أحداث ثقافية أخرى
فؤاد يمّين يشاكس... ويتمرّد على السلطة
خليل الحاج علي
الثلاثاء 17 أيلول 2024

مسرحيّة «هَينِة العيشة هيك» التي يقدّمها فؤاد يمّين على مسرح «دوّار الشمس»، تتأرجح بين الذاتية والعام من جهة، والواقع والخيال من جهة أخرى. يجمع يمّين قصصاً من الطفولة، سواء تلك التي حدثت معه، أو مع رفاقه، أو مع أهله، سمعها أو رواها أو استلهمها، ويُعيد صياغتها بأسلوب كوميدي متقن، يشير عبره إلى بعض ممارسات السلطة الدينية والسياسية. أثناء العرض، يتنقل يمّين في فضاء مسرحي فقير، ويظهر قدرات تمثيلية مرنة (صوتاً، وغناءً، وجسداً) ليطرح قضايا شائكة جداً. ينقسم فضاء المسرحية إلى جزأين أساسيين: إلى يمين الخشبة، شاشة تلفزيونية تُبث عبرها مقاطع وشهادات ومداخلات مصوّرة ليمّين، وإلى اليسار، كرسي خشبي يشكّل فضاء الممثل نفسه. عالمان متلاصقان ومتكاملان، ومتناقضان حتى، نكاد لا نميّز أيهما الخيالي وأيهما الواقعي. يسرد يمّين حكايات متنوّعة عن ديمانوس وحماره «آدمي» وزوجته أديل، الأم إيلدا، حبيبته الأولى يلّونا، صديقه ناجي وآخرين... هذه الشخصيات قروية ذات طابع فطري وبريء. ينجح يمّين في تجسيد إيماءاتها وانفعالاتها واستحضارها على الخشبة. تدور الشخصيّات جميعها في فلك العالم المسيحي والكنيسة والدير والمدرسة الداخلية، ما يؤكد تصويب المسرحية على بعض المحظورات والممارسات. تتحوّل الشخصيات إلى أبطال تراجيدية، في حياتها الكثير من المعاناة والجنون والسكر والعنف والقهر والتحرّش نتيجة الممارسات التي يقوم بها رجال الدين من خلف الستار. يحتفي يمّين بهذه الشخصيات، التي نكاد لا نعلم ما إذا كانت حقيقة أم من نسج الخيال، ويتنقل، كعادته، بكل سلاسة، بين حكاية وأخرى، وشخصية وأخرى. يكمش بخيوط اللعبة التمثيلية، ويجيد استخدام أدواته المسرحية، ويُدهش الجمهور لقدرته على عدم الانفلات من الشخصيات التي يجسّدها، رغم أنّه يُسجل على يمّين، تحديداً في الجزء الأول من العرض، الانجراف إلى ما يشبه أداء الـ «ستاند آب كوميدي» في بعض اللحظات.
 
 
 
رغم أنّ يمّين يتحفّظ عن ذكر اسمه طوال مدة العرض ويكتفي بكلمة «أنا»، لدواعٍ درامية على الأرجح، وحتى لا تبدو الحكاية أشبه ببيوغرافيا عنه، إلا أنّه يقع في فخ الذاتية، ويكرّس نفسه بطلاً إلى جانب الشخصيات الأخرى. في عالم شخصية فؤاد يمّين التي طرحها على الخشبة، يفرط في إقحام ذاتيته خلال العرض، حتى يبدو كأننا نحتفي به كممثل ومحترف، ونعيش لحظات مجده على المسرح. يحيّي الممثلة وأستاذة المسرح، جوليا قصار، في شهادته المتلفزة، وآخرين دعموا مسيرته الفنية، بعد رحلة مدرسية لم تكن على قدر التوقعات، إذ إنّه لم يكن «تلميذاً ذكياً». إلّا أن الذاتية في بعض الخيارات خدمت السياق العام للمسرحية، تحديداً مع فرقة «البيتلز» وموسيقى Living is Easy with Eyes Closed، وغيرهما.
 
 
نصل إلى نهاية المسرحية، إذ يوجّه يمّين خطاباً مباشراً أمام الجمهور، يهدم فيه «الجدار الرابع»، ويتمادى في فضح خبايا المسرحية. يكشف أنّ ناجي لم يشنق نفسه، بل أصبح طبيباً مرموقاً. يقلل من حيرة الجمهور، ويتركهم في حيرة حول مصير الشخصيات الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، يستدعي فؤاد يمين في خطابه الأخير، أسئلة عن دور الفن، وما إذا كان قادراً على المساهمة في عملية التغيير، أم أنه يكتفي بتكبير الآفات والعقد والمشكلات ويبسّطها أمام المتفرجين.
 
 
المسرحية تستكشف كفتَي ميزان: الحب، الإخلاص، الفطرة، والخير، في مقابل الشهوة، السلطة، والشرّ. يؤجج فؤاد يمّين هذين المتناقضين في جو مسرحي فيه جمالية تكرّس دور الممثل في الدرجة الأولى على المسرح، وتقلّص من استعمال الأدوات المسرحية الأخرى، كالموسيقى، والإضاءة، وغيرهما من العناصر (كشاشة التلفزيون، الشمسية، والحلوى) التي تظهر تباعاً، ما أعطى الإخراج لمسةً مسرحية، وجعل الخيال يتصدر المشهدية. في النهاية، مهما حاول فؤاد يمّين الابتعاد عن ذاتيته، نراه يقع في فلكه الخاص، ويحاول تصديره إلى العام. إنّه أب ويخاف على ابنه. هذا الهاجس كان حاضراً طوال العرض الذي يحاول أن يُعيد ترتيب علاقتنا بالسلطة الدينية والسياسية، وانعكاسها على حياة الأفراد. في هذا العرض الذي يبدو أنه سيترك أثراً معيناً، أجاد يمّين استخدام أدواته، وكرّس حياته وهواجسه في خدمة قضايا كبرى، بطريقة الكوميديا الدامعة. مسرحية «هَينِة العيشة هيك» طويلة لناحية المدة الزمنية، وتحتاج إلى التقليص والابتعاد عن الوعظ والإرشاد، في بعض اللحظات الأدائية، إلا أنّها ذات خصوصيّة عالية وتشبه فؤاد يمّين الطفل، والممثل، والأب.
 
«هَينِة العيشة هيك»: حتّى الأحد 22 أيلول (سبتمبر) - الساعة الثامنة والنصف مساءً - مسرح «دوّار الشمس» (بدارو، بيروت). للاستعلام: 01/381290
 
 
المصدر: الأخبار