أحداث ثقافية أخرى
"دورية الليل" لرامبرانت تحفة عصر الباروك الذهبية
إلياس حموي
الخميس 3 تموز 2025

لم تكن "دورية الليل" لوحة عادية في مسيرة الرسام رامبرانت فان راين ولا في تاريخ الفن التشكيلي، بل يرى البعض أنها أعادت تعريف فن البورتريه الجماعي، وظلت شاهدة على براعة الفنان في استخدام التكوين والضوء والظل، وكانت نقطة تحوّل في تاريخ التصوير الأوروبي.
 
في العام الماضي صرح أخصائيون في علم الكيمياء من جامعة أمستردام في هولندا أنهم اكتشفوا أصباغا سامة استخدمها الفنان الهولندي رامبرانت فاين راين (1606-1669) في لوحته الشهيرة “دورية الليل” التي رسمها عام 1642، وذلك باستخدام الأشعة السينية والتحليل الطيفي المجهري، وتوصلوا إلى أن اللون الذهبي البراق في اللوحة ما هو إلا خليط صناعي من الأصفر الرصاصي الممزوج بالزئبق والكبريت لإنشاء طلاء برتقالي، كما اكتشفوا استخدامه في بعض الظلال الحمراء مادة الزرنيخ الأحمر وهي مادة لا يمكن الحصول عليها إلا من التعديل الصناعي.
 
ويعتقد الفريق العلمي الذي أجرى البحث أن رامبرانت قد اشترى هذه الأصباغ ولم يقم بتصنيعها بنفسه لأن هذه المواد السامة كانت موجودة في أوروبا في القرن السابع عشر، حين رسم رامبرانت لوحته هذه التي أطلقت شهرته وخلدت اسمه كأحد أعظم رسامي عصر الباروك أو العصر الذهبي للفن في أوروبا، ولوحة “دورية الليل” هي عبارة عن تصوير لفرقة المنطقة الثانية العسكرية التي يتزعمها النقيب فرانس كوك والمسؤولة عن حماية أحياء مدينة أمستردام ليلا.
 
اللوحة السر
 
رسم رامبرانت هذه اللوحة بناء على طلب النقيب كوك الذي أوكلت إليه هذه المهمة عام 1639 أي بعد عام من انتقاله إلى مدينة أمستردام والاستقرار فيها وكذلك كي تقوم الفرقة بعرض اللوحة في مقرها الرسمي كتذكار، ولم ينته رامبرانت منها إلا في عام 1642.
 
يظهر في اللوحة النقيب فرانس كوك الذي يقف على رأس فرقته في أحد أحياء المدينة ليلا، ويشير بيده إلى شيء يحصل أمامه غير مرئي لنا وكأنه يسأل أحدهم “ما الذي يحصل هنا؟” إلى جانبه يقف مساعده الملازم وليام رويتنبرغ وخلفهما الجنود الذين بدأوا بتجهيز أسلحتهم المتنوعة من بنادق ورماح للقيام بعمل ما بانتظار أن يأخذوا أمر التحرك من قائد الفرقة أو مساعده للتحرك في الوقت المناسب. خلف النقيب جهة اليسار تقف امرأة علقت على خصرها دجاجة نافقة وبجانبها محارب يرتدي خوذة حديدية عليها شريط من ورق الحبق الأخضر.
 
توحي الأجواء في اللوحة بأن احتفالا ما أو كرنفالا كان يحدث في المدينة حيث يوجد قارع طبول يمين اللوحة، وفجأة على ما يبدو قد حدث أمر ما في هذا الحي الذي تتمركز فيه الفرقة، الأمر الذي دعا النقيب كوك لأمر جنوده بالاستعداد بينما يستفسر من أحدهم عن الموضوع.
 
ارتدى كوك ملابس سوداء ووشاحا أحمر عكس مساعده الملازم وليام الذي ارتدى ملابس ذهبية ووشاحا أبيض كألوان الملابس التي ترتديها المرأة الوحيدة في اللوحة والتي تعلق الدجاجة الميتة على خصرها.
 
وبالإضافة للقوة التعبيرية والدرامية التي تتمتع بها وجوه شخصيات التي أعطتها هذه الحيوية، فتوزيع الضوء جاء مميزا حيث أنه يأتي من الأعلى من جهة اليسار وغير معروف مصدره وهذا الشيء أحد نقاط قوة هذه اللوحة حيث تتوزع الإضاءة على الشخصيات، وهناك شخصيتان هما اللتان ينيرهما الضوء بالكامل وألوان ملابسهما ساعدت في حدوث ذلك، وهما الملازم والمرأة، حيث يظهران مشعان كالذهب.
 
