أحداث ثقافية أخرى
زياد الرحباني الهامش في المتن
محمد حجيري
الثلاثاء 5 آب 2025

من ميزات الفنان والموسيقار والمسرحي زياد الرحباني، أنه في معظم أعماله الموسيقية اختار فنانين وفنانات كانوا على الهامش، وتعاون معهم أو أطلقهم. لم تكن لديه مشكلة أن يتعاون مع مادونا ومايا دياب من جهة، وفيروز من جهة أخرى، كان يبحث عن أصوات وشخصيات تشبه الأغنيات التي يقدمها أو يلحنها، وكان للحنه شخصيته ومتنه و"قدسيته"، مع أنهم يقولون أنه أنزل فيروز من التقديس إلى الواقع، لكنه كان في مقدس آخر، والصوت الذي يتعاون معه زياد يتبع لحنه. هو موسيقار ليس على الهامش كما حال الذين يلحنون لنجوم الحفلات والسهرات والكاسيتات، هو موسيقار الهامش في المتن، وحتى في تعاونه مع فيروز، فهو لم يتعاون مع المطربة الحالمة التي تنشد القمر والنبع وجبال الغيم، بل كنا أمام واقعة فيروز تغني لحن زياد وكلماته، وجعل الفنانة الكبيرة تعود لتقديم أغنيات سبق أن قدمها فنانون من الصف الثاني أو من الهامشيين والمغمورين، بل جعلها تنطق بمفرداتٍ وعبارات مثل "يخرب بيت عيونِك". في هذا كسر النمطيات ولعبة المراتب والمقامات. وربما، لسياق الأغنية بذاتها، ةليس لمصلحة صاحب(ة) الصوت، اعاد الاعتبار للموسيقى.
 
بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، أعدنا الاكتشاف أو انتبهنا إلى أن أغنية "لبيروت" التي اشتهرت بتقديمها فيروز، هي في الأصل أغنية أعاد زياد توزيعها (اقتباساً عن لحن يواكيم رودريغو ) للفنان والمؤدي المقيم في باريس، أسامة حلاق العام 1976. كانت كلماتها مختلفة قليلاً بعنوان "بيروت منديل الحرير"، والأغنية في الواقع كانت سُجّلت في استديو إحدى الإذاعات اللبنانية خلال الحرب، ودخلت في دائرة النسيان بسبب التحولات والإهمال. كتب الناقد عبيدو باشا في كتابه "ذاكرة الأغنية السياسة": "فيروز المكرسة تعود إلى أغنية أداها مغنٍّ هاو في كليب تلفزيوني هادئ أرسلته قناة تلفزيون لبنان في صخب الحرب وضجيجها الهائل. بدا أسامة حلاق مفجوعًا وهو يغنّي لبيروت خلف آلة البيانو. لحن أجنبي وضع له جوزف حرب كلمات خاصة". وأسامة حلاق، حسبما صرّح في مقابلة إذاعية مع الاعلامي زافين قيومجيان، كان يعمل مع الأخوين فليفل في الإذاعة، وشارك في الكورس الشعبي الذي قدم موسيقى للجيش اللبناني، وأسس فرقة النورس. ترك الغناء العام 1983، وسافر إلى باريس بهدف الدارسة، وفقد الكثير من التسجيلات التي قدمها بين العامين 1976 و1981 بسبب الحرب، واستعاد جزءًا منها من أرشيف الفنان زياد الرحباني. ومن بعد اعتزاله، لا نعرف الكثير عن تجربته أو اهتماماته.
 
 
ع هدير البوسطة
 
وفي مسرحية "بالنسبة لبكرة شو"، كتب زياد ولحّن أغنيّة "ع هدير البوسطة" التي أداها الفنان جوزف صقر، "الصوت اللي بيغني متل ما الناس بتحكي… وبيغني الجاز ومواله شرقي".(زياد – مقابلة  أوائل الثمانينيات) والأغنية وصلت إلى مسامع عاصي الرحباني وأعجبته وطلب من زياد إنّ يسمح لفيروزبتقديمها في حفلتها في مسرح الأولمبيا في باريس العام 1979.. قال زياد: "ما في مشكله بس الأغنية حقها 500 ليرة. أنت أبي بس نحنا بحالة حرب". وتم الاتفاق، وغنّت فيروز الأغنية لكن الأمر الذي أزعج زياد إنّ اللحن تم تسريعه بشكل كبير عن اللحن الأصلي الذي غناه جوزيف.
 
