسرحية متنوعة، مثل "الفردوس" و"عايدة" و"سارولا" و"أورلي"، وهذه الأخيرة قدمت أعمالاً مسرحية لبرج فازليان ويعقوب الشدراوي. وهناك أيضاً سينما "هيلتون"... وغيرها من الصالات التي راحت تتوزع على رجال أعمال وموزعين آخرين، إلى أن تفككت شراكة ماميش-عيتاني مع بداية السبعينيات. 
 
سهرية
 
والقصة الأبرز لخالد عيتاني أنه في العام 1973، كان زياد الرحباني يقدم مسرحية "سهرية" في مسرح بقنّايا، فذهب عيتاني ليشاهدها، وذُهل لما رأى من إبداع شاب في عمر السابعة عشرة، وعرض على زياد أن ينتقل بالعرض إلى سينما أورلي في راس بيروت، فقال زياد: ما معي إجرة طنبر لنقل المعدات إلى الحمرا. فأقنعه عيتاني بتكفل النقل على حسابه وتمّ نقل المسرحية إلى مسرح الأورلي، ونالت نجاحاً منقطع النظير، وكان مفاجأة لفيروز وعاصي والجمهور اللبناني، وانطلقت ظاهرة زياد.
 
ويُنقل عن خالد عيتاني إنه في العام 1976، وإثر اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، خاف عاصي وفيروز على ابنهما زياد بسبب أفكاره اليسارية الشيوعية. فطلبا منه الانتقال للعيش في بيروت الغربية. واتصلت فيروز بخالد عيتاني وقالت له: "نريد أن ينتقل زياد للعيش في بيروت الغربية". فأجاب خالد: "بعيوني ست فيروز وبالحفظ والأمان".
 
سكن زياد منذ البداية في شقة ملاصقة لمستشفى نجار في الحمرا، مستأجرة لشركة عيتاني السينمائية، وبقي فيها حوالى ثلاثين عاماً... وفي الأيام الأخيرة كتب المخرج فائق حميصي في فايسبوكه: "لا يجوز الحديث عن تاريخ المسرح في لبنان من دون التطرق لدور المنتجين أمثال خالد عيتاني الذي كان منتجاً فنياً وليس ممولاً فحسب، رأيه الفني وذائقته الجمالية هي التي كانت تدفعه لتشجيع ما يراه إضافة للمسرح". 
 
يضيف حميصي: "أنتجتُ مع احمد قعبور العام 1994 مسرحية غنائية للأطفال تحت مسمى " كله من الزيبق". وكان عليّ كمخرح اختيار المسرح. قصدت السيد خالد عيتاني المنتج الفني الأهم في بيروت طالباً إحدى القاعات التي يمتلكها أو يديرها. فأجابني بحيويته وحبه للمسرح: مسرحيتك جميلة وستحصد النجاح لكن ليس عندي إلا قاعة مقفلة منذ زمن سأنظفها وأهيئها. ذهبت وإياه في اليوم المحدّد لتفقد المسرح. نزلنا سوياً الدرج الجميل والنظيف. وصلنا إلى باحة فيها الكافيتيريا ولجهة اليمين الحمّامات ولجهة اليسار باب الدخول للمسرح. دخلت بالطبع قاعة المسرح ورحت أتفحص نظافة الكراسي، وفيما اتجهت لخشبة المسرح لأتفقد وضعها ووضع الكواليس، التفت لأسأل السيد خالد عن درج الوصول للخشبة فلم أجده ورائي حيث كنت أعتقد. ناديته بصوت عال، فأجابني من بعيد، من الباحة خارج القاعة، قائلاً: يا أستاذ أنت لا تفهم في المسرح، بلهجة صارمة، فاستغربت واتجهت صوبه مستفسرًا عن قصده، فقال: يا أستاذ نظافة المسرح لا يتم فحصها في القاعة، بل في الحمّامات. مَن سيحضر المسرحية، إذا دخل الحمّام وكان وسخًا لا تتوافر فيه شروط النظافة قبل شروط نظافة المقاعد والخشبة، سيكوّن فكرة سيئة عن العمل المسرحي. الحمّام النظيف دليل على نظافة قاعة المسرح وقيمة العمل المسرحي".
 
رحل خالد عيتاني العام 1997، واحترق مسرح البيكاديللي العام 2000، ورحل هاشم عيتاني العام 2002، ودخلت غالبية صالات منطقة الحمرا في رأس بيروت في دائرة المجهول والموت، صارت مطاعم ومستودعات أو بقيت مقفلة ومهجورة، بينما تزداد الرثاثة في شارع الحمرا. ولم يعد لدينا غير الرثاء.
 
 
المصدر: المدن