"يا فؤادي"...أو ظاهرة رثاء صالات السينما اللبنانية
محمد حجيري
الأربعاء 28 أيار 2025
قبل ثلاثين عاماً، اختار الناقد السينمائي ومخرج الأفلام الوثائقية، محمد سويد، أن يرثي صالات السينما في بيروت في كتابه "يا فؤادي". محمد سويد، المولود في بيروت، نشأ على شاشاتها المنتشرة ما بين ساحات الدباس ورياض الصلح والبرج والشهداء، ومن سينما كابيتول إلى صالتَي بيبلوس والجندول في شارع الصيفي ومحيط المرفأ. ذهابه إليها في حداثة سنه، كان نزهته الوحيدة، أمّا المنطقة الحاضنة لها في وجدانه، فكانت ساحة البرج.
بعد اتفاق الطائف ونهاية الحرب ومجيء جرافة "سوليدير" لإعمار وسط بيروت، رجع محمد سويد إلى دفتر أخضر قديم كان يملأه، وهو ابن 13 عاماً، بعناوين افلام أدمن على مشاهدتها في صالات البرج. حمل آلة التسجيل ودخل مكاتب أصحاب دور العرض والموزعين. طرق أبوابهم حباً في سماع ذكرياتهم عن السينما والصالات التي ورثوها عن آبائهم أو تولوا تأسيسها وأضحت اليوم نسياً منسياً. لوهلة، شعر أن ما يبحث عنه لن يكون سوى حكاية مثيرة للأسى. واكتشف، في المقابل، انه كان في انتظار لحظة تضعه على مسافة من أحاسيس الحسرة. فعلى مدى سبع سنوات، تجمعت لديه أوراق وأشرطة رديئة التسجيل. عمل على تفريغها وتدوينها، تمهيداً لنشرها في مناسبة ما، مترقباً أنها ستحمل عناصر السرد اللازمة لنشأة دور العرض السينمائي في بيروت. وكانت النتيجة كتابه "يا فؤادي" الذي هو "نحت في الزمن" إذا ما استعرنا تعبير تاركوڤسكي، ليشكّل سيرة شخصية وسينمائية عن تلك الصور والأماكن والوجوه التي خال أنها طوت نفسها، فإذا بها تسري أرقاً في حياته.
كتاب سويد يعالج بحثاً ما عن تلك الصالات اللبنانية التي تحوّلت جزءاً أساسياً من الذاكرة والتاريخ والنوستالجيا. لا يقدم سويد دراسة بالمعنى العلمي، ولا توثيقاً بالمعنى التقني. يعترف أن أول ما أغراه بالتردد على دور السينما والتسكع في أحيائها، لم يكن الأفلام أو نجومها أو لافتاتها الإعلانية، بل أبوابها وأمكنتها وسلالمها، مُحدداً "السلالم الخلفية لمبنى سينما بيغال في ساحة الدباس". يقول متسائلاً: "لعلني وقعت في هوى الصالات، أكثر من حب السينما"، مضيفاً أن "السينما نزوع الى الماضي ودور العرض صانعة ذكراها". وبين إصدار الكتاب قبل ثلاثين عاماً، وإعادة إصداره اليوم في طبعة ثانية، ماتت الصالات مرة ثانية، ماتت في المرة الأولى في الحروب الطويلة والغزوات والتناحرات، وماتت في المرة الثانية بعد التحولات في علاقتنا بالأشياء وولادة أقراص "دي في دي" والإنترنت والمنصات ونتفليكس والفردية المتطرفة واللامكان. الصالات التي انتقلت من الحمرا ووسط بيروت إلى جغرافيا جديدة، واحتضرت، صرنا بعدها أمام موجة جديدة من الدراسات والعروض والأبحاث، تستقرئ الأمكنة والذاكرة والموت.
ما قدمه محمد سويد قبل ثلاثين عاماً، أصبح موضة أو ظاهرة في السنوات الأخيرة. كثر من الباحثين والباحثات، والمخرجين والمخرجات يبحثون عن أثر الصالات وعروض الأفلام وتأثيرها في المجتمع والمدن، والبحث يأتي بعد رحيل الصالات أو موتها، ومن خلال الأرشيف أو ما تبقى من دفاتر الصالات وملصقاتها وكراكيبها.
يروي سويد أنه يوم قرّر تقديم كتابه، كان صعباً الوصول إلى أي أرشيف، صالات البرج كانت أثراً بعد عين، وكانت ذروة وداعها يوم تفجير سينما الريفولي. حتى أصحاب الصالات لم يكن لديهم إلا القليل من الصور الوثائق، وكان الوصول إلى بعض المؤسسات التوثيقية مكلفاً جداً. توثيق ذاكرة صالات طرابلس في السنوات الأخيرة، لصدفة ما، كان أسهل. قدمت الباحثة الالمانية الفرنسية ناتالي بوخر معرضها "طرابلس سكوب، عودٌ على طرابلسَ في ثقافتِها وممارساتها السّينمائيَّة" في شكا(شمالي لبنان)، ووثقت جانباً من حياة سينما طرابلس وناسها واقتصادها وثقافتها وترفيهها، بين بداية الأربعينات وصولاً إلى ما قبل الحرب الأهلية اللبنانية. قالت بوخر إن المعرض "ليس تمريناً في الحنين". الحصول على بعض الوثائق المهملة والمهجورة أتاح التعرف على عوالم فقدناها في مدينة شهدت حروباً وتحولات ضارية، وكانت السينما فيها جزءاً من صناعة الحياة.
