أحداث ثقافية أخرى
شارع الحمرا في أرشيف "السفير": تحولات بيروت وموت الصورة
نغم ربيع
الإثنين 14 تموز 2025

لم تكن "السفير" جريدة تسكن الحمرا، بل كانت من نسيجها. تشبهها في كل شيء: في اتساعها، في اختلاطها، في غضبها، في أملها المفرط، وفي انهياراتها المتلاحقة. ولعلّها الصحيفة الوحيدة التي يمكن القول إنها كُتبت بلغتها الخاصة، كما يُكتب شارع حيّ بنبض يومي.
 
 
لذلك، لم يكن مستغربًا أن تختار "السفير"، وقد صارت اليوم في طور التحوّل من جريدة يومية إلى مؤسسة أرشيف حيّ، أن تستخرج من ذاكرتها معرضًا عن شارع الحمرا، لا لتؤرّخ للمكان، بل لتضع بيروت أمام مرآتها الأكثر صدقًا.
 
الحمرا ليست أطول شوارع بيروت، ولا أقدمها، لكنها أكثرها تعبيرًا عن حال البلد. هذا ما يقوله أحمد سلمان، المدير العام لـ"السفير"، وهو يستعرض أمام الزوار عشرات الصور المعلّقة على جدران المعرض. يضيف: "الحمرا لا يمكن أن تكون شارعًا لطائفة واحدة. تاريخيًا، لم تكن كذلك، لأنها تضم الجامعات والمدارس، الصحف والمقاهي، المصارف والمكتبات، السينمات والمكاتب السياسية". أي أنها كانت دائمًا ملتقى. وكانت دائمًا ساحة مفتوحة.
 
 
ولأنها كذلك، صارت الحمرا انعكاسًا دائمًا لما يحدث في لبنان. في الرخاء، تكون الحمرا مشرقة، أنيقة، حيّة. وفي الحرب، تنكمش وتصمت وتنتظر. وفي الانهيار، تفقد محالّها، مقاهيها، ناسها، وتتحول إلى شبح مدينة. لكن حتى في أقسى حالاتها، تبقى الحمرا "المدينة والحياة"، كما وصفها المصور رمزي حيدر.
 
 
معرض من أرشيف لا ينام
 
في المعرض، يتضح سريعًا أن بعض الأمور في بيروت لم تتغير، أو بالأحرى لم تُحلّ. تختفي حينًا ثم تعود في توقيت آخر، كأنها دورات لا فكاك منها: أزمة النفايات، انقطاع الكهرباء، الحرب وما فعلته في العمران والناس، وما تبقّى بعدها من خراب معلّق. هذه الملامح المتكررة ليست تفاصيل، بل علامات ثابتة في مشهد المدينة.
 
 
وهكذا، لا تكتفي الصور بتوثيق الزمن، بل تفضحه. وهنا بالتحديد، يخرج هذا المعرض من نطاق النوستالجيا البسيطة، ليدخل في عمل تأريخي فعلي، مدروس، ومقصود.
 
 
فمنذ أوائل التسعينيات، بدأت جريدة "السفير" مشروع مكننة الأرشيف، جمع فيه الراحل طلال سلمان، مؤسس الصحيفة ورئيس تحريرها، مئات آلاف الوثائق: مقالات، تقارير، قصاصات، وصور من كل الأحداث الكبرى والصغرى، في بيروت ولبنان والمنطقة. هذا الجهد، الذي تحوّل إلى نسخ رقمية، لم يكن مجرد حفظ ذاكرة، بل تأسيسًا لما أسماه طلال سلمان بـ"مركز معلومات حيّ"، كأنه أراد أن يجعل من الجريدة عقلًا أرشيفيًا لمدينة تتآكل ذاكرتها سريعًا.
 
 
يقول أحمد سلمان، المدير العام لـ"السفير"، إن المعرض هو أحد تجلّيات هذا العقل. إعادة قراءة الأرشيف لا على قاعدة الحنين، بل كطريقة لفهم الزمن من خلال المكان، لفهم البلد من خلال الشارع. الحمرا هنا ليست مجرد خلفية للأحداث، بل عدسة نرى من خلالها تحولات كبرى، من الحرب الأهلية، إلى الاجتياح الإسرائيلي، إلى الانتفاضات، إلى زمن "البحبوحة" وما بعد الحرب، فإلى اليوم.
 
كل صورة هنا اختيرت بعناية، لا لأنها جميلة أو مؤثرة بصريًا فقط، بل لأنها تلتقط لحظة، أو تكشف تحوّلًا، أو تشرح. 
 
 
من 1974 إلى اليوم، تغيّرت بيروت مرات كثيرة. لكنها، كما تقول الصور، كانت كل مرة تمرّ من الحمرا. الشارع الذي شهد قيام التجارِب وسقوطها، حيث تأسست الصحف، وتكوّنت المعارضة، وتلاشت الأحزاب، وتبدلت الطبقات. في الحمرا تُختبر الأفكار، وتُكشف الأكاذيب، وتُقاس حرارة البلد.
 
