أحداث ثقافية أخرى
الانتفاضات العربية كشفت عنف المجتمعات وسلطاتها
موريس أبوناضر
الخميس 30 تشرين الثاني 2017

يتفق علماء الاجتماع على أنّ العنف ظاهرة اجتماعية تندرج ضمن آليات الدفاع عن النفس ضدّ الأخطار التي تواجه الإنسان، في سعيه إلى البقاء واستمرار الحياة. العنف تعريفاً كظاهرة هو استخدام غير مشروع للقوة المادية بأساليب متعدّدة، لإلحاق الأذى بالأشخاص والجماعات والممتلكات. أمّا عند ارتباط العنف بالسياسة فتكون أهداف العنف إما الإصلاح، وإما الثورة.

إن دراسة التاريخ البشري تفيد أن العنف صفة ملازمة للإنسان والحيوان، وقد بدأ مع أسطورة الصراع بين قايين وهابيل، واتخذ أشكالاً وأساليب متعدّدة كالصراع بين فرد وفرد آخر، وبين فئة وفئة أخرى، وبين جماعة وجماعة أخرى، وكان العنف دائماً يتخّذ شكل عنف مادي ومعنوي يشير إلى نزعة في التسلّط والاستغلال.

في كتابٍ أعدّه باحثون عرب بعنوان «العنف والسياسة في المجتمعات العربية المعاصرة» (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)، ثمّة تحليل لمجريات العنف يتبيّن من خلالها أنّ الأعمال الفكرية التي كتبت إبّان الانتفاضات العربية وما بعدها، تتسِّم بكونها أحدثت نوعاً من الانفصال عن الكتابات السياسية السابقة على مرحلة الانتفاضات، لتناولها الواقع العربي في شكل نقدي، ومحاولتها التخلّص من معوقات البنى التقليدية في التربية والاجتماع والفكر. معوقات ظهرت من خلال العنف الطائفي والاجتماعي، وعنف العصابات الموالية وعنف المعارضين.

بيّن الباحثون أن العنف نوعان، «عنف الأنظمة الذي هو نتاج استبدادها، ورفضها الإصلاح، وعنف الشعوب الذي هو نتاج كسر حاجز الخوف، وتصميمها على انتزاع الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

من المتفق عليه أن النظم السياسية الحاكمة في البلدان العربية منذ بدايات الاستقلال عملت على تكريس الاستبداد السياسي والسلطوي، خدمةً لمصالح النخب السياسية الحاكمة. وقد نتج من ذلك إقصاء ممنهج لمختلف الطبقات الاجتماعية والنخب المعارضة.

لا تنعم معظم النظم السياسية العربية بالشرعية اللازمة لقيادة المجتمع، لذلك تلجأ إلى العنف في مواجهة مطالب شعوبها في عيش كريم، كما تلجأ إلى التخفيف من وطأته في بعض الأحيان باستخدام الريع الاقتصادي، أو بتوظيف السلوك العصبي العشائري، أو التطرف العقائدي، ولكنها في كل الأحيان تبني علاقتها بشعوبها على قاعدة القبول بالأمر الواقع، وإلا العنف. وهذا ما يلاحظ في حركة الانتفاضة في مصر، والثورة في سورية. ففي الأحداث الأخيرة في مصر، كانت واقعة الجمل حيث اقتحم رجال شرطة يمتطون الجمال والخيول ميدان التحرير حاملين السيوف والعصي، وانهالوا بالضرب على المتظاهرين، يدعمهم قناصة في أعلى المنازل أطلقوا رصاصهم على المتظاهرين، فقتلوا وجرحوا المئات وأفقدوا نحو ألف من المتظاهرين بصرهم.

هكذا تبدو حادثة العنف في زمن الثورة المصرية تجسيداً لتعارض سياسي بين النظام والمجتمع. أما الثورة في سورية فاتسمت منذ انطلاقتها في إطار الربيع العربي بمنعطفاتها العنفية القصوى، وبذلك غدا العنف في هذه الثورة قوة اجتماعية قائمة، لا أداة من أجل تحقيق أهداف سياسية معلنة، ويعزى ذلك إلى عاملين أساسيّن: طبيعة النظام السياسي بما هو نظام قمعي، وإقصائي مفرط، ووضع سورية الجيوسياسي، وتحالفات النظام مع قوى خارجية.

