قلعة بعلبك ساحة جدال: من يحقّ له الغناء فيها؟
عيسى يحيى
الجمعة 15 آب 2025
ليست قلعة بعلبك مجرّد معلم أثري ضارب في التاريخ، بل هي قلب المدينة النابض وهويّتها الثقافية، وذاكرتها التي تختزن آلاف السنين من الحضارات. على مدرّجاتها تعاقبت الإمبراطوريات، ووقفت عند أعمدتها أعظم الفنون. ولعقود طويلة، اقترنت القلعة باسم "مهرجانات بعلبك الدولية"، التي شكّلت منذ انطلاقتها عام 1956 علامة فارقة في المشهد الفني اللبناني.
لطالما رفعت "مهرجانات بعلبك الدولية" اسم لبنان عاليًا وحملته إلى العالمية، حيث تتزيّن بألق التاريخ، وتحتضنها حجارة القلعة العتيقة، وتتنفّس سحر الفن تحت أعمدة جوبيتر الستة الشامخة. هناك، يلتقي الإبداع بروح الحضارة، فتتحوّل المدينة إلى مسرح مفتوح للعالم، ينبض بالموسيقى والجمال في حضن المجد الروماني.
هذه المهرجانات التي كانت تجذب كبار الفنانين العالميّين وتُشعّ من بعلبك إلى العواصم، لم تعد على ما كانت عليه وتراجع مستواها الفني وفق ما يقول أحد أبناء المدينة، وبات حضورها باهتًا، في وقتٍ نشهد فيه تقدُّمًا لافتًا لـ "مهرجانات الأرز" و "مهرجانات بيت الدين"، لناحية الإنتاج والتنظيم والاستقطاب. ورغم هذا التراجع، ما زال البعض يتعامل مع القلعة وكأنها مُلكيّة خاصة، لا يجوز لأي مبادرة شبابية أو نشاط بديل أن يقترب منها.
وفي وقتٍ جمعت الفنانة هبة طوجي المعجبين عشّاق الفنّ والصوت الجميل من كلّ حدبٍ وصوب في حفلتَيها يومَي الجمعة والسبت الماضيَين، حيث تألّقت والفنان أسامة الرحباني في مشهدية نقلت الحضور إلى "حقبات" غنائية جمعت فيها بين الماضي والحاضر، من دون إغفال التحيّة لبعلبك والراحلَين منصور وزياد الرحباني، لم يكتمل هذا الشغف الموسيقي بعد أن تداعى أنصار "حزب اللّه" إلى قطع الطرقات في مختلف المناطق ومنها بعلبك احتجاجًا على قرار الحكومة بخصوص نزع السلاح، الأمر الذي أعاق مغادرة الحاضرين من خارج بعلبك، الذين بقي معظمهم أكثر من أربع ساعات غارقين في زحمة السير، وشكّل صدمة لهم، لكون بعلبك تستحقّ الحياة، وكان بالإمكان تجنّب تلك المظاهر. و "الحزب" لو يستطيع لمنع إقامة المهرجانات كونها لا تتماشى وعقيدته، وينصبّ جلّ عمله على السياحة الدينية.
مهرجان الفرح
اليوم وبعد انتهاء "مهرجانات بعلبك الدوليّة"، المدينة على موعد مع "مهرجان الفرح" في 6 أيلول المقبل، والذي يحييه الفنان نادر الأتات. وعليه يطفو إلى السطح نقاش جديد ـ قديم، لكن بنبرة أكثر حدّة.
فمجموعة من الشباب حصلت على ترخيص رسميّ من وزارة الثقافة لإقامة "مهرجان الفرح" داخل حرم القلعة. وما إن أُعلن عن الفعاليّة، حتى انطلقت حملة اعتراضية تُطالب وزير الثقافة بإلغاء الترخيص، بحجّة أنّ القلعة مخصّصة فقط للمهرجانات الدولية، وأن أيّ نشاط آخر يُسيء إلى قدسيّتها ويقلّل من قيمتها!