وتحكي أغنية "ع هدير البوسطة"، قصة مُحب يستمع إلى صوت الأوتوبيس والعالم من حوله بينما كل هذا لا يبعده عن عيون حبيبته "عليا". وحسبما حكى زياد في إحدى مقابلاته التلفزيونية، أنه كتب هذه الأغنية حين كان طالباً في المدرسة، وكان يحب فتاة مصرية تعمل في متجر واسمها "ليلى"، لكنه قام بتغيير الاسم عند كتابة الأغنية إلى "عليا" حتى لا يعرف أحد من العائلة أنه يحكي عن هذه الفتاة ويتسبب لها في مشكلة.
 
صبحي الجيز
 
وفي ألبوم "ولا كيف" 2001 قدمت فيروز أغنية "صبحي الجيز" وكان الفنان خالد الهبر غناها في ألبومه "إلى حبيبتي على سبيل التطمين" 1976، وهي كُتبت لشخصية في مسرحية لزياد الرحباني، لم تبصر النور، وكان الاعتقاد بأن صبحي الجيز كنّاس شيوعي أو شخصية يسارية من أصدقاء أو رفاق زياد. إلا أن الممثل الراحل شوقي متى، روى في تقرير، أن صبحي شخصية وهمية، وهو بطل مسرحية كان كتبها زياد ويستعد لتقديمها في العام 1975، غير أن اندلاع الحرب حال دون ذلك. أيضا قدمت فيروز أغنية "المقاومة الوطنية اللبنانية" بعدما أداها الطفل فاروق الكوسا...
 
 
 "سألوني الناس"
 
 
حتى أغنية "سألوني الناس" لم تكن لفيروز في البداية، كشف زياد الرحباني أنه انتهى من وضع اللحن خصيصاً لمروان محفوظ، وكانت هناك كلمات أخرى لهذا اللحن، قبل أن يستمع عمه منصور الرحباني إلى اللحن، ويصدر قرارًا مفاجئًا للجميع. أخبره عمه أنه يريد اللحن من أجل فيروز، ليضع عليه كلمات أغنية "سألوني الناس"، لتبدو فيروز وكأنها تغنيها للراحل عاصي الرحباني. كتب منصور الرحباني كلمات الاغنية العام 1972 إثر إصابة أخيه عاصي بنزيف في الرأس ودخوله إلى المشفى، الأمر الذي أدى إلى تغيبه عن البروفات والعروض التي كانت تتمرن عليها السيدة فيروز، فكتب حينها "سألوني الناس عنك يا حبيبي... كتبوا المكاتيب وأخذها الهوا... بيعزّ عليي غني يا حبيبي... لأول مرة ما بنكون سوا".
 
