"سبعة أيام".. الفرار من الديكتاتورية أم البقاء والقتال؟
محمد صبحي
الإثنين 11 آب 2025
عندما نتحدث عن كيفية انتهاك حقوق المرأة في إيران وفي العديد من البلدان الأخرى، فضلاً عن النشاط الذي تقوم به العديد منهن لوقف هذا الظلم حتى على حساب سلامتهن وحريتهن، كم مرة نفكّر في حياتهن خارج النضال أو العواقب التي يخلّفها السجن والقمع على حياتهن اليومية وحياة أسرهن؟ هذا ما يستكشفه فيلم "سبعة أيام"(*) للإيراني علي صمدي أحدي في قصّة تجد صدى عالميًا في بيئة حميمية للغاية.
يتتبّع الفيلم مريم (فيشكا أسايش)، ناشطة نسوية إيرانية أمضت في السجن 6 سنوات، تعيش عائلتها مختبئة في ألمانيا، في انتظار أخبار عنها. بسبب مرضها الخطير، مُنحتْ إذنًا نادرًا بمغادرة السجن لمدة 7 أيام لتلقّي العلاج والراحة، وتُركت في رعاية شقيقها (سينا برفانه). الأخير يمنحها فرصة فريدة، إذ يضع خطّة لإخراجها من البلاد ومقابلة عائلتها على الحدود. لكن مريم متردّدة: هل يجب أن تهرب لتلتئم بزوجها وطفليها، أم تواصل القتال الذي كلّفها الكثير؟
كتبَ الفيلم محمد رسولوف، الذي كان عليه أيضاً المرور بمعضلة بطلته، حيث هرب من إيران منتصف العام 2024 في خضم رحلة خطيرة بعد الحكم عليه بالسجن والجلد. أوجه التشابه بينه وبين مريم جلية على الشاشة: الصراع الداخلي بين مواصلة القتال والبحث عن الأمان، بين حبّ بلدٍ في أيدي نظام فاسد، ومعاناة الآلام الجسدية للهروب؛ وهو ما يعرفه أيضاً المخرج علي صمدي أحدي، الذي فرّ من إيران أثناء الحرب مع العراق حين كان في الـ13 من عمره.
يتمثل الصراع الرئيسي لمريم في التوفيق بين حبّها لأبنائها ونضالها الاجتماعي. يوضّح الفيلم كيف أنها رمز للأمل بالنسبة للكثيرين، ونشاطها يجعل فظائع الحكومة مرئية، ولكن وراء كل ذلك هناك تكلفة غير مرئية للآخرين: عدم رؤية أطفالها، الذين تحبّهم بعمق، يكبرون. تجسّد فيشكا أساييش صمود البطلة بشكل ممتاز، سواء في عنادها وتصميمها على عبور الجبال في أسوأ الظروف، أو في عاطفتها عند محاولة إعادة الاتصال بأطفالها وشرح أهمية عملها لهم. العذاب الجسدي الذي تتعرّض له في طريقها إلى أحبّائها دليل على حبها الأمومي، لكن "العبور ليس الجزء الأصعب، بل ما لا يمكنك حمله معك"، مثلما توضّح البطلة معضلة موقفها الأخلاقي.
تُدار وتيرة الفيلم بشكل جيّد نسبيًا، خاصة بالنظر إلى أنه فيلمان تقريباً في واحد: الهروب المضطرب وحميمية الأسرة. دُمج كلا القسمين بشكل فعّال. مونتاج الرحلة متوتّر لإبقاء المتفرّج على أهبة الاستعداد، ويكمله مساحات محصورة صامتة أو جبال شاسعة؛ من ناحية أخرى، يركّز الجانب العائلي على اللحظات الحميمة، مع عديد اللقطات القريبة والإضاءة الدافئة وغياب المُشتّتات الخارجية. في هذا الجزء يأتي التوتّر من استياء الابنة تجاه مريم. في حين أن التصوير الفوتوغرافي يمكن أن يستفيد بشكل أفضل من الجوانب السينمائية لتصميمه، إلا أنه يميّز الفرق بين النغمتين بشكل جيد دون إحداث تغيير مفاجئ.ّ
الصراع الإيديولوجي للبطلة - المستلهمة قصّتها من حياة الحائزة جائزة نوبل للسلام نرجس محمدي، التي سُجنت بسبب نضالها من أجل حقوق الإنسان - يستبطن صراعاً مشابهاً لما يعانيه بعض المعارضين السياسيين والحقوقيين في بلدان عربية مجاورة، يخاطرون بحياتهم وحياة ذويهم رافضين فكرة المعارضة من الخارج. في استكشافه لذلك الصراع المؤلم بين الفرار من الديكتاتورية على حساب المعركة من أجل المساواة والديمقراطية، يذكّر الفيلم بأمثال علاء عبد الفتاح وآلاف غيره من آملين بالتغيير في أوطانٍ لا تتسع للأحلام.
ينقل الفيلم ما وراء كواليس العمل السياسي-الحقوقي، مبيّناً أن أولئك الذين يمارسونه ليسوا أبطالًا من فيلم أو رواية ملهمة، بل بشر لديهم رغبات وصراعات داخلية، لا يمثّل هذا النشاط بالنسبة لهم تضحيةً بسلامتهم الجسدية والأخلاقية فحسب، بل أيضًا التخلّي عن جوانب مختلفة من حياتهم الشخصية. في هذا القسم، هناك أيضًا ملاحظة دقيقة حول كيف أن مريم على الرغم من ابتعادها عن أطفالها، لا تزال أمّاً، بكلّ الثقل الاجتماعي الذي يعنيه هذا. الشعور بالذنب والوصم بسبب عدم وجودها بجانب أطفالها هو أيضاً انعكاس للتوقّعات حول كيفية التعبير عن حبّ الأم وواجباتها تجاه أطفالها.
يختتم الفيلم باقتباس من نرجس محمدي، التي كانت بلا شك مصدر إلهام قوي للقصة، لأنها أيضاً أمّ اختبرت الجلد والسجن الطويل بسبب نشاطها. مثلها، هناك العديد من النساء يكافحن داخل أسرهن، والنضال حاضر كل يوم. "لماذا أفكاركِ أهمّ مني؟" تسأل الابنة أمّها، التي تجيب: "لقد فُرض هذا عليّ". تذكيرٌ إضافي بأن الناشطين لم يردوا أن يُسجنوا أو يُستهجنوا أو يُبعدوا عن عائلاتهم، بل النظام الظالم هو مَن وضعهم في هذا الموقف. لا ينبغي أن يصاحب النشاط السياسي/الحقوقي شعور بالذنب أو وصم مجتمعي، بل يجب أن يوقظ تعاطفنا مع أولئك الذين يسعون إلى مكان أفضل للجميع.
(*) يُعرض حاليًا في فرنسا.
المصدر: المدن