هذا أحد أسرار هذه اللوحة، وكأن رامبرانت كان يتعمد أن يظهر هذا الإشعاع، أما باقي الشخصيات فالضوء يصيب وجهها أو بعض أجزاء من جسدها والباقي ظلال، ويرتبط اللون الذهبي بالنصر وتبدو المرأة أشبه بالملاك أكثر من كونها امرأة عادية وخصوصا أنها تحمل القربينة (مخالب الدجاجة الميتة) على خصرها ويمثل المسدس وراء الدجاجة نبات النفل، وتحمل المرأة في يدها كأس الفرقة وكل تلك العلامات إشارات على نصر الفرقة العسكرية وقوتها وخصوصا أن الدجاجة النافقة تمثل الخصم المهزوم وكأن رامبرانت أراد أن يوصل رسالة عن قوة الجيش الهولندي من هذه اللوحة.
 
ولم ترض اللوحة النقيب كوك وعساكره بعد أن شاهدوها بل أثارت استياءهم واعتبروا أن رامبرانت لا يستحق المبلغ المالي الكبير الذي دفعه كل واحد منهم، وذلك لأنهم لم يتعرفوا على ملامح وجوههم جيدا في اللوحة معتبرين أن الرسام تقصد إيضاح ملامح النقيب كوك ومساعده الملازم كنوع من التملق لهما، مقابل إهمال تفاصيل أو الملامح الحقيقية لجنود الفرقة، الأمر الذي أزعجهم كثيرا وراحوا يشهرون بالرسام في أوساط نخب المجتمع ونبلائه قصدا فبدأ الناس بالإحجام عن رامبرانت وعدم طلبه لرسمهم.
 
امتعاض ورفض
 
 
أثرت هذه الحادثة على رامبرانت كثيرا من الناحية المادية، لذلك حاول جاهدا تبرير قصده من هذه الفعلة للناس وللأوساط النبيلة وللفرقة نفسها، وتوضيح أنه لم يكن يقصد ذلك وأن الذي حصل كان لضرورات فنية لكن حججه لم تقنعهم وخصوصا أنه في لوحته “درس التشريح مع الدكتور تولب” عام 1632 أظهر الوجه بدقة كبيرة للدكتور تولب وللأطباء الجراحين الذين تواجدوا في غرفة التشريح في مبنى نقابة الجراحين التي كان يترأسها تولب.
 
وفي تلك اللوحة، تعرف كل شخص من الأطباء على نفسه عكس أفراد فرقة النقيب كوك الذين لم يتعرفوا على أنفسهم في لوحة “دورية الليل” التي رسمها بعد عقد كامل من رسمه للوحة “درس التشريح مع الدكتور تولب.”
 
وما عمق المشكلة أن هذه الفرقة كانت محط تقدير كبير من الشعب لمهامها في حماية أحياء أمستردام لذلك اعتبر الناس أن رامبرانت أساء إليها بتصرفه الأرعن هذا.
 
لقد كان عقد الثلاثينات من القرن السابع عشر عقدا ذهبيا بالنسبة لرامبرانت، ففيه أنجز أهم لوحاته والتي بدأت مع “درس التشريح” عام 1632 ثم بعدها بعام “العاصفة على بحر الجليل” 1633 والمأخوذة من الكتاب المقدس الإنجيل، والتي تظهر تلاميذ المسيح في المركب وسط البحر يواجهون العاصفة الهوجاء ويحاولون التشبث بالمركب والنزول منه إلى مركب آخر قبل أن يغرق.
 
تصوير لفرقة المنطقة الثانية العسكرية التي يتزعمها النقيب فرانس كوك والمسؤولة عن حماية أحياء مدينة أمستردام ليلا
 
بعدها رسم لوحة “الابن الضال في الحانة” عام 1635 وهي أيضا لوحة مأخوذة من قصة الابن الضال التي رواها المسيح للجموع، ويظهر في اللوحة الابن وهو يلهو مع إحدى النساء في الحانة، ليتبعها رامبرانت بعد عقود بلوحة عن الموضوع نفسه وهي “عودة الابن الضال” 1669 العام الذي توفي به ويظهر فيها الابن بحالة مزرية وهو راكع عند قدمي والده الشيخ الجليل نادما يطلب العفو، بينما أبوه يربت على كتفه بعطف ومحبة.
 
رسم رامبرانت خلال حياته العشرات من اللوحات، كانت من أشهرها “العروس اليهودية” عام 1665، وهي لوحة تصور رجلا يداعب ثدي زوجتهُ من فوق ملابسها بغية الاستعداد للعلاقة الحميمة بينهما، كما اشتهر رامبرانت برسم عشرات البورتريهات الشخصية لنفسه عكس باقي الرسامين. وقد تأثر في فنه برسومات الفنانين الإيطاليين مثل فاجيو وبيتر روبنس وكان أحد نجوم عصر الباروك الذي بدأ في أوروبا من القرن السادس عشر واستمر حتى القرن الثامن عشر.
 
 
المصدر: العرب اللندنية