يقول الفنان الراحل مروان محفوظ الذي عمل مع الرحابنة وفيروز في الفرقة الشعبية اللبنانية منذ العام 1965: "كنت أول مطرب يغني للفنان زياد رحباني في بداياته الأولى فقد شاركت معه في تقديم أوبريت صغير لا أذكر اسمه، بمشاركة إحدى عضوات الفرقة الشعبية اللبنانية، اسمها مادلين ماردن، ولحن لي وقتها أغنية "قلبك بعدو صغير" وحوارات مغناه وذلك بعد وضعه  لحن "ضلي حبيني يالوزية" لخالته هدى حداد في المسلسل التلفزيوني "من يوم ليوم" والذي كان أول ألحانه العام 1971. بعدها، وفي خريف 1972، وضع لي زياد ثلاث أغنيات من كلماته وألحانه وتوزيعه هي: "لوما حبيتك لوما" و"يا حلوى يا ست الدار" والثالثة كانت بعنوان "أخدوا الحلوين"، وبعدما عملنا بروفات تحفيظ عليهم، فوجئنا قبل التسجيل بإصابة الفنان الكبير عاصي الرحباني بنزيف في الدماغ، ودخوله المستشفى ثم سفره لباريس لإجراء عملية جراحية، بالطبع أجلنا تسجيل الأغنيات حتى تم الاطمئنان عليه وعلى تحسن حالته بعد العملية، ثم طلب مني زياد أن التقي به في المنزل أي منزل عاصي وفيروز، وكان وقتها ما زال مقيمًا في بيت أبيه فقد كان بعد يدرس في البكالوريا –الثانوية العامة- وكان الفنان منصور الرحباني مع السيدة فيروز في صالون البيت في الطابق الأول من المنزل يحضران ترتيبات مسرحية "المحطة"، خصوصاً ان منصور استكمل العمل فيها بعد مرض عاصي، وفيما أنا وزياد في الطابق الثاني يعزف لحن أغنية "أخدوا الحلوين"، تنامي اللحن إلى أذن فيروز ومنصور، فنادى منصور على زياد أن ينزل إليهما، وفي الطابق الأسفل في صالون البيت سأل منصور زياد عن اللحن وأبدى إعجابه به هو وفيروز وقال له أريد هذا اللحن لكن من دون الكلمات الخاصة به وسأكتب أنا كلامًا عليه تحية لعاصي الذي سيغيب للمرة الأولى عن إحدى مسرحياته، كونه من كان يقود الفرقة الموسيقية خلال تقديم عروض المسرحية، فقال لهم زياد: عليّ أن أسال مروان أولاً إذا كان يوافق على ذلك فالأغنية له، فقال له عمه منصور: قل لمروان أن فيروز ومنصور معجبان باللحن، وأنه في حال رفضه لن نغضب منه ولن نأخذ اللحن!".
 
ويتابع محفوظ: "صعد إلي زياد وهو محرج وشرح لي الأمر ولم يخف سعادته كونه سيضع اللحن الأول لوالدته فيروز، وكيف لي أن أرفض أغنية ستهدى إلي أستاذنا عاصي وبصوت السيدة فيروز وشعر منصور ولحن زياد، بالطبع وافقت على الفور". وهنا طيّب زياد خاطري وقال لي سألحن لك أغنيتين عوضاً عنها، وبالفعل قدم لي بعدها لحني "خايف كون عشقتك وحبيتك" و"يا سيف اللي عالاعدا طايل" اللتين قدمتهما في أول مسرحية غنائية لزياد وهي "سهرية" العام 1973. وظهرت أغنية فيروز الأولى من ألَحان نجلها زياد وشعر عمه منصور: "سألوني الناس عنك يا حبيبي / كتبوا المكاتيب وأخدها الهوى/ بيعز علي غني يا حبيبي لأول مرة ما منكون سوا". وكانت الكلمات الأصلية للأغنية التي تنازلت عنها للست فيروز تقول كلماتها: "أخدوا الحلوين قلبي وعينيه / أخدوا الليالي اللي عشناها سوا/ أخدوا الحلوين ما سألو عليي / يا مين يرجع إيام الهوا" وبالطبع الكلمات هذه من تأليف زياد نفسه.
 
الطريف كما يذكر مروان محفوظ أن الأغنية التي حققت نجاحاً مدوياً، وكانت تحصل على القدر الأكبر من إعجاب وتصفيق جَمهور مسرحية "المحطة" في البيكاديللي، أغضبت عاصي الرحباني وأنّب شقيقه منصور عليها، متهماً إياه باستجداء إعجاب الجَمهور على حساب مرضه، وفكر في استبعادها من المسرحية لولا أنه شاهد بنفسه مدى إعجاب الجَمهور بها. وبعد 14 عامًا على إطلاق الأغنية، رحل عاصي الرحباني، ووقفت فيروز لتغني الأغنية فبكت أمام الآلاف.
 
 
 
المصدر: المدن