اتسمت مظاهر العنف التي مارسها النظام في سورية بالقتل والاعتقال والإعدام والتشريد وتدمير المنازل والمنشآت، خصوصاً عندما تحوّل العنف حرباً فعلية من خلال اللجوء إلى العنف المسلح. إن العنف المنهجي المعتمد من النظام الذي انطلق ضدّ التظاهرات والاعتصامات في المدن السورية أدّى إلى ما يمكن تسميته «اقتلاع جذور» المجتمع السوري، بشرياً واجتماعياً، وذلك بتزايد ظاهرة اللاجئين إلى دول الجوار.

إن مظاهر العنف وأنماطه التي تولّدت من خلال الثورة السورية نتيجة الصراع الدامي بين النظام والشعب الذي شهد تعقيدات كبرى بفعل تدخّلات إقليمية، دفعت بالمجتمع السوري إلى أن يصبح مجتمعاً مشرّداً بأحواله المعيشية والاجتماعية، وأصبح العنف الذي يعاني منه ظاهرة اجتماعية شبه مستقلة، لها آلياتها ومصادرها المادية والبشرية وأدواتها الإعلامية، وتحوّل محرّك العنف المسلح من قوى مدنية منفتحة إلى قوى سياسية شبه مغلقة (داعش والنصرة).

يتخذ العنف أشكالاً مختلفة كما قدّمنا منها ماهو مادي يستهدف إقصاء الآخر، ونفيه من الوجود، ومنها ماهو إذلال وتعذيب وإلحاق الآذى بالغير، والاعتقال والتشريد والحصار، ومنها ما يرتبط بالعنف الرمزي الذي يتحقّق من خلال الإعلام الذي يهدف إلى استمالة الجماهير وتعبئتها قصد المساهمة في الثورة أو في التغيير، أو العمل على منع التحاق الناس بالثورة، وتضليلهم وتشويش مسعاهم بنشر منظومات قيم تتدفّق من قناعات النخب الحاكمة. من هنا تبدو خطورة الفعل الإعلامي أكان من خلال صحيفة، أم من خلال قناة تلفزيونية تزكّي العنف لمصلحة هذا الفريق أو ذاك بتقويته من خلال تضخيم قدراته، أو التهويل بما لديه من إمكانات فاعلة في القمع والاستبداد.

إن الطفرة الإعلامية الراهنة التي حلّت فيها الصورة محلّ الكلمة، كشفت طرائق استعمال العنف، وبينّت بشاعته خصوصاً عندما سمحت بعض الأقنية التلفزيونية لبعض المثقفين التكفيريين التعبير عن أرائهم بواسطة لغة حملت كمية من الألفاظ التي تنمّ عن طائفية متزمّتة، وانغماس في تحريك العنف قولاً وفعلاً.

يجمع الباحثون على أن أسباب العنف في المجتمعات العربية تكمن في أوضاع العالم العربي غير المستقرة، نتيجة ما يعتمل في داخله من انقسام وصراع سياسي، وخلاف طائفي، وصراع على السلطة والمكاسب، واستمرار الفقر والتهميش الاجتماعي، والتفاوت الاقتصادي، ومظاهر الاغتراب والاستعباد، وهي أمور تهدّد مستقبل الدول العربية ووحدة كياناتها. لذلك لابدّ من من العمل لتجنّب آفات العنف السياسي عبر التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية أفقياً وعمودياً، وتحمّل الدول العربية مسؤولياتها في النهوض بالأوضاع السياسية للإنسان العربي، بغية تحقيق تطلعاته وآماله، وإحقاق المواطنة الحقة التي تجعل منه إنساناً حرًا يعيش حياة كريمة.

في الاختتام، لا أحد ينكر أن العنف ظاهرة طبعت التاريخ الإنساني كما يشهد تواتر المعارك والحروب منذ الأزمنة السحيقة وحتى اليوم، والجدير قوله إن الجماعات كانت في الماضي تواجه العنف الآتي من خارجها أو تمارسه ضدّ جماعات أخرى معادية لها وهي متحدة متكاتفة، لكن مع ظهور المجتمع الحديث وبروز الفرد باعتباره كياناً مستقلاً، ومصدراً لكل صلاحية على الصعيد الأخلاقي، أصبح العنف خطراً يهدّد الجماعات بالانهيار من الداخل، قبل أن يوجّه ضربات قاصمة لكياناتها من الخارج. من هنا لا بدّ من تقوية أركان الدولة كي نخفّض من معدّلات العنف، والسيطرة عليه. إن زوال العنف على ما يقول الفيلسوف الألماني ماكس فيبر، رهين قدرة الدولة على استعماله، والتلويح به ضد كل فرد من رعاياها تساوره نفسه الخروج عن قوانينها.



المصدر: الحياة