أحداث ثقافية أخرى
«الأرز والفولاذ» يحن إلى المشهدية العمرانية في بيروت
منال عبد الأحد
الخميس 30 تشرين الثاني 2017

يطرح فيلم «الأرز والفولاذ»، على مدى ساعة من الزمن، إشكالية تتمحور حول هدم الأبنية التراثية في بيروت وتقويض هذه الأمكنة التاريخية، بغية تحويلها إلى أبراج من الإسمنت البارد تحجب الأفق وتغيّب روحية المكان، بحيث تفتقر إلى أية ملامح أو هوية عمرانية لطالما ميّزت المدينة.

تجوب كاميرا «الأرز والفولاذ» داخل أحد تلك المباني التراثية الذي ما زال قائمًا حتى اليوم وتصوّر جمالية الحياة فيه ببساطة تحاكي أسلوب السهل الممتنع، فتبتعد عن الألعاب والحيل الإخراجية لتُظهر إلى الجمهور على سجيّتها يوميات أناس يتشاركون حياة اجتماعية دافئة، فيجتمعون على القهوة تارة، وجلسات المشاوي والغناء تارة أخرى، فيما يسبح الأطفال في حوض النايلون حينًا، ويلعبون على السلالم حينًا آخر.

وترينا الكاميرا في طريقها كيف تتمركز في هذا البناء العريق مدرسة لتعليم التعبير المسرحي يرتادها سكان المدينة أطفالًا وكبارًا، أسستها وتولت العمل فيها الفرنسية «فاليري فنسان»، مخرجة الفيلم.

«فنسان» التي تقيم في البناء منذ عشر سنوات اضطرت إلى مغادرته بعد أن لحقت الأضرار بشقتها، وأقفلت على الأثر مدرسة التعليم المسرحي مرغمة. فودعت بأسى سكان البناية الذين أصبحوا أهلًا لها طيلة عقد من الزمن وتحدثت بمرارة عن رجل غادرهم إلى مكان آخر ربما يكون أفضل، في إشارة إلى أنه قد وافته المنيّة. كانت «فنسان» قد طلبت تكرارًا من صاحب المبنى تصليح شقتها إلا أنّه لم يستجب وهذا ما اضطرها إلى الرحيل.

بين المشهد والآخر، تظهر «فنسان» خارج المبنى في صحبة إحدى الناشطات في مجال الحفاظ على الأبنية التراثية في بيروت، تطلعاننا على واقع الحال فتعرضان علينا صور أبنية ما زالت صامدة وأخرى قبل هدمها وبعده، هذا إضافة إلى واجهات بعض المباني التي تمّ الاحتفاظ بها بعد أن جرى تفريغها من روحيتها عقب هدم سائر أجزاء المبنى، لتبقى شاهدةً على استباحة هذه المدينة بشقيها التراثي والمجتمعي. وعبر هذا كله تسلّط «فنسان» الضوء في فيلمها على أبعاد تجريد بيروت من هويتها التاريخية على اعتبار أنه رديف لتجريدها من هويتها الاجتماعية على حدٍّ سواء.

الفيلم، الذي أخرجته «فاليري فنسان» وأنتجته اللبنانية ندى طراف في تعاون مشترك بين شركتي Darkside اللبنانية و A ProPos الفرنسية، تطغى عليه الشاعرية فتظهر فيه المخرجة وهي تذرف دموعها أحيانًا على بيروت التي اندثرت.

يلقي «الأرز والفولاذ» الضوء على إزالة معالم مدينة بأسرها وتشويه هوية وطن بكاملها فيعتبر محطة مهمة لكل من يشاهده بحيث يظهر ما يتهددنا في المستقبل المنظور؛ ومع هذا لا بد من الإشارة بقدر كبير من الدهشة إلى أن الحضور البيروتي في الفيلم، يقتصر على عائلات فرنكوفونية بالغالب بحيث أن ما يغيب عن الفيلم في معظمه ذلك الطابع البيروتي بموروثه العريق والذي قد نتساءل كيف لم تتنبه المخرجة إلى وجوده هي التي عاشت في العاصمة اللبنانية طوال عشر سنوات!.

شارك الفيلم في عدد من المهرجانات في مونتريال وسيدني وطنجة. وتم اختياره للمشاركة في المعرض الذي يقيمه متحف «ماكسي» الشهير لفنون القرن الحادي والعشرين في روما والذي سيخصص هذا العام لبيروت. وإلى هذا كله لا بد أن نذكر أن الفيلم قد عُرِض ابتداءً من الـ22 من الشهر الفائت ولغاية الـ25 منه في سينما «متروبوليس أمبير صوفيل»- في بيروت، أمام جمهور يبدو أنه تجاوب معه.



المصدر: الحياة