أحداث ثقافية أخرى
الحصاد: داليا بعاصيري وجني بعض ما تبقى من عناصر وطن
نقولا طعمة
الخميس 18 تموز 2024

أمضت بعاصيري 3 سنوات بين جمع العناصر وتوليفها، قبل أن تستضيفها جدران "ربيز"، وبين أعمدة صالاته حطام أشجار خلّفتها فؤوس ومناشير البلدية، بينما تعتقد أن المدينة المكتظة بالأبنية هي أولى بكل غصن، وشجرة، وبيئتها تفتقد الهواء والأوكسيجين.
 
جمعت الفنانة اللبنانية، داليا بعاصيري (1981)، ما تيسّر من نماذج مواد من بقايا بيروت، محاولة التوليف في ما بينها لتجعل منها وحدة متكاملة، كأن حافزها هو إعادة لمّ شمل وطنها الذي مزقته الحروب، فحوّلت مما جمعت من فضلات، وبقايا متناثرة، لوحاتٍ فنية يكاد الأنين يخرج من أطرافها الممزقة، أو حروف أشيائها المكسرة، وعرضتها في غاليري جانين ربيز في بيروت تحت عنوان "الحصاد". 
 
كل اللوحات مواسم حصاد، فكان الاسم لكل لوحة موسم برقم خاص بها، يجمع بينها رواياتها المنتمية للحدث اللبناني المأسوي الذي لم يعد مأسوياً لأنه بات الغالب والمعتاد.
 
العناصر المتجمعة لدى بعاصيري رموز لروايات الوطن اللامتناهية، وبينما تجمعها من أماكنها، من مواقع مختلفة في سنوات من الزمن، كانت الرموز المتكدّسة حول بعضها تتبادل الروايات، كل من زاويتها، بحسب ما لاحظت الفنانة، فكانت العناصر تتقارب، وتتماهى بنظرها، رغم المسافات في ما بينها وتباعد مصادر الرموز.
 
الفضلات هي حصاد بعاصيري، منها طلاء الكلس من مبنى فياض المواجه لمرفأ بيروت، والمتضرّر بداهةً من انفجاره، وهي لا تريد نقل المبنى إلى أعمالها الفنية، فجمعت من البقايا المتناثرة بعضاً من رقعها، خصوصاً طلاء الجدران، ومنها بقايا أشجار متقطّعة تحت حجج الترتيب والتقليم التزييني، لكن الفنانة تدرك أن القطع إن هو إلّا عمل استثماري، والأسوأ إنه مخصّص لإنتاج ما يخدم حيّزاً أسوأ، أي عالم النرجيلة.
 
من العناصر أيضاً، بقايا شموع جرى إشعالها في معابد، فانضم قسم منها إلى محترف الفنانة، يتجاور العناصر الأخرى، كأنه يحاورها، ويتفاعل معها، لتتكوّن منها وحدات متقاربة، ولو كانت متناثرة، ولتخرج منها روايات المدينة عبر هذه الرموز، مفكّكة، ومتنافرة حيناً، وهي متقاربة في الانتماء للحدث البيروتي.
 
تستدرج الفنانة العناصر إلى لوحاتها، محاولة الحفاظ على الروايات التي تكونت عبر مكوثها مع بعض، وساعية إلى تماسك العناصر، حفاظاً على الروايات، وتعمد إلى تقويتها بلواصق تنضم إلى عائلة المواد المستخدمة في الأعمال، مثل الأكريليك، والغرافيت، وخيوط قماش الأورغانزا، والفرنيش.
 
وتمضي الأعمال المنتمية إلى عوالم مختلفة، والمندمجة في هوية المصير، ومصير الهوية، لوحات تستعرض ذاتها على أقمشة بألوان شفافة، وأشكال متحاورة، متراقصة بأوضاع تعبيرية- جسدية في غياب الجسد.
 
أمضت الفنانة 3 سنوات بين جمع العناصر وتوليفها، قبل أن تستضيفها جدران "ربيز"، وبين أعمدة صالاته حطام أشجار خلّفتها فؤوس ومناشير البلدية، بينما تعتقد الفنانة أن المدينة المكتظة بالأبنية هي أولى بكل غصن، وشجرة، وبيئتها تفتقد الهواء والأوكسيجين، في ظل هذا الازدحام العمراني الطاغي.
 
تصف بعاصيري رحلتها في نص مرافق للمعرض بــ "رحلة الحصاد الطويلة: من الغبار إلى الرماد، إلى رغوة الصابون، إلى الأشياء المهملة"، مضيفة أنها كانت دائماً "مهووسة بالبحث عن الأشياء الهشّة، التي تحتوي على قصص مهمة لا يمكن سردها"، لكنها شكلت المواد الخام لعملها.
 
وأوضحت أنه بمجرد العثور عليها، تحاول الحفاظ على رقتها وهشاشتها، وتسعى إلى تقويتها، وتماسكها بمواد لاصقة، وبذلك، كما تقول، "أعطيها حياة جديدة".
 
تعبر بعاصيري عن هواجس الأجيال الجديدة، فهي نشأت خلال الحرب الأهلية اللبنانية، ومن خلال معاناتها، تطرح تساؤلات عن علاقة الانسان بوطن في صراع مستمر، وتتساءل: كيف يمكننا التماثل مع أرض ووطن بينما أمضينا معظم طفولتنا وشبابنا داخل المنزل؟ 
 
وفي تخصصاتها المتعددة من الرسم إلى النحت تجد ملجأها وإجابتها في مجالات المنزل، وفي ألفته، من غباره إلى جدرانه، وكل ما فيه.
 
وتقول: "يدفعني هذا الهوس إلى طرح أسئلة مثل: هل الضعف معدٍ؟ وهل ننتهي؟ هل الحياة اليومية في بيئة غير مستقرة مثل لبنان تجعلنا استثنائيين؟ وهل هي مألوفة أن نعيش حياة بطبيعتها في تمزق دائم؟ وتبقى الإجابات في العناصر المتبقية، وفي ألفة المنزل، وما فيه من عناصر".
 
يذكر أن بعاصيري نالت العديد من الجوائز العالمية، وتأهلت منحوتاتها للتصفيات النهائية في النسخة التاسعة من جائزة سيليست في لندن عام 2017، بالإضافة إلى النسخة الــ 13 من جائزة لاجونا في البندقية عام 2019. 
 
كما حصلت على العديد من الإقامات الفنية، وآخرها في "أشكال ألوان" البيروتية لمدة 4 أشهر من شهر أيار/مايو إلى شهر أيلول/سبتمبر  عام 2023 عملت خلالها على معرضها الجديد "الحصاد".
 
 
المصدر: الميادين