"Ciné Caravane": ربع قرن من الأفلام على ضوء النجوم
جويل غسطين
الثلاثاء 12 آب 2025
على الطّرقات الجبليّة المتعرّجة وبين التّلال والقرى اللبنانيّة التي لم تزرها شاشات العرض السينمائي بعد، تسير "Ciné Caravane" منذ ربع قرن كقافلةٍ من ضوء ثقافيّ تنشر السّينما في الشّوارع والسّاحات. فمنذ ولادة المشروع عام 2000، صارت السينما تقصد المشاهدين بنفسها. واليوم، ضمن النسخة 25 من مبادرة "Ciné Caravane" التي ينظّمها "المركز الفرنسي في لبنان"، يتجدّد الالتزام بهذا الموعد المجّاني مع الصوت والصورة، وفي الجعبة أفلام فرنسيّة مترجمة إلى العربيّة، تزرع لحظاتٍ سحريّة في أماكن لم تتخيّلوا أن تُصبح يومًا صالة سينما تحت أنظار نجوم السماء.
انطلقت عروض هذا الموسم من "Ciné Caravane" في الأوّل من شهر آب الجاري، وكانت أولى المحطّات بلدة البربارة في قضاء جبيل، على أن تجوب قافلة السينما خلال هذا الشهر 17 محطّة في المناطق اللبنانية، ويكون الختام في 30 آب في بلدة سبعل، شمال لبنان.
ولادة المشروع
إنطلقت شرارة "Ciné Caravane" عام 2000 خلال "القمّة الفرنكوفونيّة" الّتي استضافها لبنان، حيث أُقيمت عروض لأفلام فرنكوفونيّة في عددٍ من المدن داخل دُور السّينما القائمة آنذاك. لكن سرعان ما تحوّلت الفكرة إلى مشروعٍ مختلف، يحمل طابعًا شعبيًّا وثقافيًّا، وبدلًا من الاكتفاء بالعروض داخل القاعات المخصّصة لذلك، كان الخروج إلى الهواء الطّلق، لتبلغ الأفلام السينمائيّة القرى التي حُرمت طويلًا من صالات العرض. فوُلدت "ثورة سينمائيّة شعبيّة"، لإحياء عروض الفن السابع في كلّ ساحةٍ، عبر لقاءٍ مع الفنّ والضّوء.
جمهور جديد وأفلام مميّزة
توضح المسؤولة عن فعاليّة "Ciné Caravane" سينتيا كنعان لـ "نداء الوطن" أنّ عروض الأفلام المجانيّة مستمرّة في الهواء الطّلق وفي مختلف المناطق اللّبنانية، غير أنّ هذه الدّورة تحمل توجّهًا متجدّدًا نحو جمهورٍ جديد، من خلال التّوسّع إلى قرى لم تُدرج سابقًا ضمن الجولات، من بينها دوما ولبعا والبرجَين، ما يعكس رغبة المنظّمين بكسر المركزيّة وتوسيع دائرة المشاركة الشّعبيّة.
وقد وقع الاختيار هذا العام على ثلاثة أفلام فرنسيّة حديثة الإنتاج مترجمة إلى العربيّة ومختلفة في النّوع والأسلوب، ما يضمن جودتها وملاءمتها لكلّ الفئات. الفيلم الروائي "موهوبات" (إخراج فريديريك وفالنتان بوتييه)، مستوحى من قصة حقيقيّة لشقيقتَين عازفتَين على البيانو، والفيلم الوثائقي "حارسات الكوكب" (إخراج جان ألبرت ليفر) يُعرض لأول مرة في لبنان، وفيلم الرّسوم المتحرّكة الصّامت "فلو" (إخراج جينتس زيلبالوديس) الفائز بجائزتَيّ "أوسكار" و "غولدن غلوب" كـ "أفضل فيلم رسوم متحرّكة" لعام 2025. وتأتي هذه الخيارات في محاولةٍ لتقديم تنوّع سردي وفنّي يلبّي اهتمامات جمهورٍ متنوّع من المشاهدين. ويحرص القيّمون على المبادرة، على منح كل بلدة أو قرية حريّة اختيار الفيلم الأنسب ليُعرض فيها، ما يعزّز شعور الانخراط بالتّجربة.