المخرج هادي زكاك أيضاً اهتم بنوستالجيا السينما الطرابلسية في كتابه "العرض الأخير"، ويبيّن أن السينما عُرفت في الأوساط الشعبيّة الطرابلسيّة بإسم "سيلَما" واحتلّت مكانةً مهمّة في عاصمة الشمال اللبناني، امتدّت من الثلاثينيّات إلى نهاية القرن العشرين. تخطّى عدد صالات السينما الثلاثين وانتشرت في أنحاء المدينة، من ساحة التلّ إلى البولفار والأحياء الداخليّة وباب التبانة وصولاً إلى الميناء، وكانت جزءاً من الحياة الاجتماعية والسياسية والترفيهية، ونهايتها مرآة لنهاية المدينة وللحرية الفردية.
وقدّم المخرج أنطوان كبابة، المولع بالسينما وشارع الحمرا كتابه "المشهد الأخير"، الذي يحتوي على 800 صورة و110 رسوم توضيحية ملونة و75 مُلصقاً من 225 دار سينما. ووَثّق عبودي أبو جودة تاريخ السينما اللبنانية في معرض وكتاب "هذا المساء"، بأفّيشات أفلام "بيّاع الخواتم"، "سفر برلك"، "عصابة النساء"، "بنت عنتر"، "يا سلام عالحب"، و"شارع الضباب". حتى النادي السينمائي العربي، جاء من يرسم صورته الزاهرة، فكتبت الباحثة والمحاضرة في مجال الدراسات السينمائية، ناييس فارين، دراسة معمقة عن النادي الآفل منذ السبعينات، وأظهرت أن انشاء النادي العام 1973 شكّل دليلاً بارزاً على أهمية تزايد السينما البديلة، من خلال محاولة التصدي لتغييب هذا النوع السينمائي الجديد من صالات العرض. حمل مؤسسو "النادي السينمائي العربي" طموحات وتطلعات سياسية عديدة، تبدَّت بشكل خاص في علاقتهم الخلافية بـ"مهرجان الافلام الناطقة بالفرنسية" و"نادي بيروت للسينما". ومن خلال التركيز على تاريخ "النادي السينمائي العربي في بيروت"، سلطت دراسة فارين الضوء على جانب غير معروف من تاريخ السينما في لبنان، وطرحت أسئلة تتعلّق بتسييس الممارسات السينيفيلية في أوائل السبعينيات، وبالممارسات الراهنة المتمثِّلة في تحويل بعض الأفلام التي أخرجها أو عرضها أعضاء ذلك النادي، إلى تراث سينمائي. كان النادي جزءاً من واقع سياسي، جزءاً من مختبرات بيروت التي أُقفلت.
غرق لبنان في البحث عمّا يسمى "الزمن الجميل". بؤس الحاضر يجعلنا نتسلى بأطياف الماضي ونتحسر عليه. قرأنا الكتب عن الصالات والأفلام في بيروت ونواحيها، وفي طرابلس وحاراتها، واكتمل المشهد مع اهتمام المواقع الإلكترونية بصالات بعلبك والنبطية وصور وزحلة... عوالم كثيرة تغيرت.
تبدلتْ الأمكنة والمعايير، ماتت الصالات بالمعنى التقليدي، صارت محال ألبسة، وإن كان البعض مازال يبحث عن طقسها في المهرجانات، وإن كانت جمعيات ترمّم صالة هنا وصالة هناك في استعراض لا يدوم. تبدّل الجمهور كثيراً، تجذّر الالتحاق بالطوائف والتديّن، الاستبداد المرئي تمدّد، الهواتف الذكية سرقت عوالم الثقافة، تخطت الحدود والحواجز. ومع ذلك، في طرابلس قبل مدّة، انتصر الأئمة في اختيار الأفلام لمهرجان محليّ، وفي صيدا لم يخلُ عرض مسرحي كوميدي من التشويش الرقابي. في بيروت لم ينج معرض الكتاب العربي من إلغاء ندوة، تخوفاً من توتر ما، من ردّ فعل ما. مرّ المنع بصمت من دون ضجيج أو بيان. هناك تواطؤ على الصمت وتمرير الأمور بأقل خسائر ممكنة. أيضاً حصل تشويش على ندوة أخرى من سلطة الأمر الواقع. لقد تقلّص الهامش الديموقراطي، ضاقتْ مساحته. مَن حضَر معرض بيروت للكتاب في يومه الأخير، انتبه إلى واقع تحولات الجمهور وحركاته المنظمّة.
المصدر: المدن