في النهاية، لا يخبرنا المعرض فقط عن شارع، بل عن بلد. لا عن زمن مضى، بل عن حاضر يتكرر. والصورة، حين تكون صادقة، لا تعيد إنتاج الحنين، بل توقظ الوعي.
 
مكان واحد... أربع زوايا
 
عرف المصورون جيدًا أين يجب أن يقفوا، وأي زاوية تمنح الصورة معناها الأوضح. أربع نقاط رئيسة تتكرّر في المعرض، كأنها عيون الحمرا المفتوحة على الزمن: تقاطع الوردية، ساحة الكوستا(مقهى الهورس شو قديمًا)، مدخل مسرح البيكاديلي، وسينما الستراند.
 
 
من هذه الزوايا تحديدًا، التُقطت صور المظاهرات، الاجتياحات، الاحتفالات، أزمات نفايات، انفجارات، لافتات.
 
في إحدى تلك الصور، يظهر مقهى "الويمبي"، مباشرة بعد عملية مقاومة، قُتل فيها جندي إسرائيلي في قلب شارع الحمرا خلال الاجتياح عام 1982. كان المصور عباس سلمان هناك، يلتقط اللحظة التي ستتحول لاحقًا إلى أيقونة. لم تعد مجرد وثيقة، بل صارت علامة، إثباتًا بأن الحمرا لم يكن حيًّا محايدًا أو مجرّد شاهد. بل كانت دائمًا حيًّا متورّطًا، ناطقًا، وفعلًا في قلب الفعل.
 
لكن خلف هذه الصور، هناك ما هو أكثر من التقنية واللحظة. فالصورة سابقًا كانت مغامرة حقيقية. لم تكن هناك شاشات رقمية ولا مراجعة فورية. الكاميرا تلتقط، والمصور ينتظر التحميض ليكتشف ما سجّل. ومع ذلك، كان يعرف غريزيًا أين يقف، ومتى يضغط على الزر، ولأي سبب. الصورة كانت تقتنص كما تُقتنص الشهادة الحيّة.
 
 
أما اليوم، فالتصوير بات سهلًا. الآلات ذكية، والشاشات توضح كل شيء. صار بإمكان أي شخص أن يصور أي شيء في أي وقت. لكن مع هذه السهولة، تراجعت الدهشة. كأن العين نفسها فقدت حساسيتها. كثافة الصور قتلت التأثر. الصورة لم تعد تُفاجئ، ولا تُصدم، ولا تُحرّك كما كانت. وربما لأن الواقع نفسه أصبح متخمًا، والحمرا، رغم أنها ما زالت تُصوَّر، لم تعد تُرى حقًا.
 
 
الحنين
 
في المعرض، لا يتوقف الزوار أمام الصور لمجرد الفرجة، بل يدخلونها كما يُدخل المرء ذاكرته الشخصية. يتأملون المقاهي التي أقفلت أبوابها، الوجوه، اللافتات، والألوان التي بهتت مع الوقت. الشارع، الذي كان يومًا أنيقًا، حيًّا، مُرحّبًا، تحوّل في نظرهم إلى حيّ خافت، متعب، بلا ملامح واضحة.
 
 
لكن هذا الحنين، كما تقترح "السفير"، لا يُقصد به الرثاء. بل هو وسيلة لفهم ما جرى. الحنين، هنا، ليس انكسارًا على الماضي، بل محاولة لتفسير الحاضر عبره.
 
في نهاية المعرض، يفهم الزائر أن الحمرا ليست مجرد شارع، تمامًا كما أن "السفير" لم تكن يومًا مجرد صحيفة. العلاقة بينهما كانت عضوية. أحدهما أعطى الآخر المساحة، والآخر منحه الصوت. الحمرا كانت منصة، و"السفير" كانت الميكروفون. الحمرا وفّرت اللقاء، و"السفير" كتبت ما دار فيه.
 
واليوم، في زمن الخفوت، في هذا البلد الذي يفقد كل شيء بهدوء... تعود "السفير" لتقوم بدورها الأصيل. تفتح أرشيفها لا لتستعرض أمجادًا، بل لتعيدنا إلى الطريق.
 
 
لا طريق الحمرا فحسب، بل طريق المدينة التي كانت، وقد تكون. المدينة التي كانت تصنع ذاتها بالكلمة والصورة، بالحبر والصوت، بالمقهى والمظاهرة، بالجريدة والمسرح.
 
طريق يجعل من الصِّحافة ذاكرة الناس، ومن الشارع ضمير البلاد.
 
 
ولعلّ هذا كل ما تبقّى لنا لنتمسّك به: ألا ننسى، وألا نكفّ عن رؤية ما جرى.
 
 
 
المصدر: المدن