هذه الحملة، التي يرى فيها البعض أنها مدفوعة من بعض أعضاء "لجنة مهرجانات بعلبك" نفسها، ومن بعض الجمعيّات التي اعتادت احتكار المكان، تُعيد فتح ملف حسّاس: من يملك الحقّ فعلًا في استخدام القلعة؟ وأيّ قانون يمنح الحصرية لجهة معيّنة دون سواها؟ وإذا كانت القلعة فعلًا محميّة ثقافية، أليست وزارة الثقافة هي المرجع الشرعي لمنح التراخيص؟ أم أننا أمام واقع غير معلن، تُمارس فيه فئة صغيرة نوعًا من "الوصاية الرمزية" على التاريخ والحجر والهوية؟
في المقابل، يرى عددٌ من أبناء المدينة أن تاريخ "مهرجانات بعلبك الدولية"، والذي أعطى قيمة إضافية للمدينة وتاريخها، لا يستوي وفتح باب هذا المعلم التاريخي العريق، أمام كلّ من يريد أن يقيم حفلًا أو مهرجانًا سواء لغاية مادية أم معنوية.
بين المنافسة والمصادرة
واللافت وفق مصادر متابعة لـ "نداء الوطن" أنّ القلعة استضافت على مدى السنوات الماضية العديد من الفعاليّات ذات الطابع الديني أو المدرسي أو المجتمعي، منها حفلات تخرّج لطلاب ومناسبات روحية واحتفالات محليّة، ولم يصدر حينها أيّ اعتراض يُذكر. لماذا إذًا كلّ هذا الغضب اليوم؟ ولماذا تصاعدت النبرة فجأة ضد مجموعة من الشباب الطامحين إلى صناعة مساحة فرح بديلة؟
الجواب ربّما يكمن في كلمة واحدة: "المنافسة". إذ يبدو أنّ مجرّد طرح فكرة جديدة، خارج إطار "الاحتكار المزمن"، يُزعج المستفيدين من الوضع القائم ويفضح ترهّل المهرجان الرسمي وفقدانه القدرة على التجديد. فبدلًا من أن تكون القلعة ساحة مفتوحة للمبادرات، تتحوّل في كلّ مرّة إلى ساحة نزاع ومصادرة، مع أنّ الأجدى فتح أبوابها أمام التنوّع والتعدّد، لا حبسها خلف بوابات الوصاية.
كذلك تأتي الفكرة في ظلّ الشعور المتنامي لدى بعض أبناء بعلبك بأن "مهرجانات بعلبك الدولية" باتت محصورة بطبقة اجتماعيّة معيّنة، وغابت عنها لسنوات حفلة أهل البلد، والتي أعيد إحياؤها هذا العام، ولربما بعد حملة الاعتراضات على تهميش أبناء المدينة. وعليه، تأتي المبادرات المحلّية لإقامة مهرجانات بديلة أو موازية، لتفتح أبواب الفرح أمام شريحة أوسع من الناس، خصوصًا متوسطي الحال. هذه المهرجانات تُعيد للفرح طابعه الشعبي، وتمنح أبناء المدينة فرصة اللقاء والاستمتاع بالموسيقى والفن في أجواء قريبة من واقعهم وقدراتهم. ليست بعلبك حكرًا على النخبة، بل مدينة لكل أبنائها، ومهرجاناتها ينبغي أن تعكس هذا التنوّع.
اختبار حقيقي
ما يحصل اليوم هو اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة اللبنانية ووزير الثقافة بمبدأ العدالة الثقافية. فإمّا أن تكون القلعة ملكًا عامًا لكل اللبنانيين، ولكل مَن يحمل فكرة فنية راقية وفق الأطر القانونية والرسمية، أو أن نعترف بصراحة، أنّ في لبنان "ثقافة طبقية" تُدار بالعلاقات لا بالكفاءة، وبالاحتكار لا بالحق.
في النهاية، لا أحد يطالب بإلغاء "مهرجانات بعلبك"، بل العكس تمامًا، فالمطلوب اليوم إحياء هذه المهرجانات وإنعاش روحها، وفتح القلعة أمام طاقات شبابية تُعيد إليها الحياة. فمن يملك القلعة فعلًا؟ التاريخ؟ أم من يعتقد نفسه وصيًّا على التاريخ؟
المصدر: نداء الوطن