أحداث ثقافية أخرى
"بيروت ترنّم – السّيستيما"... مبادرة تصوغ أحلام الأطفال بلغة الموسيقى
جويل غسطين
الأربعاء 6 آب 2025

 
في وطنٍ أثقلته الأزمات وتبعثرت ملامحه بين الانقسام والانهيار، وُلدت من رحم الألم نغمة مختلفة تشبه الرّجاء وتعطي أملًا بغدٍ أفضل. إنّها "بيروت ترنّم – السّيستيما". هي مبادرة تُعيد صياغة الحلم بلغة الموسيقى، وتمنح الأطفال فسحةً للتعبير والأمل في زمن الخيبات.
 
منذ ثلاث سنوات، دخل مشروع "السّيستيما" إلى لبنان تحت جناح مهرجان "بيروت ترنّم"، ليتحوّل إلى صوتٍ اجتماعيّ وثقافيّ نابض، بحيث يستكمل مسيرة المهرجان الذي انطلقت رحلته قبل 18 عامًا، حاملًا رسالةً واضحة: جعل الثّقافة والموسيقى حقًّا لكلّ النّاس، لا امتيازاً محصورًا بفئة، ومؤكّدًا أنّ الفن ليس ترفًا بل ضرورة للبقاء والارتقاء.
 
 
من فنزويلا إلى لبنان
 
وُلدت فكرة "السّيستيما" في فنزويلا عام 1975، على يد المايسترو والمربّي خوسيه أنطونيو أبرو، الذي آمن بأنّ الموسيقى ليست مجرّد فنّ للنّخبة، بل أداة فعّالة لإعادة تشكيل المجتمعات، خاصّةً في بيئةٍ مثقلة بالفقر والعنف والعصابات والفساد. من هذا الإيمان، انطلقت واحدة من أبرز المبادرات الثّقافية والاجتماعية في العالم، تقوم على تعليم الموسيقى الكلاسيكيّة مجانًّا للأطفال والشّباب، لا سيّما أولئك المُنتمين إلى الفئات الأكثر تهميشًا. اعتمد البرنامج منذ بدايته، على العمل الجماعي، من خلال الأوركسترا والجوقات كأساس لبناء القيم والمهارات الاجتماعية.
 
 
توسّع مشروع "السّيستيما" ليشمل أكثر من 700 ألف طفل في فنزويلا وحدها، موزّعين على 24 منطقة في البلاد، حيث يلتقي الأطفال للتّدريب الجماعي لأربع ساعات على الأقل أسبوعيًّا. فتحوّل إلى نموذج عالمي يُحتذى به، إذ استُلهم في أكثر من 60 دولة، منها الولايات المتّحدة، وكندا، وفرنسا، واليابان، والمملكة المتّحدة، وغيرها. وقد تجلّى أثر "السّيستيما" ليس فقط في تطوير المهارات الموسيقيّة، بل في تحسين سلوك الأطفال وتقليل مستويات العدوانيّة لديهم.
 
 
هذا النّموذج المبتكَر، الّذي خرّج أسماء عالميّة مثل قائد الأوركسترا غوستافو دوداميل، شكّل مصدر إلهامٍ مباشرًا لمبادرة "بيروت ترنّم – السّيستيما"، التي انطلقت في لبنان عام 2022، لتمنح الأطفال المستفيدين من هذا البرنامج، فسحةً للتّعبير والتّلاقي ومساحةً للإبداع.
 
مشروع مجّاني
 
انطلق المشروع بعد فوز "بيروت ترنّم" بتمويل من "السّفارة الأميركية في بيروت"، بهدف إطلاق برنامج مجّاني لتعليم الموسيقى للأطفال في لبنان، مستندًا إلى فلسفة ومنهجيّة "السيستيما" الّتي تختلف بأسلوبها ومنهجها عن تعليم الموسيقى التّقليدي.
 
يتولّى إدارة هذا المشروع ريتشارد عازوري، أحد الأفراد الأساسيّين في فريق "بيروت ترنّم". وتحت إشراف عازوري نما المشروع بخطى ثابتة، ليبلغ عامه الثالث اليوم.
 
 
يستهدف المشروع، الأطفال الّذين تتراوح أعمارهم بين 6 و16 عامًا، وتحديدًا أولئك الذين لا تتوفّر لهم الفرص لدراسة الموسيقى في البرامج الأكاديميّة أو الخاصّة. وتُنظّم تدريبات جماعيّة كلّ يوم سبت في "جامعة الحكمة" في بيروت، حيث يتلقّى الطلّاب تعليمًا على آلات الكمان، الفيولا، والتشيلو، إضافةً إلى تدريباتٍ على الغناء الجماعي.
 