سحر العروض
مع السنوات لم تعد فعاليّة "Ciné Caravane" مجرّد عروضٍ سينمائيّة جوّالة، بل أخذت التجربة تنمو وتتطوّر عامًا بعد آخر، مستفيدةً من دفء الاستقبال الشّعبي. ففي القرى والبلدات الّتي تزورها القافلة، يختلط سحر العرض السّينمائي بكرم الضّيافة اللبنانيّة، وتتحوّل السّاحات في الهواء الطلق إلى صالات عرض تحت السّماء العارية، تشهد على لحظات فرح جماعيّة مميّزة.
أما ردود الفعل الشّعبيّة، بحسب كنعان، فتتّسم بالدفء والحماسة والتّقدير. إذ يطلب كثيرون من جمهور المُشاهدين عودة القافلة عامًا بعد عام. فيما تتواصل بلديّات أخرى مع المنظّمين بعد السماع عن التّجربة، لاستضافة عرضٍ سينمائي تحت سماء قريتها. ويُعتبر هذا الزّخم الشعبيّ الذي يحتضن المبادرة، السّبب الأوّل لاستمراريّتها بحماسة من قِبل المنظّمين رغم مرور 25 عامًا على انطلاقتها في لبنان.
أمّا العبارة الأجمل التي يسمعها فريق العمل من الجمهور، بحسب كنعان، فهي: "إلى العام المقبل!"، كشهادةٍ على نجاح المشروع وعلى تحوّله إلى تقليد موسميّ ينتظره الناس كلّ صيف، ويرون فيه لحظة ثقافيّة وإنسانيّة ثمينة، وسط صخب الحياة وصعوباتها.
تحدّيات لا توقف القافلة
لكن رغم النّجاح الجماهيريّ والدّعم المعنويّ الذي تحظى به "Ciné Caravane"، فالحفاظ على استمراريّة المبادرة ليس بالأمر السّهل، لأنّ الوجه الجميل لهذا المشروع الثّقافي يخفي خلفه جهودًا لوجستيّة وتنظيميّة تواجه تحدّياتٍ متكرّرة أبرزها التّمويل، حيث تُقدَّم جميع العروض مجانًا ما يفرض ضغطًا مستمرًّا على مصادر الدّعم والشّركاء.
لكنّ التّحديات لا تقف عند الجانب المادّي فقط، فاختيار الأفلام مهمّة معقّدة في حدّ ذاتها. إذ ينبغي أن تكون الأعمال منتجةً حديثًا وبجودة تقنيّة وفنّية عالية، ومناسبة لجمهور متنوّع ثقافيًّا وعمريًّا. إضافةً لما ذُكر، يبقى الهاجس الأمني حاضرًا في لبنان. ففي صيف 2024 مثلًا استدعت الظّروف الأمنيّة إعادة جدولة العروض أو تقليصها، من دون التخلّي عن فكرة الاستمرار. ففريق "Ciné Caravane" يؤمن أنّ السّينما، في أكثر اللّحظات دقّةً وصعوبة، تصبح أكثر من مجرّد فن، وتتحوّل إلى رسالة صمود وأمل.
طموح بالتّوسع
ومع مواصلة فعاليّة "Ciné Caravane" مسيرتها بخطى ثابتة توسّعًا وتجديدًا من سنة إلى أخرى، لا يرى الفريق القائم على المبادرة حدودًا جغرافيّة لطموحه، بل يسعى باستمرار إلى إضافة مواقع جديدة إلى خارطة عروضه. فمنذ عام 2000، قدّمت القافلة أكثر من 400 عرض لنحو 100 فيلم، في أكثر من 170 قرية لبنانيّة، وجذبت عشرات الآلاف من المتفرّجين في مختلف المناطق. أما السّينما اللّبنانية، فهي ليست غائبة عن العروض، إذ سبق أن حظيت بمكانٍ لها ضمن البرنامج كما عند عرض فيلم "غدي" لِجورج خبّاز. فدعم الإنتاج اللّبناني في مختلف القطاعات الفنّية والثقافيّة، ركيزة ثابتة في نشاطات "المركز الفرنسي في لبنان" طوال العام، عبر برامج متخصّصة ومبادرات متنوّعة، و "Ciné Caravane" واحدة منها، وهي تواصل بما تبقّى من أيام هذا الشهر رحلتها عبر القرى والبلدات والسّهول والجبال، حاملةً في عربتها شاشةً بيضاء وأفلامًا كالأحلام، ومواعيد مع الدّهشة ووعدًا بالاستمرار في جعل الثّقافة حقًّا للجميع.
* للاطّلاع على برنامج العروض زوروا الموقع الإلكتروني: www.institutfrancais-liban.com .
المصدر: نداء الوطن