أحداث ثقافية أخرى
مقاهي دمشق ذاكرة شعبية حية وشواهد على خمسة قرون
العرب اللندنية
الخميس 7 آب 2025

من المقاهي العربية خرجت الكثير من الحركات الأدبية والفكرية والسياسية، وفيها اجتمعت كل شرائح المجتمع، كانت أكثر من فضاءات للتسلية، كانت نسخا مصغرة عن المجتمع، عبرت من جيل إلى جيل على امتداد قرون من الزمان، حتى صارت ثقافة راسخة، كل ذلك قبل أن تتغير الأوضاع جذريا في السنوات الأخيرة.
 
وكما يقول الكاتب السوري عبدالكريم البليخ فإنه "منذ بدايات القرن الماضي، كان المقهى العربي هو المساحة الوحيدة شبه المجانية التي تمنح الإنسان، وخاصة المثقف، حق التأمل، وحرية الجدل، ورفاهية الحديث. هو المكان الذي لا يسأل عن الهوية، ولا عن الانتماء الطبقي، ولا حتى عن السبب. يكفي أن تدخل، وتطلب فنجان قهوة، لتصبح جزءا من نسيج المكان، شاهدا وربما راويا. وكان هذا ما جلب إليه الشعراء والكتاب والرسامين، بل وحتى الثوار. في تلك الزوايا، تشكلت أنوية الوعي العربي الحديث”.
 
ووفق الكثيرين، فالمقاهي كانت ابتكارا دمشقيا، حيث نقلها أبناء هذه المدينة إلى العالم قبل نحو 500 سنة، لتغدو جزءا من الحياة الاجتماعية والثقافية للشعوب. المقاهي الدمشقية كانت محور المحاضرة التي ألقاها الباحث السوري في التراث مازن ستوت بالمركز الثقافي في المزة مؤخرا مقدما قراءة تاريخية هامة تكشف عنصرا أساسيا من تاريخ المدينة.
 
المحاضرة التي حملت عنوان “مقاهي دمشق بين الأمس والحاضر”، سلّطت الضوء على المقاهي الدمشقية، بوصفها جزءا أصيلا من الذاكرة الشعبية للمدينة، حيث استعرض ستوت بدايات هذه الظاهرة التي تعود إلى القرن السادس عشر، متوقفا عند محطات مفصلية من تاريخها، ولاسيما التوسّع الكبير الذي شهدته في أوائل القرن العشرين، حتى بلغ عددها في تلك الفترة نحو المئة وعلى أطرافها.
 
ويؤكد الدور الاجتماعي للمقاهي الدمشقية مشيرا إلى تنوّع المقاهي الدمشقية بحسب البيئة والموقع وطبيعة روّادها، فكان منها الأدبي والشعبي والتجاري، مشددا على أن هذه الأماكن لعبت أدوارا اجتماعية وثقافية وسياسية، واحتضنت في الكثير من الأحيان حلقات النقاش الأدبي وصفقات التجارة وجلسات الأدباء والمفكرين.
 
ويذكر ستوت أبرز المقاهي الدمشقية التي اشتهرت في الوجدان الدمشقي، مثل الهافانا، النوفرة، الروضة، الفاروق، والتي قال إنها “تحوّلت إلى مقصد للزوار من داخل وخارج سوريا، ولاسيما مقهى النوفرة الذي يُعدّ من أقدم المقاهي الدمشقية وأشهرها”.
 
ويشدد الباحث على أن المقاهي كانت منصات للوعي وفي تصريح له يقول “إن المقاهي كانت تؤدي وظيفة ثقافية محورية، في زمن لم تكن فيه وسائل الإعلام والاتصال الحديثة قد انتشرت بعد، فكانت المجلات والصحف تُقرأ وتوزع فيها، وكان بعض الأدباء يكتبون أعمالهم داخلها، ما جعل منها منصات للوعي والإبداع والتأثير السياسي والاجتماعي، فلم تكن مجرد أماكن للجلوس، بل هي جزءٌ من هوية دمشق الثقافية والاجتماعية التي يجب الحفاظ عليها”.
 
ويضيف ستوت “أحيانا كانت تُعقد صفقات تجارية داخل المقاهي، وكان لها دور مهم في النقاشات الوطنية والسياسية، وكانت منابر للإدراك والتفاعل الفكري والثقافي”. وكما يقول البليخ فإن “في دمشق، حيث تهمس الحجارة بتاريخ لا يشيخ، كانت المقاهي أكثر من محطات للعبور؛ كانت نوافذ للروح، ومرايا لأزمنة تتقلب على مهل”.
 
ومقاهي دمشق، في نهاية الأمر، لم تكن مجرد أماكن عابرة، بل أمكنة من لحم وذاكرة، عاشت فيها المدينة حقيقتها كما تخيلها شعراؤها. وللمقهى طقوسه، ومعماره النفسي قبل أن يكون ماديا. الجدران المليئة بالملصقات القديمة، الطاولات الخشبية التي شهدت الملايين من الحوارات، المقاعد التي التصقت بها أرواح من مروا وتركوا شيئا من أنفسهم هناك، حتى صوت الملاعق الصغيرة وهي تصطدم بجدران فناجين الشاي، كلها عناصر تنسج لحظة ثقافية سرمدية.
 
فالمقهى العربي عموما والدمشقي خاصة، في جوهره، ليس مجرد مكان. إنه نص حي، وطقس من طقوس الوجود، بل لعله آخر ما تبقى لنا من أزمنة كانت الكلمة فيها سيدة الحضور، والقهوة عنوان للثورة، والكرسي شريك في صناعة الحلم. وقد تناولت المحاضرة الكثير من خصائص مقاهي دمشق وجزءا من ذاكرتها المتشعبة والممتدة، ما من شأنه أن يكشف تفاصيل وخفايا هذه الأماكن الملهمة للأجيال الجديدة.
 
ويشدّد الباحث مازن ستوت على أهمية هذه المحاضرات في تعريف الجيل الجديد بتراث مدينته العريق، مشيرا إلى أنه قدّم حتى الآن أكثر من 12 محاضرة حول تراث دمشق، شملت الحمّامات والأسواق والمقاهي والحدائق ودور السينما والمساجد والكنائس، بهدف توثيق هذا الإرث الغني ونقله إلى الجيل الجديد.
 
يُذكر أن هذه المحاضرة تأتي ضمن سلسلة فعاليات ثقافية تنظمها مديرية الثقافة بدمشق، بهدف الحفاظ على التراث المحلي وتسليط الضوء على ملامح الحياة الدمشقية القديمة، باعتبارها ركيزة أساسية في الهوية الوطنية السورية.