 
بدأ المشروع عامه الأول بطموح تدريب 60 تلميذًا، لكنّ الأصداء الإيجابيّة والطّلب المتزايد سرعان ما وسّعا الدائرة لتشمل أكثر من 170 طفلًا وطفلة.
 
 
انطلاقة واعدة وحفل رمزي
 
عام 2022، نجح المشروع بتنظيم أكثر من 30 تدريبًا أسبوعيًا، استمر كلّ منها لأربع ساعات، حيث تميّز الطلاب بالتزام كبير دفع العديد منهم للتدرّب يوميًا لساعتَين إضافيّتَين. وبرزت ثمرة هذا الجهد في حفل موسيقي مؤثّر أقيم في ذكرى انفجار "مرفأ بيروت" في 4 آب سنتذاك، بتمويل من "صندوق بيروت للإغاثة" التابع "لليونسكو"، و "بيروت ترنّم". نُقل الحفل إلى العالم عبر شاشة "mtv"، وشكّل لحظةً رمزية للمصالحة مع الألم عبر الموسيقى.
 
 
برنامج حيّ متنقّل
 
مع بداية العام 2023، نال المشروع منحة ثانية من "السّفارة الأميركية في بيروت"، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ دعم السفارة لهذا النوع من المبادرات. كما حصل على منح إضافية من "اليونسكو"، و "الاتّحاد الأوروبي"، وداعمين منفصلين من الولايات المتحدة الأميركيّة. وتحوّل في عامه الثاني إلى مشروع متنقّل، يجوب القرى والمدن اللبنانية أبرزها طرابلس، عنجر، جبيل، بشرّي، وصيدا القديمة.
 
 
العلاقة مع "اليونسكو" انطلقت من خلال "مبادرة تعافي بيروت" في الحفل الذي أحيته "بيروت ترنّم" على مسرح مطلّ على مرفأ العاصمة المتضرّر من انفجار عام 2020، وتطوّرت لتصبح شراكة رسميّة في أوائل عام 2025، بهدف تعزيز التّماسك الإجتماعي والصّمود في وجه الأزمات.
 
 
أما هذا العام فزار الفريق بلدات دير القمر، أنفه، عنجر، طرابلس، جبيل، دوما، بشرّي، قرنة شهوان، برج حمود وغيرها، حيث نُظّمت أكثر من 45 ورشة تدريبية، وأقيم حفل ضمن نشاطات "بيروت ترنّم". واختُتم العام بحفل كبير أُقيم في "متحف الفنّان رودي رحمة" في نهر الكلب، تزامنًا مع الذكرى الخمسين لتأسيس برنامج "السّيستيما" عالميًا.
 
 
تتويج في القصر الجمهوري
 
وتبقى من أبرز اللّحظات التي عرفتها "بيروت ترنّم – السّيستيما"، الحفل الذي أُقيم في "قصر بعبدا" بدعوة من اللبنانيّة الأولى نعمت عون، في حزيران الماضي بمناسبة عيدَي الموسيقى والأب. كانت تلك الدّعوة تتويجًا للعمل الجاد والمستمرّ الذي يقوم به الفريق التّدريسي والإداري، والّذي يتألّف من موسيقيّين محترفين وتربويّين.
 
 
يُذكر أنّ عام 2025 شهد حتى الآن، تنظيم 17 تدريبًا أسبوعيًا وحفلَين موسيقيَّين، في صيدا القديمة، إضافةً إلى حفل "القصر الجمهوري".
 
 
رهانات المستقبل
 
رئيسة مهرجان "بيروت ترنّم" ميشلين أبي سمرا تقول لـ "نداء الوطن" إنّه بالرّغم من الإنجازات المذهلة، تواجه المبادرة تحديّاتٍ جدّية وصعوبات متعدّدة، أبرزها تأمين التّمويل اللّازم للاستمرار والتوسّع. فمع ازدياد الطّلب من قبل الأهالي والمؤسسات التعليمية، يصبح إيجاد داعمين جدد أمرًا بالغ الأهمية. لكنّ أبي سمرا تؤكّد أنّ مستقبل المشروع بالرّغم من التحدّيات مشرق وإيجابي.
 
 
المصدر: نداء الوطن